فنُّ الحياة، وحياةُ الفن

لقاء خاص مع الفنانة السعودية المميزة، صفية بن زقر "أم الفن".
إن كنتِ تمتلكين الإرادة، فسوف تصلين.
هو شعار تعيش به الفنانة السعودية الأسطورية صفية بن زقر.
في أكثر من 35 معرضًا، وأكثر من 450 عملًا فنيًا، أمضت السيدة بن زقر، المعروفة باسم "أم الفن"، أمضت حياتها في ابتكار والتقاط الأوجه المتعددة لجمال الحياة السعودية عبر الماضي من خلال جوهر شعبها، وتقاليدها الملونة، وتراثها العميق وتاريخها الطويل.
وقالت لمجلة إثرائيات في مقابلة حصرية: "الفن هو حياتي".
على مدى العقود الخمسة الماضية، كانت إبداعات صفية بن زقر الفنية وما تزال، واحدة من سفراء المملكة الثقافيين الأكثر شهرة، حيث تحكي قصة أمة وروحها الإنسانية. هي الفنانة التي ابتكرت "موناليزا الحجاز" الشهيرة، والمعروفة أيضًا باسم "الموناليزا الحجازية"، والتي كانت تحمل في الأصل اسم "الزبون". وقد ظهرت لأول مرة في معرض غاليري دورون الفنّي لعام 1980 في باريس. حيث رُسمت بالألوان الزيتية في عام 1969، وتظهر فيها الملابس التقليدية للمرأة الحجازية في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية، ويعتقد البعض أنها صورة ذاتية للفنانة.

النصة (1975)، في هذا الحفل الأكثر أهمية، تظهر العروس أمام العريس لأول مرة مرتدية ثوبًا حريريًا مزينًا بقماش مرصعٍ بالمجوهرات على صدرها، وتجلس على منصة مقابل العريس الذي يقرأ من القرآن الكريم. عند اكتمال هذه الطقوس، يقف العريس ويفرغ جيوبه من العملات المعدنية الصغيرة ليتراكض الأطفال لالتقاطها. ثم يكشف النقاب عن عروسه، ويزين جبينها بعملات ذهبية، وتُسلم للسيدة التي كانت تلبسها من أجل الاحتفال. تستأجر معظم العائلات فستان الزفاف المطرز بالفضة، ويتم استعارة معظم المجوهرات التي ترتديها العروس من العائلة والأصدقاء. كما يتم صنع أو استئجار عرش خاص لهذه المناسبة. وتكون الاستعدادات متقنة لجعل مظهر العروس رائعًا قدر الإمكان.
تقول السيدة بن زقر: "لوحة الزبون لا تمثل صورة ذاتية بالضبط"، ثم تتابع: "تم رسمها لإظهار فخر المرأة الحجازية. فالنساء ترتدي فستان "الزبون" التقليدي في ذلك الجزء من البلاد، ويتم تفصيله دائمًا بنفس الأسلوب في أثناء صنعه من مواد مختلفة. يتم تثبيت الجزء السفلي من أسفل بستة أزرار من الفضة أو الذهب أو الماس، بحسب ثروة المرأة، وكلها متصلة بسلسلة. والشعر يغطى على طراز (المحرمة والمدورة)، حيث يضفر بغطاء قطني ملفوف حول الرأس، ثم يغطى بالفوال وفوقه قبعة، والوشاح الذي يوُضِع في الأعلى يصنع من قماش قطني ناعم للغاية مطبوع بزخرفة صفراء وبنفسجية باهتة".
هذه مجرد واحدة من مئات من أعمالها الشهيرة، كل منها يوثق بدقة العناصر التاريخية الهامة للثقافة السعودية. من اللباس التقليدي إلى الهندسة المعمارية إلى الحياة اليومية، مثل: ألعاب الأطفال، لعبة الكبوش الشبيهة بالرخام والتي تستخدم العظام من مفاصل الماعز أو الجمال. يتنقل (الهودج الاحتفالي) عبر جدة قبل الحج، والتجار يبيعون في الأسواق مختلف أنواع الصيد البحري والبري كما. تضمنت واحدة من أكثر أعمالها حيوية تصوير حفلات الزفاف السعودية التقليدية، عندما كان "الأبيض" بلون أحمر، وارتدت العرائس السعوديات فساتين الزفاف الملونة التقليدية بدلاً من الأبيض اليوم، وجرت مجموعة من الطقوس من أجل الحظ والازدهار.
تطور أسلوبها الفريد من الهياكل البسيطة، والتشكيلات القوية، والأشكال المهيبة، بتجربة أنماط مختلفة من فنون عصر النهضة والانطباعية، مستوحية من فنانين عظماء مثل Gitto و Fra Angelico و Cézanne، إلى جانب لمسة شرقية باستخدام ضربات الفرشاة اليابانية والصينية.
ولدت ونشأت في حارة الشام في قلب جدة عام 1940، ترك هذا المكان التقليدي انطباعًا دائمًا لدى الفنانة. عاشت السيدة بن زقر بعد ذلك في مصر والمملكة المتحدة، حيث درست الفن كطالبة دراسات عليا في كلية سانت مارتينز. أقامت أول معرض للفن الحديث في جدة عام 1968 مع صديقتها الفنانة السعودية الرائدة والراحلة منيرة موصلي، التي توفيت عام 2019.
في ذلك الوقت، لم تكن هناك صالات عرض، ولذلك أقامتها السيدة بن زقر في دار التربية الحديثة، وهي مدرسة للبنات، وقد حققت نجاحًا كبيرًا، حيث أرست الأساس للعديد من المعارض الفنية المستقبلية.
تم اقتباس كلام موصلي كما قالت
:"أحيي إحساس [صفية بن زقر] بالمسؤولية بصفتها مواطنة وفنانة ساهمت من خلال المؤسسات العامة والخاصة في دعم الحركة الثقافية والفنية في بلدنا. لا يسع المرء إلا أن يعجب بطموحها المستمر لإحياء تراثنا والحفاظ عليه، وتكريس فنها لخدمة هذا التراث ".
كلمات مثل "أبدًا" و"لا يمكن فعلها" و"لا"، لم تكن عقبة أمام مسيرة السيدة بن زقر
إذا تقول: "لا تتوقف، لا تجعل العقبات ذريعة للاستسلام، وهي نصيحة مهمة لجميع الفنانين والمبدعين. كما تقول: "العمل الجاد دائمًا يؤتي ثماره ويدفعك لأن تكون في الطليعة".
وسرعان ما مهد هذا الشغف بالفن الطريق أمام الفن السعودي للسفر والعرض في الخارج، حيث أقيم أول معرض دولي للسيدة بن زقر في عام 1973 في معرض وودستوك في لندن. ثم في الثمانينيات، جالت بفنها في لندن وباريس وجنيف، وقدمت الثقافة السعودية للعالم وكسرت الحواجز والصور النمطية عن الفنانين السعوديين وخاصة النساء السعوديات.
تقول السيدة بن زقر: "من المفاهيم الخاطئة أنهم يعتقدون أن المرأة السعودية لا تستطيع إنجاز شيء مميز، لكن في الواقع، هناك الكثير من النساء السعوديات اللواتي نجحن في العديد من المجالات المختلفة منذ زمن بعيد. يعتقدون أن النساء هنا مقيدات ولا يمكنهن تحقيق قفزة كبيرة إذا كانت لديهن الرغبة، وهذا غير صحيح؛ منذ زمن بعيد كانت النساء السعوديات يعملن بجد في العديد من المجالات، واليوم يمكن للعالم رؤية هذا كله، وتستطيع النساء جني نتائج عملهن الدؤوب خلال القرن الماضي".
في عام 2017، حصلت بن زقر على وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى، مما يعكس مساهماتها في الثقافة السعودية. لكن قبل ذلك، تحقق أحد "أعظم أحلامها" عندما افتتحت رسميًا دارة صفية بن زقر، في يناير 2000، وهي الأولى من نوعها في جدة.
تم تجهيز مبنى الدارة بحلول عام 1995، ويتميز بتصميمه المعماري المبتكر. يحاكي شكله الخارجي الواجهات العظيمة لمدائن صالح النبطية. الجدران الخارجية بسيطة بما يكفي للحفاظ على الانسجام مع التفاصيل الدقيقة للنوافذ والأبواب المصنوعة من الخشب المنقوش. ترصد الأعمال الخشبية المتشابكة الأنماط التقليدية المعقدة التي كانت تزين أبواب المنازل القديمة في جدة، وتكرر النقوش على باب منزل عائلة السيدة بن زقر القديم.

الكنداسة (1986)، كانت هذه أول طريقة لتنقية المياه تم إدخالها خلال الحكم العثماني. تم تشغيلها لأول مرة باستخدام الفحم كمصدر للطاقة حتى اندلاع الحروب المحلية. بسبب نقص الفحم الذي حدث أثناء الصراع الداخلي، عملت الأخشاب كبديل للفحم، لكنها تسببت في النهاية في أضرار جسيمة بحلول عام 1346 هـ. مع فشل محاولات الإصلاح المختلفة، قدمت الحكومة السعودية فيما بعد آلتين كبيرتين. ومع ذلك، استمرت الكنداسة في إمداد مدينة جدة مع نبع الوزيرية حتى محرم 1367 هـ. كان هذا هو تاريخ عملية نبع العزيزية التي تم إنشاؤها بأمر من الملك عبد العزيز آل سعود.
إضافة إلى المكتبة الخاصة التي تضم 7000 كتاب، بما في ذلك العديد من الإصدارات النادرة، تنظم الدارة أيضًا مسابقات للرسم للأطفال ومحاضرات للكبار، ولن يشاهد زوار المتحف الفنّ الجميل فحسب، بل سيعودون بالزمن إلى الوراء.
سافرت السيدة بن زقر عبر المملكة العربية السعودية للتعرف على الأزياء، وطلب العون من صور العائلات، والذهاب إلى الأرشيف والمكتبات في الخارج للاطلاع.
إن الملابس التي كان يمكن ارتداؤها في المناسبات الخاصة مثل أعياد الميلاد أو الأعياد الوطنية، مكتملة: تشمل غطاء الرأس، والأحذية، والمجوهرات، وكلها مصورة بألوانها المائية أو مجمعة على تماثيل لعرض الأزياء.
لا تبيع السيدة بن زقر قطعها، حيث إن كل قطعة منها تعتبر شخصية وثمينة للغاية ومرتبطة بشدة بذكرياتها، وبالتالي يمكن لزوار المتحف مشاهدة مجموعتها الكاملة..
كما تعمل بن زقر حاليًا على مجموعة جديدة.
تقول بن زقر: "ما زلت أرسم كل يوم، وأعمل الآن على سلسلة من اللوحات. لكنني سأكشف المعلومات الكاملة لاحقًا عندما أنتهي منها".
وعندما سئلت عن بعض المعلومات التي قد لا يعرفها البعض عنها، ذكرت حبها للطبيعة وحيواناتها الأليفة. قالت: "أحب القطط والطيور، ولدي ببغاءين، واسمهما هوني وسبايسي".
تجسيدًا لجوهر ماهية الفنان الحقيقي، والشغف، والرؤية، والريادة التي لا يمكن منعها، فإن السيدة بن زقر لا تبدأ أبدًا أي قطعة دون أن تكملها. قالت: "في بعض الأحيان قد تستغرق القطعة وقتًا أطول، لكني أخيرًا أنتهي منها".
وهناك درس آخر من الفنانة الأيقونة مفاده أنه يجب على بقيتنا في أي مجال إبداعي نعمل فيه، المضي قدمًا في حياتنا إذا أردنا ترك بصمة في نسيج الحياة والفن النابض بالحياة.




































