الذهب ينصهر بعبق التاريخ
ما بين السطور لعبدالرحمن الشاهد 2021 احبار على جلد وورق ذهب 140 x 100 cm بإذن من الفنان وغاليري حافظ
الدكتورة سماح سعيد باحويرث، أستاذ التاريخ الإسلامي المساعد والاستشراق في جامعة طيبة في المدينة المنورة، تتعمق في تعريف "الذهب" وتُقلّب صفحات التاريخ للعثور على كيفية اكتشافه، إذ عرف الذهب عبر العصور الغابرة واعتبر من المعادن النفيسة منذ ذلك الوقت، ورغم أهمية هذا المعدن النفيس بحسب الدكتورة سماح، "إلا أننا لا نملك أي معلومة عن الكيفية التي أكتشف بها الذهب أو المكان الأول لوجوده، كذلك نجهل تاريخ معرفة البشرية لهذا المعدن البّراق"، فيما يخبرنا علم الآثار عن وجود قطع ذهبية في منطقة العراق ترجع إلى العصر السومري، وذلك قبل 3000 سنة قبل الميلاد، حيث تعتبر هذه القطع أقدم القطع الذهبية التي وجدت في العالم، ويلاحظ قيمة الذهب في تلك العصور حيث استخدم في مراسم الدفن والجنائز، وتطور استخدام الذهب حيث استخدم منذ العصور القديمة في صنع الأواني والتحف فقد وجد في منطقة بيرو عدد من هذه التحف الذهبية، تعود لعام 1200 قبل الميلاد، إذ تحوي قبور الفراعنة على الكثير من الذخائر والكنوز المصنوعة من الذهب، فكان عادة الفراعنة دفن موتاهم بما يملكون من كنوز وثروات وحلي.
وتسرد الدكتورة تاريخ استخدام الذهب، موضحة بأن أحد المؤرخين يذكر في كتابة ( تاريخ ما قبل التاريخ) أن أول من استخدم الذهب في العملة هم أهالي منطقة ليديا بآسيا الصغرى، وقد أمر بسكها ملكهم قارون "كروسوس"، كما كانت مصر وأرض العراق من أوائل الشعوب التي عرفت استخدام المعادن النفيسة في سك النقود، وما يبدو لافتًا أن تلك الشعوب كانت تفضل المقايضة بالمنتجات الزراعية بدل النقود، وهذا يمّثل حاجة الأنسان في تلك الأزمنة الغابرة، أما في عصر الدولة الإسلامية أقر الرسول صلى الله عليه وسلم تعامل المسلمين بـالدنانير الذهبية الرومية المسماة بـ (الدنانير القيصرية) والدراهم الفارسية وهي (الدراهم البغلية) وكانت من الفضة، ورغم وجود محاولات لسك العملة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وخالد بن الوليد رضى الله عنه، إلا أن المصادر دائمًا تشير إلى أن عبدالملك بن مروان أول من ضرب السكة في الإسلام، حيث سك الدنانير الذهبية وعين وزنها وققن ضربها في الأمصار لمنع الغش والتزييف في النقود. وقد ذكر الدمشقي مقولة توضح سبب اتخاذ النقود من الذهب والفضة فقال: " جعل الناس الذهب والفضة ثمنًا لسائر الأشياء فاصطلحوا على ذل؛ ليشتري الإنسان حاجته في إرادته، وليكون من حصل له هذان الجوهران كأن الأنواع التي يحتاج إليها حاصلة في يده مجموعة متى شاء".
كما شغل الذهب فكر العلماء ومؤلفاتهم منذ وقت مبكر فاشتغل علماء الكيمياء على محاولة صناعة الذهب بتحويل المعادن الرخيصة إلى هذا المعدن البّراق، ورغم المحاولات الفاشلة إلا أنه ظهرت المؤلفات التي سجلت تلك المحاولات، وظهر كثير من العلماء الذين خاضوا غمار هذا العلم وكان من أشهرهم جابر بن حيَّان.
وإذا تحدثنا عن الجمال والحلي والتحف يحتل الذهب الصدارة في هذا الباب كونه رمز من رموز الجمال عند المرأة بالذات. مؤكدة على أن علم الآثار أثبت استخدام الذهب في صنع الحلى والمجوهرات منذ النصف الأول من الألفية الثالثة قبل الميلاد، وكان ارتداء هذه المجوهرات دلالة على الانتماء لطبقة النبلاء، ومثلّت حضارة وادي النيل والحضارة السومرية السبق في هذا المجال.
وأبانت بأن الفراعنة برعوا في صناعة المجوهرات المصنوعة من الذهب الخالص، فوجد في قبورهم نفائس من المصنوعات التي أبدع في صناعتها الفنان المصري، وذلك لما عرف عنهم من حب لارتداء الكثير من المجوهرات المصنوعة من الذهب والمطعمّة بالأحجار خاصة حجر اللازورد، إضافة إلى الزخارف الزرقاء والخضراء، وخير دليل على تلك الكنوز المذهبّة التي وجدت في مقبرة "توت عنخ آمون" في وادي الملوك. فيما اشتهر الإغريق والرومان بصناعة المجوهرات وكان من أبرز ما وجده علماء الأثر تلك الأقنعة الجنائزية المذهبّة التي وجدت في موقع طروادة الأثري.
ويعزي العلماء استخدام الخاتم كرمز للخطوبة إلى الدولة الرومانية. وطور الجرمان من استخدام الذهب فصنعت منه الأحزمة والتيجان إضافة إلى الحلى المذهبّة، ومن أشهر مجوهرات تلك الفترة (القرن السابع) التاج الحديدي، الذي يعود للملكة ثيودوليندا والمحفوظ حاليًا في كاتدرائية مونزا.
وحينما نتطرق في الحديث عن صناعة الحلي في الدولة الإسلامية؛ "فنحن نتحدث عن جمال متفرد وفّن رائع هذبه الإسلام فأخرج لنا الفنان المسلم أروع التحف الفنّية المصنوعة من الذهب" وفقًا لدكتورة سماح ، مضيفة بأن الدولة الإسلامية اشتهرت بالحلي المصنوعة من الذهب الخالص، وحملت تلك المشغولات الذهبية طابع متفرد سواء في النقش أو الأسلوب فكانت الحلى المصنوعة في البلاد الإسلامية أكثر تنوعًا وأشد تعقيدًا، وأظهر الفنان المسلم براعته في فّن التكفيت وهو إدخال معدن في أخر عن طريق الحفر للزخارف وملء فراغاتها بأسلاك معدنية رقيقة وذلك عن
طريق الطرق عليه برفق، وفّن الترصيع بالمينا والأحجار الكريمة؛ جميعها أساليب جعلت للذهب الشرقي مكانة في الغرب، حيث تهافت الغرب الأوروبي في الحصول على كنوز وذهب الشرق.
وخلّد لنا التاريخ تحف ذهبية نادرة تبعثرت في متاحف العالم، ولا يمكن أن نتحدث عن الذهب ونغفل ذكر "متحف المجوهرات الملكية" في مصر حيث يحوي أجمل وأندر التحف والمجوهرات الذهبية النادرة ويبلغ عددها نحو 11ألفاً و500 قطعة أثرية كانت تعود لأفراد الأسرة المالكة التي حكمت مصر وتشمل على " ساعات، فناجين، وساعات، وحافظة نقود، ولوحة شطرنج، وعصا، ودبابيس، وأوسمة، وعملات، وأواني، وحلي" والجدير بالذكر أن سويسرا وإيطاليا ولندن، احتلت مركز الصدارة في صنع أجمل المنتجات الذهبية، إضافة إلى وجود عدد من المدارس المختصة في صناعة الذهب والتي امتازت بطابع خاص ومتفرد مثل المدرسة العراقية والهندية، والإيطالية، والخليجية. ولازال الذهب يحتل الصدارة ضمن المعادن الثمينة، إضافة لكونه أداة من أدوات الجمال والزينة خاصة عند المرأة المستهلك الأكبر له.


