منيرة موصلِّي (سيِّدة الأرض، وأمُّ البدايات)
"اللوحة عالمي، بها أرى الحياة بينما الحرية مساحتها…"
الفنانة الراحلة منيرة موصلي
كرَّمت الخطوط الجوية السعودية الفنانة الراحلة منيرة موصلِّي - رحمها الله - ضمن كتيب (رُوَّاد الحركة التشكيلية في المملكة العربية السعودية)، الذي قدمه الفنان والناقد التشكيلي عبد الرحمن السليمان، وضمت قائمة الرواد الأربعة - إلى جانب موصلِّي - كلًا من عبد الحليم رضوي، ومحمد السليم، وصفية بن زقر. هذه المكانة حققتها الفنانة السعودية عبر تجربتها الفنية المديدة التي شكلت جزءًا مهمًا من التاريخ الفني للمملكة، ويخطئ من يؤرخ لمسيرة الفن في السعودية ولا يتوقف عند تجربة الفنانة منيرة موصلي - رحمها الله - التي تعتبر من رواد الجيل الأول في الفن التشكيلي بالمملكة، وممن فتحوا أبوابًا جديدة نحو عوالم الفن، لمن جاء بعده.

"أرض الثوابت" للفنانة السعودية الرائدة منيرة موصلي. يعود تاريخها إلى عام 1970، زيت على خشب، 110 × 80 سم. الصورة بإذن من مؤسسة بارجيل للفنون، الشارقة.
مولدها ونشأتها
ولدت منيرة موصلِّي في مكة، في أسرة عريقة تهتم بالعلم والمعرفة. وفي تلك البيئة المحفزة، بدأت منيرة الرسم في عمر12 سنة، وابتعثها والدها لدراسة الثانوية في لبنان، وبعدها الدراسة الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة، منتصف الستينيات، وحصلت على دبلوم في الدراسات العليا للفنون من الولايات المتحدة عام 1978 والتحقت بعد ذلك بأرامكو عام1978 كاختصاصية علاقات عامة، وخبيرة في الطباعة والتصميم الإعلامي. ومن خلال عملها شاركت في معارض متخصصة كمعرض (دروبا) لتقنيات الطباعة والصناعات الورقية في ألمانيا، وفي مؤتمرات اليونسيف لدول الخليج المرتبطة بالطفولة كخبيرة فنِّية.
شقّت - رحمها الله- طريقًا غير ممهَّدة في مجال الفن، كان وقودها الإصرار والمهارة، وإيمانها العميق بأهمية الفن في الحياة وفي صناعة الحضارة، وأقامت أول معرض فنِّي مشترك مع الفنانة صفيَّة بن زقر، في مدرسة التربية الحديثة بجدة عام1968 ، وأول معرض خاص كان في جدة عام 1972 ثم توالت معارضها ومشاركاتها في مدن المملكة، والخليج، والعالم العربي، وفي 12 ولاية أمريكية، وعدة دول أوربية، كما فازت بجوائز فنية، ويقتني أعمالها بعض المتاحف العربية والعالمية.

منيرة موصلي مع فؤاد الذرمان في عام 2011، بإذن من أرشيف أرامكو.
شخصيتها وفلسفتها
تعبِّر منيرة بإيجاز شاعري مكثف عن شخصيتها وتجربتها في الفن والعمل والحياة بقولها: "أنتمي إلى كلِّ الحضارات وكل الأجناس وكل الفنون وكل الأزمان.. أقرؤها يوميًّا كلَّما شعرت بالوحدة وانعدام الرؤية. أعيش في غربة دائمة، وأنا في بحث مستمر لا يهدأ، اللوحة عالمي، بها أرى الحياة بينما الحرية مساحتها، مولعة بما وراء الثرى، وما تحت المسام، تفاصيلها علامات استفهام نهمة لا تشبع، خلقت بها، وسوف أموت بها أيضًا".
كانت منيرة شخصية مثقفة مستنيرة، منفتحة على العالم، ومتمسكة حتى النخاع بعراقة عروبتها وقيمها الإنسانية، وعرفت رائدة للفن غير التقليدي. كانت قوية وصادقة، ولم تكن تعبأ بالمجاملة أو الدبلوماسية في التعبير عن رأيها، فكانت تعامل الجميع بناء على إحساسها بالقيمة التي يضيفها كل فرد، بغضِّ النظر عن موقعه في منظومة العمل. كانت جادّة وواضحة لدرجة قد يراها البعض صارمة، ومن يعرف منيرة عن قرب يدرك حسن نيتها، وصفاء جوهرها، وربما يرى أن طفلًا ما زال بداخلها، يمدُّها بالفضول والابتكار.
في مقدمة لمعرض ثنائي بعنوان (بصمة) أقامته منيرة موصلِّي عام1992 في جدة، مع الفنانة آمنة عبدالله، ذكرتْ في مقدمة المعرض أنها ترى: "الفن التشكيلي ليس محصورًا في عمل اللوحات فقط؛ وإنما هو مجمل الأثر الجمالي للإنسان في كل مظهر من مظاهر حياته".
ذكرت منيرة أن كل شيء يمر عليها في حياتها اليومية تتعلم منه، وتستكشفه، فهي تتعلم من الموسيقا والنحت، ومن معاناة البشر حول العالم، وجميع ذلك يؤثر في أعمالها، وذكرت أنَّها شخص ينتمي للأرض وموادها الخام، أما الألوان فتمثل دور البطولة في أعمالها.
وصفها الناقد الأدبي الدكتور معجب الزهراني بأنها تمتاز بمحاولة جادة لاختبار توظيف مختلف للمواد والأشكال والتقنيات، مما يشير إلى حوار واعٍ وجاد مع أشياء وكائنات وألوان، وقيم الموروث الجماعي التخيلي منها والواقعي. فيما أشار الأستاذ عبد الرحمن السليمان إلى أن منيرة كانت فنانة متمردة على الاتجاهات المسجلة للواقع، وكانت الأبرز بين الرواد بوجود النفسِ الأدبي الملحوظ في أعمالها، مثل الانعتاق، وأمواج بلا بحر، والفراشة التي انهزمت، وأعمالها لأطفال هذا الجيل التي عرضت في آرت دبي عام 2016.
برأيي، تجاوزت منيرة الحدود التقليدية، وحاولت إعادة ابتكارها، فالعديد من أعمالها الفنية المعلَّقة على الجدران بدون إطار، أو بإطارات ذات صبغة محلية تشبه بقايا نوافذ وأبواب قديمة. في فبراير 2016، قدمت منيرة موصلي معرضًا بعنوان (على سلالم اللون هناك آثار لخطواتي)، استعرضت فيه مسيرتها الفنية وتجربتها بمختلف مراحلها على مدى أسبوع، تزامنًا مع مهرجان الفنون. أعربت خلاله عن أمنيتها في وجود كليات ومعاهد متخصصة لتدريس الفن، بأسس أكاديمية تتماشى مع الحركة التشكيلية العالمية، وتأسيس متاحف للفن المعاصر في المدن الرئيسة، إضافة إلى اقتناء المؤسسات والشركات لأعمال الفنانين. بحمد الله، جاءت رؤية 2030 بعد ذلك بشهرين، وأعطت أولويَّة للفنون والثقافة.
حكايتي معها
منذ التحاقي بأرامكو في أوائل التسعينيات، وأنا أسمع عن فنانة سعودية كبيرة تعمل في الشركة، وأنها فازت بجوائز عدة، وتحظى بتقدير عالمي من الأمم المتحدة، لكني لم أكن قد رأيتها من قبل. كان حين يذكر اسمها؛ يدور في ذهني ارتباطها بالواسطيّ، وهو عنوان معرض أقامته نهاية التسعينيات بعنوان (الواسطيّ وأنا)، ولم أكن أعرف حينها أن الواسطيّ من أهم الرسامين والخطاطين العرب قبل 700 سنة، وأنه اشتُهر بفن المنمنمات، وأحد مؤسِّسي مدرسة بغداد للتصوير، ولم أفهم العلاقة بين منيرة وبين الواسطيّ الذي استحضرته كما تقول د. مها السنان: "ليس لتعيد إحياءه، ولكن لتستلهم منه زادًا إبداعيًّا، وتستأنف من خلاله صلة انقطعت في التعبير، وقد استلهمت منه جذور التصوير الإسلاميّ الذي يرافق المخطوطات".
غير أني عرفتها عن قرب، حينما تشرَّفت بالعمل معها في إدارة العلاقات العامة بأرامكو الفترة من 2000 إلى موعد تقاعدها المبكر في أبريل 2003. كانت ذات طابع عصري في مظهرها، ترتدي من الأزياء والإكسسوارات ما يعبِّر عن اهتمامها بالفنون، وكان شعرها يميل للصفرة الشقراء، فيكسبها مزيجًا بين الشرق والغرب. كانت لمنيرة أيادٍ بيضاء في تنظيم مسابقة رسوم الأطفال وتحكيمها، التي أطلقتها أرامكو بين أعوام 1978 – 2012.
وتمتعت منيرة بقلب نقي كقلب الأطفال. كنت فخورًا بها وبإحساسها الإنساني العميق الذي ظهر في اهتمامها الفنِّي بالتعبير عن الطفولة، ولم يضاه ذلك سوى وطنيتها وعروبتها واهتمامها بالقضية الفلسطينية. ما زلت أحتفظ بقطعة صغيرة على شكل حجر مزخرف بالخط العربي أهدتني إياها بعد مغادرتي قسم النشر والعلاقات الإعلامية. أتذكر أنني أخذت ابنتي ديمة التي كانت في السادسة من عمرها، وابنتي دانة التي كانت في الثالثة، لزيارة منيرة بعد العمل. جلست معهما، وكانت حريصة على أن ترسما، وكنت حينها أفكر، لو علمت ابنتاي أنهما تحظيان بشرف التتلمذ لساعة واحدة على يد رمز وطني كبير، لشعرتا بالسعادة والامتنان.
بعد تقاعدها المبكر من أرامكو، استمر تواصلنا لمدة 15 عامًا، ونظمنا لها زيارة لمركز إثراء في مكاتبنا المؤقَّتة في الظهران عام 2011 حين كان المركز في مرحلة البناء والتطوير، وكانت مسرورة للغاية بذلك. في تلك الفترة اشترى فريق المتحف في إثراء لوحة (الصبيَّة)، واحدة من أبرز أعمالها الفنية، التي تمنَّت رؤيتها معروضة في متحف إثراء.
أدركت في أثناء كتابتي لهذه الكلمات أهمية أن يكون هناك كتاب مخصص لإرث منيرة موصلِّي وأعمالها الفنِّية، التي ربَّما وصلت إلى ما يقرب من 100 عمل. في رأيي من بين أبرز أعمالها يأتي (أرضي وناسي)، الذي فازت به في مسابقة تنافست فيها مع 20 فنانًا عالميًّا لتصميم ملصق يرتبط بمناسبة متعلقة بالأمم المتحدة بهدف تعزيز قضايا تمكين المرأة.

لوحة (الصبية)، من أعمال الفنانة الراحلة منيرة موصلي، باستخدام وسائل لونية متعددة على ورق، سنة الاقتناء 2010، ضمن مجموعة متحف إثراء. بعدسة احمد الثاني.

الفنانة منيرة موصلي في أحد معارضها، بإذن من أرشيف أرامكو
وفاتها، وماذا قالوا فيها
توفيت الفنانة منيرة موصلِّي يوم الجمعة 11 يناير 2019، إذ فجعنا بهذا النبأ. حينها كتب عنها سمو وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود معزيًا عبر صفحته في تويتر، ووجَه بتسمية إحدى دور العرض الفنية في المملكة باسمها، تقديرًا لإسهاماتها وجهودها.
أثار رحيلها موجة من الحزن والتقدير، وعبَّر العديد من الشخصيات البارزة عن حزنهم لفقدانها، وتقديرهم لإرثها الفني والإنساني؛ فقد وصفها الناقد الأدبي الدكتور عبدالله الغذامي بقوله:"عاشت حياة وطنية وإنسانية رسمتها على لوحاتها، وكتبت بريشتها أعمق معاني الضمير، والانتصار للعدالة ولفلسطين وحقوق الأرض والإنسان".
كما أشادت بها الدكتورة مها السنان، الأكاديمية في مجال الفنون البصرية والتراث وعضو مجلس الشورى السعودي، واصفة إياها بـ (سيِّدة الأرض، وأمّ البدايات والنهايات)، مؤكدة على دورها الكبير في تمهيد الطريق للنهضة الثقافية البصرية في المملكة. ولخص الشاعر صالح الصالح مكانتها في مقالة: "كانت مجدًا في حياتها، وستظل بعد مماتها مجدًا، ومثلها لا يغيب سوى بجسده".
أما الأستاذ عصام توفيق، الذي عمل معها، وعرفها عن قرب، فغرَّد بكلمات مؤثرة قائلًا: "لا يمكن أن ترحل منيرة، لا يمكن أبدًا. أحاسيسك بألوانها المشرقة، رنيم ريشتك بشجوها البديع، وروحك المتحدِّية لأي شيء وكل شيء، لا يمكن أن ترحل. تقطن في قلوب كلِّ من حظي بالوقوف في محراب أعمالك. أثريت حياتنا بتفرُّدك وفنك الخلاق، يا منيرة، إنه لا وداع".
ونشر مركز إثراء تغريدة توجّه فيها بالتعزية للمجتمع الفني في المملكة، ولعائلة الفنانة التشكيلية منيرة موصلِّي: "إن الفنَّانة الراحلة عملت في أرامكو، وكانت من أشد المتحمسين لرسالة إثراء، ويعتز المركز باقتنائه أحد أبرز أعمالها لوحة الصبيَّة."

رائدتا الفن التشكيلي السعودي: صفية بن زقر (يمين) ومنيرة موصلي (يسار) في حافظ جاليري بجدة في يوليو 2015، تصوير فؤاد الذرمان
أما أنا فأذكر كلماتي التي ودَّعتها بها: "وداعًا منيرة.. رحلتْ فجأة وعلى سلالم اللون آثار لخطواتها التشكيليَّة التي امتدَّت 50 سنة بين بيروت والقاهرة وأمريكا، والظهران والمنامة وجدة. شرُفت بالعمل معها 3 سنوات في أرامكو. الإرادة والريادة من سماتها، وقد شقَّت طريقًا غير ممهدة، وتميزت بأسلوب تجريبي رمزي، وحسٍ عربي وإنساني رفيع."
وكم أسعدني أن أرى أعمالها حاضرة في بينالي الدرعيَّة قبل سنتين، لتؤكد على أثرها الإبداعي العميق الذي تركته في فضاء الفن التشكيليِّ السعودي، وفي قلوب محبِّيها بعد رحيلها قبل 5 سنوات، وكأنها تقول لنا، كما قالت في أحد معارضها: "على سلالم اللون هناك آثار لخطواتي."




































