تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

استعادة الفن من حولهم

واحة فنيَّة

استعادة الفن من حولهم

استعادة الفن من حولهم

صيف الهدا، 1974. زيت على قماش، 100 × 120 سم. بإذن من معرض الفن التجريدي.
 

بقلم
عبير النمري

10 دقائق للقراءة

July 15, 2024

إذا لم نحمِ تاريخنا ونقوم بكتابته، فسوف نفقده إلى الأبد! علينا ألا نسمح بحدوث ذلك، تاريخنا هو ذاكرتنا البصرية، وهويتنا، ومَن نكون

– بسمة الشثري، قائدة الفريق القيّم للمعرض الفني (من حولهم) الذي ينظمه معهد مسك للفنون.

يمكن للفن أن يكون بمثابة باب خاص يعيدنا إلى ماضي أمَّة بأكملها. يوسف جاها، عبد الحليم رضوي، عبد العزيز الحماد؛ هؤلاء هم بعض الفنانين الأوائل الذين بدأوا المشهد الفنِّي السعودي الذي نراه مزدهرًا الآن، وما قدَّموه من أعمال فنية كانت بوابة للفنانين السعوديين اليوم، ليتبعوا خطاهم. لقد ساعدوا في رواية التاريخ السعودي، والحفاظ على الأماكن التي لم تعد موجودة، وزرع ذكريات بصرية في أذهاننا لأماكن لم نعشها؛ كل ذلك حتى نعرف تاريخنا، ونحافظ عليه للأجيال القادمة.
يكشف معرض (من حولهم) المنظم من قبل معهد مسك للفنون، والذي استمر من أكتوبر 2023 إلى مارس 2024، بدايات الفن السعودي عبر خمس وخمسين لوحة فنية لعشرين فنان سعودي من الرواد، كما يوضح المشاهد الطبيعية السعودية من حولهم وتأثيرها على أعمالهم.
في هذا الحوار نتحدث مع بسمة الشثري - قائدة الفريق القيّم للمعرض - عن بدايات هذا المشهد الآسر، والفكرة وراء موضوع المعرض، وأهمية التوثيق الفني، وغير ذلك الكثير.
 

<p><span style="background-color:transparent;color:hsl(0,0%,90%);"><i>الميفة 1985، أكريليك على ورق، 42 × 30 سم. بإذن من معرض الفن التجريدي.</i></span><br>&nbsp;</p>

الميفة 1985، أكريليك على ورق، 42 × 30 سم. بإذن من معرض الفن التجريدي.
 

بدايةً حدِّثينا عن موضوع المعرض، وسبب اختيارك له.

نحن العاملون في قسم التقييم الفني في معهد مسك للفنون، نولي اهتمامًا كبيرًا بالبحث عن بدايات المشهد الفني السعودي؛ لقد أجرينا بحثًا شاملًا لمدة تزيد عن العامين، ووجدنا العديد من الفجوات المعرفية في تاريخ الفن السعودي. لم يكن هذا الأمر مُرضيًا لنا، لذلك شعرنا أننا بحاجة إلى الإسهام في سدِّ تلك الفجوات، وحتى نحن الباحثين، بحاجة إلى معرفة المزيد عن تاريخ الفن السعودي.
هذا ما دفعنا إلى استكشاف البدايات الأولى للفن في المملكة العربية السعودية، وكانت النتائج مفاجئة لنا، علمنا أن كل شيء بدأ في عام 1953 عندما شجَّع أحد المعاهد في مكة طلابه على إنشاء الأعمال الفنية، وعرضها في معرض المدرسة. كان أحدهم فنانًا معروفًا هو عبد الحليم رضوي، وعمره كان آنذاك 15 عامًا.
قادنا بحثنا لاكتشاف بدايات الأنشطة المختلفة التي جرت في ذلك العقد، والتي ساعدت في دعم تطوير قطاع الفن. ويشمل ذلك عندما أضافت المدارس مادة الفنية كجزءٍ من مناهجها الدراسية لأول مرة في عام 1958، وعندما أطلق أول معرض من قبل الملك سعود في إحدى جامعات الرياض. وبعد فترة وجيزة، بدأ العديد من الفنانين بالظهور، وخُصِّصَت منح دراسية فنية مختلفة. كما سافر الفنانون السعوديون إلى الخارج لفهم الفن وأساليب إبداعه، وكذلك إتقان طرق تدريسه حتى يتمكَّنوا من العودة ونشر تلك المعرفة.
بالنسبة إلينا، فإن التعرُّف إلى هذه القصص والأجزاء من تاريخ الفن السعودي أمرًا مهمًا للغاية، وأردنا التأكد من إمكانية الوصول إليها. تعرفنا على عشرين من أوائل الفنانين السعوديين، وتمكنا من عرض أعمالهم - والتي بلغ مجموعها 55 عملًا - في المعرض. جاء اسم (من حولهم) من القاسم المشترك الوحيد بينهم: تأثير البيئة الذي يظهر بوضوح في أعمالهم.
 

كل الفنانين الذين التقيناهم، أو الذين زرنا استوديوهاتهم الفنية، ظلُّوا يرددون: "الفنان ابن بيئته"، وذلك من باب شعورهم بالانتماء، والارتباط بالبيئة المحيطة بهم. كانت لحظات ملهمة بالنسبة لنا، لأن هؤلاء الفنانين كانوا من مناطق مختلفة في المملكة العربية السعودية، وبيئات متنوعة، مع ذلك ظهر أثر ذلك بشكل متساوٍ في الفنانين جميعهم.
لذلك توصلنا إلى اسم (من حولهم) باللغة العربية، أو (Echoing the land) باللغة الإنجليزية، والذي يسلط الضوء على أعمال هؤلاء الفنانين الفنية ومواهبهم وتأثيراتهم المختلفة حسب البيئات المحيطة بهم.
أردنا أيضًا من خلال المعرض التوثيق والأرشفة، وهو ما كان أحد أهدافنا الرئيسية في معهد مسك للفنون. لقد استعرنا الأعمال من داخل المملكة وخارجها، من هواة جمع الأعمال الخاصة، والهيئات والمؤسَّسات الفنية، والمعارض، والفنانين أنفسهم.
هناك قطعة استعرناها من عبد الرحمن سليمان، احتفظ بها في الاستوديو الفني الخاص به في منزله منذ فترة الثمانينيات.

 وجمع هذه الأعمال الفنية مهمًا لأسباب عديدة؛ الأول منها أنه يتعيَّن علينا عرض كلِّ هذه القطع المتباينة في مساحة واحدة، ليستمتع بها الجميع، مثل الطلبة البالغ عددهم 6000 ممن زاروا المعرض، وأيضًا لغرض فهرستها، لتكون في متناول الجميع، بما في ذلك الباحثون والفنانون وعشَّاق الفن المحليون والدوليون، مدركين أنها ستكون مساهمة كبيرة في المشهد الفني السعودي.
لقد كان لدينا اتصال دائم بهؤلاء الفنانين الرائدين، لكننا نهدف إلى العمل معهم الآن بطريقة أكثر جدِّية. من المؤكد أن معرض (من حولهم) ألهم سلسلة من المعارض الفردية التي تركز على الفنانين السعوديين الأوائل وإرثهم. تم إطلاق النسخة الافتتاحية – التي تسلط الضوء على طه الصبان، ويوسف جاها– في مايو 2024.
 

برأيك ما القطع الفنية في هذا المعرض التي شدّت انتباه الجمهور؟

حصدنا الكثير من الردود المختلفة على المعرض، والتي كانت في معظمها إيجابية. وما أسعدنا حقًا هو تلهُّفهم لرؤية أعمال عبد العزيز الحماد الفنية، والتي يعود تاريخها إلى فترة الستينيات، والتي كان يصعب على الناس إمكانية الوصول إليها، أو الفرصة لرؤيتها. وكما قلت، لم تكن هناك أرشيفات فنية كافية لرؤية بعض أهم الأعمال الفنية التي تم إطلاقها في ذلك الوقت. كان لدينا عمل فني واحد في المعرض لعبد العزيز الحماد - وهو العمل الوحيد الذي رأيته على الإطلاق - وكان الناس متفاجئين وسعداء برؤيتها فعليًّا والتفاعل معها.
كانت لدينا أيضًا أعمال فنية مهمَّة جدًا لم تكن موجودة في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، إحدى أعمال عبدالحليم رضوي مملوكة لمتحف في الدوحة. كان الناس مسرورين للغاية لرؤية هذه الأعمال شخصيًا هنا؛ واحتفلوا بالأعمال الفنية التي عادت للوطن لفترة وجيزة.
لأكون صادقة، أنتم تطرحون سؤالًا صعبًا، لأنني أستطيع أن أروي قصة عن كل عمل فني، لكني أختصرها في حديثي الآنف عن العملين.
 

<p>مبنى، 1983، زيت على قماش، قياس اللوحة 122 × 90.5 سم، بإذن من صالة حوار للفنون.<br>&nbsp;</p>

مبنى، 1983، زيت على قماش، قياس اللوحة 122 × 90.5 سم، بإذن من صالة حوار للفنون.
 

<p>بلا عنوان، 1989. زيت على قماش، قياس58.7 × 118.8 &nbsp;سم، بإذن من صالة حوار للفنون.<br>&nbsp;</p>

بلا عنوان، 1989. زيت على قماش، قياس58.7 × 118.8  سم، بإذن من صالة حوار للفنون.
 

لقد تطرَّقتِ إلى هذا الأمر في البداية، لكن لماذا تعتقدين بأهمية معرض (من حولهم) الذي يركز على الفن السعودي؟

إذا لم نفعل ذلك الآن فسوف نخسره إلى الأبد! بكل بساطة، إذا لم نحمِ تاريخنا ونكتبه فسوف نفقده كليًّا. لا يمكننا السماح بذلك لأن هذا التاريخ يحمل جزءًا كبيرًا من ذاكرتنا البصرية، وهويتنا، وما نحن عليه. سواء كان ذلك من خلال دراسة هذه الأعمال الفنية، أو التحدث مع العديد من الفنانين المعاصرين. واستنادًا على هذه الرؤية في أثناء العمل على هذا المعرض، أدركت أن هذه اللوحات الفنية تعكس جزءًا كبيرًا من تاريخ السعودية.
يتطلّب التاريخ السعودي أيضًا التوثيق من خلال الفن البصري، على سبيل المثال، الدكتور فؤاد مغربل هو فنان من المدينة المنورة، قام بعرض لوحتين نادرتين - لم تعودا موجودتين - في معرضين في المدينة المنورة، ففي ذلك الوقت لم تكن لدينا كاميرات، أو أدوات أخرى لتوثيق الأشياء كما نفعل الآن. فجاءت هذه الأعمال الفنية كوسيلة لحماية الذكريات، وطريقة لحفظ الكثير من اللحظات والأصول إلى الأبد.
وهذا ما يجعل من الأهمية بمكان أن نستمر في حماية هذه الأعمال، كي لا يضيع كل ما تحتويه، قام عبد الرحمن السليمان، القريب جدًا من مسقط رأسه في الأحساء بالمنطقة الشرقية، بتوثيق الكثير من الهندسة المعمارية للمدينة، والعلاقة بين أهل المدينة ومساحاتها. لم تكن لدينا طرق أخرى للتوثيق؛ تمّ ذلك إما شفويًا، أو من خلال الفن، ومن واجبنا أن نحافظ على هذا الموروث، ونصونه.
 

أتعتقدين أن هذا مهم للفنانين الذين يبدؤون مسيرتهم الفنية اليوم، ولماذا؟

شخصيًا أؤمن بأهمية الاطلاع على تاريخنا والتعرف عليه، من المهم حقًا اكتشاف بدايات الأشياء. ومن المهم جدًا أن تكون على دراية بها، حتى لو كنت فنانًا سعوديًا مبتدئًا، ولا تشدُّك أمور الرسم والمفاهيم الفنية التي بدأها هؤلاء الفنانون الرواد. فإن معرفة البدايات الأولى لهؤلاء الفنانين المبتكرين تعزز القيمة، وتساهم في نقل هذه المعرفة ومشاركتها.
 

<p>الصياد 5/5، 1985. طباعة نافرة، قياس 70 × 55 سم، بإذن من الفنان.<br>&nbsp;</p>

الصياد 5/5، 1985. طباعة نافرة، قياس 70 × 55 سم، بإذن من الفنان.
 

<p>بلا عنوان، 1988، زيت على قماش، 75 ×120 سم، بإذن من معرض الفن التجريدي.<br>&nbsp;</p>

بلا عنوان، 1988، زيت على قماش، 75 ×120 سم، بإذن من معرض الفن التجريدي.
 

أي الأعمال الفنية مفضلة لديك؟ اذكري لنا عمل أو أكثر؟

لقد وضعتيني في اختيار صعب! نظرًا لطبيعة عملي، لا يمكنني حقًا التفضيل بين الأعمال، لكن عليَّ الاعتراف؛ فالعمل مع فنانين رواد يحتل مكانة خاصة جدًا في قلبي، أكثر من أي نوع آخر من الفنانين أو المعارض. والشعور بالهدف الذي يمنحني إياه لا يُضاهى. العمل مع هؤلاء الفنانين المخضرمين ممن يمتلكون خبرات ومعرفة غنية جعلني أبدأ في رؤيتهم كمعلمين، فأنا أعتبرهم جميعًا أساتذة في تاريخ الفن السعودي. العمل على هذا المعرض جعلني أشعر وكأنني طالبة (وطالبة محظوظ للغاية) إلى جانب فريقي بأكمله.
بالطبع، تم تنظيم هذا المعرض من قبل قسم التقييم الفني، واستفدنا جميعًا بشكل كبير من هؤلاء الأفراد الذين كانوا كرماء للغاية في مشاركتنا معرفتهم.

هل ترغبين بإضافة شيء آخر؟

أود أن أضيف شيئًا واحدًا: لم يقتصر المعرض على عرض مجموعة من الأعمال الفنية، بل شمل أيضًا قسمًا لعرض الأرشيف، وهو أمر مهم حقًا بالنسبة لنا. كانت هذه الأرشيفات تحتوي على صور متنوعة للفنانين، والمقالات التي نشرتها الصحف، والصور الفوتوغرافية للفنانين وأعمالهم، بالإضافة إلى الكتب والدعوات للمعارض. لم تكن هذه الوثائق أقل أهمية من الأعمال الفنية، حيث أبرزت قيمة هؤلاء الفنانين وساهمت في جذب العديد من الزوار الشباب. إدراج الأرشيف في المعارض الفنية يعتبر أمرًا بالغ الأهمية، حيث يساعد في وضع الأمور في سياقها المناسب. كما نأمل حقًا أن نلهم الفنانين الناشئين لتدوين الأرشيف وحفظه، وتوثيق معلوماتهم وحمايتها.


إذا فاتتكم فرصة زيارة معرض (من حولكم) فما تزال أمامكم الفرصة لتجربة مجموعته الآسرة من خلال النسخة الافتراضية هنا.
وإذا كنتم ترغبون في استكشاف الأعمال الفنية والفنانين الذين يعملون عليه بمزيد من التفاصيل، فتفضَّلوا بزيارة كتالوج المعرض هنا.


أخيرًا، إذا كانت هذه المقابلة قد جعلتكم تقعون في حبِّ المشهد الفني السعودي الرائد، والفنانين الذين بدأوه، فلا تفوِّتوا فرصة زيارة النسخة الافتتاحية من السلسلة الفردية لمعهد مسك للفنون، والتي تسلط الضوء على التراث الفنِّي لاثنين من الرواد السعوديين الأسطوريين. الفنَّانيْن: طه الصبان، ويوسف جاها.
التفاصيل هنا.