النور.. من علوية القداسة إلى بهرج الصخب
لطالما تقّلب الإنسان في حياته بين المجهول والمعلوم، وتراوحت نزعاته بين الاستس م لهذا المجهول ومحاولات ا تبديده. وعلى امتداد التاريخ البشريّ، لم تحظ كلمة بكل دلالات تبديد المجهول والانعتاق منه، بل وتطويعه وتسخيره، كما حظيت كلمة النور، باعتبارها الحدث الذي يمكِّننا انبثاقه من رؤية الأشياء بوضوح، والخروج من حالة المجهول إلى حالة المعلوم. تنسحب هذه الدلالة على المستوى الماديّ والرمزيّ، فإذا كان النور الماديّ يسمح برؤية المحسوسات المادّية، فإنّ النور في دلالاته هو القادر على إتاحة النظر إلى الفكرة، والخروج من حالة الجهل إلى حالة العلم. كما يفرق النور فلسفيًّا بين الجوهريّ والعرضيّ، كما قال الحسن بن الهيثم في كتابه "فلسفة الضوء": "فالضوء في كلّ جسم مضيء من ذاته هو صورة جوهرّية في ذلك الجسم، والضوء العرضيّ الذي يظهر على الأجسام الكثيفة التي يشرق عليها من غيرها هوصورة عرضيّة، وهذا هو رأي المحقّقين في علم الفلسفة".
ولأنّ النور كان دائمًا الأداة التي لا غنى عنها لإدراك الموجودات وفهم الكون - على اخت ف الزاوية التي ا يقف فيها كل طرف في المعادلة - اختلفت رمزّيته باخت ف الحضارات والثقافات، وتطورت دلالاته عبر ا الحقب الزمنيّة المتتاليّة، فانتقلت من الروحانيِّات الدينيّة
التي تربطه بالإله، إلى إشراقات العقل البشريّ حيث النور مرادف للمعرفة والمنطق، إلى انطلاقات العلوم والتكنولوجيا بكل طاقاتها، ذلك الملعب الذي رسمت معالمه الأضواء، ثمّ تحوّلت لأحد لاعبيه. كانت نظرة الإنسان إلى النور تتحرك دائمًا ضمن مفهوم القداسة، ويتجلى هذا الارتباط في الإس م كما جاء في قوله ا تعالى: " اللَهُ نُورُ السَمَاوَاتِ وَا رَْْضِ".
ل هذا الاقتران الحتميّ بين الإله والنور كالسمة المشتركة بين جميع الديانات، فقد عبد قدماء المصرّيين إله الشمس"رع"، واعتبر الزرادشتيّون النور خالق العالم أهورًا مازدًا، وقدسالمجوسالنار التي تضيء العتمة، أما في اليهودّية والمسيحيّة فقد ارتبط الله وبداية خلقه بالنور في سفر التكوين والإنجيل. وقد لعب الضوء في هذه المرحلة دور المبدد للظ م الناشئ عن حاجة الإنسان ا إلى استشعار قوة علوّية تتحكم في الكون، قبل أن يتمرد على تلك القوى ويلعب دور المبدد لنوع جديد من الظ م، الفكري هذه المرة، الذي طغى على القارة ا الأوروبيّة خ ل القرون الوسطى، والتي وصفها الباحث ا الإيطالي فرانشيسكو بتراركًا في ثلاثينيّات القرن الرابع عشر بالعصور المظلمة، الجالسة طوال أحقاب بانتظار "نورٍ ما".

كانت مصطلحات مثل: "الأنوار" و"التنوير" هي العنوان الأبرز لعصرٍ عكَسَ الصورةَ، ونقل مفهوم النور من القوة المستحكمة المستبدة إلى العقل البشريّ والتفكير العقلاني، على يد الفلاسفة التنويرّيين الذين حملوا لواء معركة انتقال رمزّية النور إلى الضفة المقابلة، مثل: رينيه ديكارت، وفولتير، وروسو، ومونتسكيو.
يمكن اعتبار هذا التحول الكبير، ليس فقط في مفهوم النور، وإّنما أيضًا في موقعه على الرقعة، نقلة حاسمة نحو تشكُّل عصرٍ حديث، انتقل فيه الضوء من الفتيل المغموس في الزيت إلى أساك المصباح الكهربائيّ؛ ليتحرر الإنسان أخيرًا من خضوع استسقائه للضوء من عناصر الطبيعة، كالشمس والقمر والنار، ويمتلك زمام إنتاجه والتحكم فيه وتطويعه. ومما لا شكّ فيه أن امتاك ناصية الضوء قد رسم ملامح عصر جديد يختلف كليًّا عن كل العصور السابقة، ومهّد الطريق لثورات علميّة وتكنولوجيّة وطبيّة كان من بين إبداعاتها: التصوير بالأشعة والرنين المغناطيسي والليزر والألياف الضوئية والميكروسكوبيات وغيرها، ومما لا شكّ فيه أيضًا أن تمرّد الإنسان على سطوة الطبيعة نفسها بدأ فعليًّا مع سيطرته على الضوء، وأن نظرته إلى فكرة النور أو الضوء قد تغيّرت في خضم هذا العصر الذي انحسرت فيه دهشة الظواهر الطبيعيّة وتناقضات الضوء والعتمة، أمام بهرج الأضواء الصناعيّة المعّلبة، والجاهزة للاستهلاك بضغطة زر.
يمكن القول: إنّ دخول الضوء في أدقّ تفاصيل الحياة اليوميّة قد أدى إلى تغيرات جذرّية في سلوك المجتمعات الحديثة، فتحول الليل من "ِلباس" وسكينة إلى لوحة إلكترونيّة لامعة تملؤها "خربشات" ضوئيّة لا تعرف الهوادة، وأصبحت درجة حداثة المدن والتجمعات البشرّية تُقاس بمقدار الضوء الذي يضيء عتمتها، ف ا تكاد تُقام فعالية فنيّة، ولا مباراة رياضيّة، ولا حفل غنائيّ، ولا نشاط احتفاليّ، إلا في ساعات الليل، وتحت الأضواء الصاخبة والألعاب النارّية. لقد تحول الضوء إلى عنصر من عناصر الديكور والتصميم، ونزل من أوجه التي كثيرًا ما بلغ درجة القداسة، ليصبح أداةً في جعبة أي مهندس ضوئيات أو مصمم ديكور، أو آلة موسيقية غير تقليدية، يعزف عليها فنانو اليوم سمفونيات ضوئيّة بكلّ ألوان الطيف.
إلا أن التسليم بالانفطام الكامل للإنسان عن الضوء يبقى ضربًا من الإجحاف في حقّ هذه العلاقة السرمدّية المعقّدة. إذ لا يزال هذا المصطلح محتفظًا بكلّ حميميّته وكلّ رمزّيته التي تختبئ دلالاتها الدافئة رغم كل شيء، خلف أسوار المدينة الباردة. ولا تزال الذاكرة الإنسانيّة وستبقى مستودعًا للغرائز الأشد ارتباطًا بالبيئة الأم، تكفي لحظات من انقطاع التيار الكهربائيّ في ليلة حالكة السواد لاستثارتها؛ ليستشعر الإنسان في أعماقه غرائزَه البكر، ورهبةَ الظلام والبحثَ المحموم عن منطقة أمان، سيبقى النور أولً وأخيرًا أهمّ عناصرها.




































