للاستدامة أثر وتأثير
لقاء الدكتور عبد الله اليزيدي أستاذ السلوك التنظيمي بجامعة القصيم
للاستدامة أثر وتأثير، وكثيراً ما تنظر لها الفلسفة من منظور غير مشابه للواقع الفعلي، لذلك سيطرح الدكتور في السلوك التنظيمي عبد الله اليزيدي، رؤيته من زاويا متنوّعة، ليشكل قالباً حداثياً يجمع بين البيئة والفّن، بروابط مجتمعية. إليكم نص الحوار الذي أجرته الصحافية رحمة ذياب.
حدثنا عن ماهيّة الاستدامة وكيف يمكن تحويلها من منطلق بيئي إلى هدف فني؟
هذا سؤال صعب، مما يجعلنا نحتال عليه، فنباغته من زاوية تُظفرنا به. سيكون ذلك عبر التماس جوهر كل من الاستدامة والفن في قالب يمكّننا من عقد صداقة بينهما، الأمر الذي يسمح باستضافة كل واحد للآخر، وفي الاستضافة تحول وارتحال. جوهر الاستدامة هو تلبية احتياجات الأجيال من الموارد عبر البيئة، وجوهر الفن هو تلبية احتياجات الأجيال من الجمال عبر الإبداع.
إذن، كلاهما يسعى إلى تلبية احتياجات الأجيال الراهنة والقادمة، ويختص كل واحد منهما بموضوع ومجال. وتحدث عملية التحول، حينما ننجح في الإبانة عن مكامن الجمال في البيئة ومصادرها وعبقريتها وطيفها الحيوي بكل تنوعاته، وحقه الأصيل في الحياة والنمو والتجدد، بجانب مواضع الجمال في العدالة والإيثار في استخدام
الموارد بغير شره وإسراف؛ لتكون قادرة على التجدد التلقائي، ومن ثمَّ كونها كافية للأجيال المستقبلية وملبية لاحتياجاتها. وكما يصور الفن الجمال، فهو يصور مقابله أيضاً: القبح. كم نحن بحاجة ماسة إلى تجسيد بشاعة التنمية المتوحشة الجائرة بيئياً وفق أيديولوجية الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية) وخرافة حتمية التقدم اللانهائي، وبيان الآثار المدمرة لهذه التنمية اللإنسانية، التي تهدف في نهاية المطاف إلى مراكمة رأس المال، ولو كان ذلك على حساب تدمير البيئة وسحق الطبقات الوسطى والفقيرة. إن الأرض لا لسان لها يُبين عن الجور الواقع عليها، وهنا يأتي الفن ليكون لسانها الجميل المهذب المقنع، ولوحتها الجمالية المدهشة.
المؤثرات البصرية باتت الوسيلة الأقرب لجذب العامة، كيف يمكن لإعادة التدوير تحقيق المطلب؟
مؤثرات البصرية فاعل، ولكي ينجح الفاعلُ في إحداث الفعل في القابل (المفعول)، فلابد من قبول القابل للفعل. ماذا يعني هذا؟ نقصد بذلك، أنه يتعين علينا تهيئة الأذهان للفهم أولاً، ولالتقاط المعنى ثانياً، ولحدوث الأثر المتوخى ثالثاً. لا أحسب أن المؤثرات البصرية يمكن أن تُحدث أثراً إيجابياً، ما لم ننجح في إيجاد الضمير البيئي لدى الطفل، بحيث يكون لديه حساسية
مرهفة تجاه البيئة واستدامتها، وإلا غدتْ المؤثرات البصرية مجرد عمل فني فاقد للروح. بوجود الضمير البيئي، يمكننا أن نتخيل على سبيل المثال عملاً فنياً، يصور لنا كيف استطاع لفيف من الشباب تحويل نفايات إلى سماد عضوي، وهذا السماد غذّى أشجاراً قليلة، وهذه الأشجار أضحتْ نواة لغابة ضخمة بعد سنوات.
هناك ربط بين الجانب الثقافي الفني واستدامة البيئة، كيف يمكن تعزيز الجانبين عبر مشاريع ثقافية هادفة؟
بكل تأكيد، فالجانب الثقافي هو بمثابة الوقود للفن والجمال والاستدامة. ورأس الثقافة الدين، والإسلام دين الاستدامة بامتياز. لقد حرص الإسلام على تأسيس ضمير بيئي مرهف لدى المسلم، وهنا نتذكر حادثة الجذع، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل من المنبر الجديد الذي صُنع له ليمسح على الجذع (الخشب) وكأنه يأخذ بخاطره. وهذا نص الحديث: "إِنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالتْ امرأةٌ مِنَ الأنصار أو رجل: يا رسولَ اللهِ ألا نجعل لك منبراً؟ قال: إِنْ شِئْتُمْ، فجعلوا
١-خضرنة الوعي، بالتعاون بين مؤسسات الثقافة والتعليم لإيجاد مسابقات حول محورية الاستدامة في النص الديني، وتطبيقات هذه النصوص في الواقع المعيش. وأحسب أن ذلك سيكون له تأثير سلوكي كبير، من جراء حقيقة تأثير الدين على السلوك.
٣-خضرنة الجامعي، بالتعاون بين الجامعات وعدد من المثقفين والأدباء والفنانين، لتأسيس منظومة من الأعمال الثقافية والإبداعية والفنية، بما يغذي سلوكيات الاستدامة لدى الطلبة الجامعيين ويشجعهم على التطوع البيئي.
٥-خضرنة الموسيقى، إذ يمكن تنظيم مسابقة لإيجاد مقطوعات موسيقية، وفق مؤثرات إبداعية في سياق الاستدامة والمحافظة على الطيف الحيوي ورصيد الأجيال القادمة من الموارد. تخيلوا أننا نستمع لـ سيمفونية الاستدامة. يا له من عمل ملهم عظيم.
له منبراً، فلمَّا كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلةُ صياح الصبيِّ، ثم نزل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فضمَّها إليه، تئن أنين الصبيِّ الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها". وثمة تعامل نبوي راقٍ مع الحيوانات، وغير ذلك كثير، مما يؤكد أن الإسلام يكرّس للاستدامة في قوالب الوعي والثقافة. هذا جانب تأسيسي في عملية الربط بين الجانبين، ويمكن بلورة عدة مشاريع لتعزيز الربط بين هذين الجانبين، ومن ذلك:
٢-خضرنة الضمير، بالتعاون بين مؤسسات التعليم والثقافة والفن، حيث يعملون على إيجاد نموذج عملي، يفعّلون عبره مفاهيم الثقافة وأدوات التعليم وتعبيرات الفن في قوالب حديثة مؤثرة، قادرة على خلق الاتجاهات الإيجابية وتنميتها.
٤-خضرنة السينما، إذ يمكن إيجاد منصة للتفاعل بين المثقفين والمبدعين والفنانين، لتكون نقطة انطلاق نحو إيجاد أعمال فنية سينمائية إبداعية تدور حبكتها على الاستدامة، وتُوظف فيها مفاهيم الاستدامة كالضمير البيئي والطالب الأخضر والتاجر الأخضر والمسؤول الحكومي الأخضر وهكذا. وأحسب أننا قادرون على إنجاز ذلك، ويمكن لفيلم كهذا أن يكون ملحمة فنية كبرى، وأن ينخرط ضمن قوتنا الناعمة، ولا سيما أن رؤية المملكة 2030 تتأسس على ركن الاستدامة بشكل جيد، ومن ذلك مشروع السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر الذي دعا لهما ولي العهد الأمين.
كيف يمكن أن نستلهم أفكاراً من البيئة لاستدامتها وترويجها بطابع فني أشبه بلوحات وزخارف مرسومة؟
الأفكار كثيرة جداً في هذا الصدد، ومن أفضل الطرق لاستلهام مثل هذه الأفكار:
- إيجاد مسابقة مخصصة لهذا الغرض.
- دعوة الناس إلى المشاركة حيال ما يرون إمكانية تحويله من البيئة إلى عمل فني.
هل السلوك التنظيمي في المجتمع يسهم في استدامة موارد البيئة ؟
يختلف سلوك الأفراد حيال البيئة ومواردها، وذلك وفق الوعي ومستوى التعليم ودرجة حيوية الضمير البيئي. ونحن نشاهد نماذج مجتمعية ممتازة في الآونة الأخيرة، إذ يعمد كثيرون إلى اصطحاب نفاياتهم معهم عقب الانتهاء من التنزه في البراري والحدائق، وباتوا يكفون عن قلع الأشجار بهدف الحصول على الحطب ونحو ذلك. وهنا، نشدد على أن السلوك الإنساني بحاجة إلى تشغيل مكائن: المكافأة والعقاب في الوقت ذاته، وهنا لا بد من الإشادة بمنظومات الجزاءات للمخالفات البيئية، حيث ساهمت في تقليل من حوادث الاعتداء على البيئة ومورادها والطيف الحيوي. مع كل ما سبق، ما يزال هذا الموضوع بحاجة إلى دراسات سلوكية معمقة وذات طابع تراكمي، طولياً وعرضياً، باستخدام مناهج البحث النوعي والكمي.
بوصفك مهتماً في الاستدامة، هل لديك مقتنيات بيئية ناتجة عن إعادة التدوير وباتت قطعة فنية؟
نعم لدي مثل هذه المقتنيات. ومنها عمل فنان محلي في القصيم، أحال مجموعة من القطع غير المفيدة والتي تُرمى في العادة لتكون ضمن النفايات، حيث أحالها إلى عمل فني متجسد في سيارة قديمة. وقد أقوم ببعض العمل البسيط لكي أحصل على قطع فنية.
فمثلاً، لدي مزهريات طبيعية، أصلها ورد طبيعي، وعوض رميها لتكون نفايات، حافظتُ عليها، بحيث تجف بشكل جيد ومتكامل قدر المستطاع، وتتحول مع الوقت إلى "مزهرية فنية"، وأصلها طبيعي لا بلاستيكي، مما يوجد حميمية مع مثل هذه المقتنيات المستدامة.
هل يمكن للفنان أو الرسام أن ينقل فنه ليكون صديقاً للبيئة؟
قطعاً نعم.




































