نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

الأمومة: واحدة أم متعدّدة؟
ضيف العامود:

الأمومة: واحدة أم متعدّدة؟

الأمومة: واحدة أم متعدّدة؟

'على شاطئ البحر'، للفنانة آنا بيلينسكا-بودانوفيتش. 1886. ألوان زيتية على ورق مقوى. الصورة ضمن الملكية العامة.
 

بقلم شيرين أبو النجا
March 30th, 2026
لأصف أمّي سأكتب عن إعصار في ذروته، أو عن ألوان قوس قزح المتصاعدة والمتهاوية.
- مايا أنجيلو، أعلم لماذا يغرّد الطائر الحبيس

لا يمكن طرح سؤال محدّد عن الأمومة إلّا عبر فعل قصدي، يقع في وهم إمكانية الوصول إلى إجابة قاطعة يقينية، تزهو بنفسها فوق كلّ الأسئلة التي تفتقر إلى إجابة. ربما اليقين البحثي الوحيد الذي يمكن الانطلاق منه نحو رحلة، أو رحلات أخرى للإجابة عن سؤال الأمومة: هو أنّ هناك مَن له مصلحة كبرى في هيمنة نموذج أحادي للأمّ، وهو نموذج نَهل- وما يزال ينهل- منه الأدب والفنّ على مرّ السنين.

 

كشفت النصوص التي تناولتها على مدار أربعة عشر فصلًا في كتابي "رحم العالم: أمومة عابرة للحدود" أنّ الأمّ ليست واحدة، بل متعدّدة، وحتى في هذه التعدّدية لا يُمكن الحصر والتحديد. فالأمومة كفعل ودور وممارسة لا تقف بمفردها في عزلة عن كلّ العلاقات التي تتقاطع معها، وهي بالتالي تتشكّل طوعًا أو قسرًا في ظلّ هذه العوامل المتغيّرة. 

لكن بالطبع أصحاب فكرة الأمومة كغريزة يرفضون هذا القول جملة وتفصيلًا، ويحيلون المسألة بأكملها إلى قوانين كونية، وأخلاقية، وأعراف مجتمعية، تجعل من الأمومة غريزة كامنة تحتلّ المساحة النفسية الأنثوية. 

اللافت للنظر في هذه النقطة هو الاعتراض الدائم الذي يسجله أصحاب هذا المعسكر وغيرهم على أيّ تحليل نسوي. إذ تحضر إلى أذهانهم فورًا مسألة النظرية النسوية المرتحلة من الشمال، والتي تفرض على نساء الجنوب رؤى لا علاقة لها بطبيعة المجتمعات. يقوم هذا الاعتراض على فرضية خاطئة، وهي: أيّ تحليل نسوي هو مستورد من مكان آخر.
 

من هنا تتجلّى أهمّية التحليل التقاطعي الذي يأخذ في الاعتبار عوامل تُحدّد شكل علاقات القوى وجوهرها ومسارها. يلائم التحليل النسوي التقاطعي كلّ الأمزجة البحثية، لكن عند الاقتراب من فعل الأمومة يقع الانفجار: فالأمّ هي المُلامة دائمًا، لأنّها لم تقم بدورها كما ينبغي، أو لأنّها تمرّدت على قواعد مرسومة لا يليق بها اتباع غيرها، أو لأنّها لم تنجح في التوفيق بين عملها (أمر ثانوي)، وتربية أبنائها (أولوية كاملة).

يغيب الأب تمامًا عن المشهد، وكأنّ هؤلاء الأطفال انبثقوا من العدم. في الوقت ذاته، يحضر الأب في المشاهد الروائية بشكل يتسم بالعنف، أو الترهيب، أو التهميش؛ وعندما يكون حضوره بهيًّا أو فاعلًا يدخل الأمر في نطاق الاستثناء. 

اعتمادًا على جدلية القاعدة والاستثناء؛ يشغلني كثيرًا نموذج الأمّ الأبوية، تلك التي تقف حارسًا على بوابة المنظومة، وتحرص على تنفيذها، وتُعيد إنتاجها في أبنائها وبناتها. بشكل ما نجح ماركيز في تصوير هذا النموذج في قصته "الأمّ الكبيرة" التي حكمت مملكة ماكوندو 92 عامًا، وحين اقترب أجلها "احتاجت إلى ثلاث ساعات لتعدّد عناصر ما تملكه في هذه الدنيا". 

يُكثّف ماركيز المجاز في الأمّ الكبيرة لتتحول من جسد وذات إلى رمز أبوي سلطوي، يختزن في ممارساته الفعلية والخطابية نموذج الأمّ الأبوية. تنهل هذه الممارسات السلطوية القمعية (الأمومية) مصداقية من الفترة الزمنية الطويلة التي تجعلها متجذّرة في عقل المجتمع؛ وهي الطريقة نفسها التي تكتسب بها سرديات الأمومة مصداقيتها ورسوخها في الأذهان، بما يجعل أيّ سردية مضادة، أو مغايرة تقع في مجال الرفض أو النبذ.   
 

'أم وطفل في مكان داخلي'، للفنان بيتر فيلهلم إيلستيد. 1898. ألوان زيتية على قماش. ملكية عامة. 

بقراءة العديد من نماذج الأمّ، أو الابنة في نصوص مختلفة ثقافيًّا أيضًا مختلفة في الجنس الأدبي يمكن الوصول إلى أنظمة متعدّدة تحكم الأمومة في المجتمعات المختلفة، بما في ذلك دور الأمّ ونمط (أنماط) العلاقة بينها وبين أبنائها، وتأثير الدائرة الأوسع في شكل هذه الأنماط وتطورها. قد يبدو الأمر مختلفًا عند النظر من خارج النصّ الأدبي أو الفنّي، حيث يظهر ذلك الجزء الذي تحمله كلّ ثقافة لتعلن اختلافها وتميزها، لكنّه ليس إلّا طرف قمّة الجبل. تكشف النصوص عن خطوط رئيسية تضفر المختلف، بما يبرّر تبنّي فكرة الأمومة بوصفها معادلًا لهوية النساء، كما توضّح النصوص الكيفية التي تجد بها النساء المعنى الجوهري لذواتهنّ في ممارسة هذا الفعل، وهو ما يجعل كلّ خروج عن النمط السائد الذي تُعلي من شأنه كلّ الثقافات بمثابة فعل شاذّ يوضع دائمًا في خانة الاستثناء. لكن إذا تمّ وصف كلّ ممارسات الأمومة في الأعمال الأدبية بوصفها استثناء لا يُعتدّ به فما النمط السائد الذي تُجيزه الثقافة؟ ما التجربة التي تتصدّر المشهد؟ وما التجارب التي يتمّ التعتيم الكامل عليها؟

لا يحتاج السؤال السابق إلى إجابة بقدر ما يحتاج إلى طرح أسئلة جديدة، فما الذي يدعو المجتمعات إلى تثبيت وتشييد نمط واحد من الأمومة؟ وماذا عن الاختلاف الجوهري الكامن في الذوات، والذي تحكمه عدّة عوامل: المكان الجغرافي، الزمن التاريخي، الزمان النفسي، الطبقة، التعليم، السياق السياسي والاجتماعي. بهذا يُمكن فهم كيف يتمّ غلق الدائرة حول مفهوم أحادي للجندر، مع التركيز على أدوار النساء، والتي تنحصر في دورها في مؤسّسة العائلة. بأخذ هذه العوامل في الاعتبار تتحول الأمومة إلى تجربة فردية، وهو ما يعني الاختلاف، لكن التأثير الذي تمارسه القوانين الوضعية والدينية في الأمومة يجعلها بمثابة مؤسّسة. من هنا يُمكن فهم التحدّيات التي تواجهها الأمّ غير المنصاعة للخطاب السائد، والتوتّرات القائمة بين مجتمع يفرض سياسات ثابتة للأمومة، وفرد يحاول الخروج عن مسار هذه السياسات. 

إعادة تعيين الألوان