نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

انعكاسات الأمومة في مرايا الشعر العربي
كنوز عربية:

انعكاسات الأمومة في مرايا الشعر العربي

انعكاسات الأمومة في مرايا الشعر العربي

'بلا عنوان'، للفنانة عطيات فرج. 1959. ألوان زيتية على قماش. 67x82سم. كان هذا العمل الفني جزءًا من معرض "الأفق في أيديهن" الذي أقيم بالتعاون مع مؤسسة بارجيل للفنون في مركز إثراء. بإذن من مركز إثراء.

بقلم عبير الديب
March 30th, 2026

يُقال إنّ أوّل كلمة نطق بها الإنسان العاقل هي (أوم)، ذلك الصوت البدائي النابع من كينونة البشر وحنينهم إلى الأمومة ودفء حضورها، و(أوم أو أوما) في العديد من الثقافات لفظ مقدّس مرتبط بالأرض وأصل الإنسان وجذوره البيولوجية والنفسية، وترتبط أسطرة هذا اللفظ بقيمة الأمومة منذ فجر التاريخ البشري. ومع تطور اللغات، واتساع مساحات التعبير اللغوي انتقل مفهوم الأمومة من الأسطورة إلى الحياة الاجتماعية والدينية، لتتحول إلى أيقونة شعرية وثيمة تناولها الشعراء العرب، حتى يكاد العدُّ يعجز عن حصرهم، فلا تجد شاعرًا إلّا وذكر أمّه في غير قصيدة، متغنّيًا بها، مستحضراً لوصفها ما تجود به بيئته من رموز العطاء والخير والتفاني.

ومن المدهش أنّ ثيمة الأمّ في الشعر العربي معين لا ينضب لغةً، ونبع لا يجفّ تجدّدًا، فعلى الرغم من التفاوت الذي ينطوي عليه حضورها الشعري من نصّ لآخر، أو من شاعر لآخر، فإنّها تظلّ الخيط الذي لم يغفله شاعر وهو يبني أسلوبه، ويرسّخه، سواء في قصائد مستقلّة تتناولها موضوعًا، أو ضمن قصائد ذات أغراض شعرية مختلفة، تتّكئ عليها ترصيعًا وتجويدًا.   

حضن يتحوّل إلى ذاكرة

مرَّ مفهوم الأمّ في الشعر بمراحل تحوّل عديدة، فعلى الرغم من التورية التي كانت سائدة في فترة ما قبل الإسلام فيما يتعلّق بالنساء وأسمائهنّ، فإنّ ذكر الأمّ ارتبط بفكرة الملاذ الآمن من قسوة الصحراء، ولازمتها خصال كالصبر والوفاء، والقدرة على اجتراح المنافذ للتحايل على صعوبات البيئة، وكثيرًا ما افتخر الشعراء بأمّهاتهم، ومنهم عنترة بن شداد الذي قال في أمّه زبيبة متحدّيًا مَن كان يعيّره بها:


وَأَنا اِبنُ سَوداءِ الجَبينِ كَأَنَّها         ضَبُعٌ تَرَعرَعَ في رُسومِ المَنزِلِ
 

إِنْ كُنتُ في عَدَدِ العَبيدِ فَهِمَّتي       فَوقَ الثرَيّا والسماكِ الأَعزَلِ


وفي العصر الإسلامي أصبحت الأمّ بابًا يُفتح على الجنّة، وجسرًا للخلاص الروحي،
 ومنه قول الإمام الشافعي:
 

واخضعْ لأمِّكَ وارضِها                            فعقوقُها إحدى الكِبرْ

 

'الأم والطفل'، للفنانة صفية فرحات. 1970. سجادة جدارية 151x124سم. كان هذا العمل الفني جزءًا من معرض "الأفق في أيديهن" الذي أقيم بالتعاون مع مؤسسة بارجيل للفنون في مركز إثراء. بإذن من مركز إثراء. 

أمّا في العصر الحديث الذي امتاز بالتغيرات الديموغرافية والاجتماعية من هجرات قسرية، وحروب مفروضة، ونزوح وشتات، ثمّ انزياحات كبيرة أدّت إلى تفكّك الخطاب التقليدي، فقد عمد الشعراء إلى تخليد الأمّ بنقل صورتها الذهنية من كيان بيولوجي إلى عنصر من عناصر الطبيعة، دائمة الوجود والتجدّد، وخصوصًا في قصائد الرثاء التي تجاوزت المألوف إلى فضاءات ذاتية ورمزية غنية، ومن الأمثلة الكثيرة التي يمكن إيرادها في هذا الصدد قصيدة "فاطمة" للشاعر السعودي عبد الله الصيخان في رثاء أمّه حيث يقول في مطلعها: 
 

كأنّ النساءْ خرجن من الماءْ... وفاطمةٌ وحدها خرجتْ من بَرَدْ
كأنّ ذوائبها الشهب... إن لم تعدْ إلى بيتنا، لن يعود أحدْ


في هذا المقطع يرفع الصيخان المفجوع بموت أمّه ذكرها إلى منزلة الأسطورة التي لا يمكن أن يشبهها أحد، فهي أنقى من الماء؛ «بَرَد»، وفي الوقت نفسه أكثر صلابة، وأوضح حضورًا، وعلى الرغم من أنّ صيغة التشبيه "كأنّ" تحيل إلى الحلم أكثر من الواقع، وتعمّق الإحساس بالفقد، فإنّ الشاعر يعود لتأكيد الحضور الحار والمتوهّج في استحضاره ضفائر أمّه/الشهب، وينفي أيّ حضور مادّي/واقعي لسكان البيت الآخرين من بعد غيابها.

 

ويتابع الصيخان بعد مقطع يؤكّد فيه التباس الزمن في غياب أمّه:

 

قيل إن الذين أتوا بعد يومين من دفنها.... وجدوا في المكان

قمراً نابتاً خلف حنّائها... قمراً من حنان

ويدًا نصف مسترخية... سحبَ الله من خضبها خيطَ دمْ

فنما شجرٌ أخضرٌ... اسمُهُ فاطمهْ.

 

في هذا المقطع يستمدّ الصيخان عزاءه من فكرة تحوّل الجسد الفاني إلى حالة نورانية خالدة؛ «قمرًا نابتًا خلف حنّائها» تبعث دفء الحنان، وتضيء عتمة الفقد، أمّا يدها المحنّاة فقد استحالت حناؤها خيطًا من دم يجسّر الهوة الوهمية بين الموت والحياة، وينبت شجرة خضراء، في إشارة إلى التجدّد والبقاء، والركون إلى حالة صوفية ما ورائية يتحدّى بها قوانين الطبيعة، لينقلنا إلى أرض المعجزات حيث الأمّ تُثبّت اسمها في الأرض من خلال الشجرة.


 

حين يحول الشاعر حضن الأمّ إلى ذاكرة تفيض بالمشاهد، والبناء الدرامي المتماسك، فإنّنا -لا بدّ- أمام قصيدة أطول من أن يحيطها مقال، وأهمّ من أن نختصرها ببضعة مقاطع، فهي مليئة بالمجاز العالي، وعلى الرغم من تجسيدها لأكثر صور اليُتم ألمًا فإنّها تترفّع عن الابتزاز العاطفي، واحتكار مواجع الفقد بصورة شخصية؛ إذ يختم الصيخان بتكريم شامل: «لم أكنْ ابنها وحدَها... ولكنّني ابنُ كلِّ النساءِ اللواتي يشبهنها... وهيَ أمّي القريبةُ من بينهنّ». في قصيدة يصرّ شاعرها عبر كلّ إشارة على أنّ الأمّ تستمرّ في الوجود من خلال تحولاتها الرمزية في الطبيعة، ومن خلال الأثر الذي تتركه في الحياة اليومية لأبنائها، لينسج من حالة الفقد نصًّا معاصرًا، عميقًا ومبتكرًا لموضوع خالد في الشعر العربي.

قبر مجهول يكثّف حزن الفقد

 

في مثال آخر عن الأمومة في الشعر العربي المعاصر؛ يتخذ له قالب قصيدة النثر، يمعن الشاعر السعودي أحمد الملّا في تجسيد ألمه على فقد أمّه، فيقول في قصيدته "قبر عائشة": 


لا أعرفُ قبرَ أمي...

قبَّتُها في الأحلام... لم تنزع من القلبِ غلالةَ الفقدِ

نداؤها غرزَ الحربةَ... ونصلُها الطويلُ ببطءٍ يغوصُ... يشقُّ الحنينَ ويوَسِّعُهُ

ليتهُ تمهّلَ أكثرَ... ليته نقرَ البابَ في الفجرِ أو هبطَ مُنزلقاً بستارةِ النافذة

لو تكلمَ أو أشّرَ بيديهِ عند منعطفِ البيت، لوقفتُ على العتبةِ وتبِعتُهُ

لرفعتُ رنّةَ اليتمِ، شجرةً في السطحِ وخرجتُ مُنتشياً

لهمَمْتُ بالغيابِ

وهزمتهُ، لحملتُ النسيانَ بمودّةٍ.. ودهنتُ بهِ الشقوقَ
 
لوَشَمْتُ الليالي على زندي.
 

'مشهد عائلي'، للفنانة زينة عمور. 1967. ألوان زيتية على خشب. 72x92سم. كان هذا العمل الفني جزءًا من معرض "الأفق في أيديهن" الذي أقيم بالتعاون مع مؤسسة بارجيل للفنون في مركز إثراء. بإذن من مركز إثراء. 

يُتمُ الملّا في القصيدة مزدوج ينطوي على أكثر من طبقة، فالغياب المادّي للأمّ يرافقه غياب لقبرها، ما يقيّد إمكانية الوداع، وهو ما يدفعه إلى بناء قبّة لها في خياله الشعري عبر صورة طيفية تزيد من فداحة الألم، لتنقله من المستوى النفسي إلى المستوى المادّي في استحضاره للحربة التي انغرست عميقًا، وفي حركة بطيئة تزيد من التعذيب لتدمي الحنين. والمفارقة أنّ نداء الأمّ الذي ينبغي أن يكون مصدرًا للأمان يصبح صوتًا لاستدعاء الألم، وخلق سيناريوهات بديلة تتراكم سلسلة من الأمنيات المشروطة المستحيلة، مكرّرًا "ليته" أكثر من مرة، ليجيب بنفسه، ويقترح أفعالًا كان ليستخدمها كأدوات مضادّة لليتم المضاعف الذي فُرض عليه في قوله: "لهممت بالغياب وهزمته"، أو "لحملتُ النسيانَ بمودّةٍ، ودهنتُ بهِ الشقوقَ".

 

وفي الجزء الثاني من القصيدة ينعطف الشاعر مستخدمًا أفعال أمر تأتي في نصّه بمنزلة دعاء ورجاء، فيقول:


عُودي... واتركي رائحتَكِ في الطريق

رائحةَ الضُّحى وهو ينزلُ بالحنّاء... رائحةَ ثوبكِ ذي الشجرِ

كي أقتفيكِ...

أو تذكّري مرقدَكِ التائهَ بشمعةٍ صغيرةٍ

لأتوسّدَ ضوءَكِ... وأنام.


هنا يتّكئ الشاعر على أبرز رموز الأنوثة التقليدية في بيئته؛ التي تذكّره بأمّه "الحناء والثوب ذو الشجر"، مركّزًا على حاسّة الشمّ التي تُعدُّ أكثر الحواس ارتباطًا بالذاكرة، إذ يكتفي بأنْ يشمّ رائحة أمّه في الطريق، أو رائحة كفوفها وشعرها المخضّب بالحناء، أو ربما رائحة ثوبها المشجّر؛ في إشارة إلى ألوان الحياة الزاهية التي غابت بغيابها. ويعود في الخاتمة ليؤكّد التيه الذي تركه المرقد غير معلوم المكان بالنسبة إليه، ويستجدي قبسًا صغيرًا من ضوئها، حتى ولو كان شعاع شمعة، فهو يريد أنْ يتوسّد هذا الضوء البهي للأمومة، كي ينام، ويشعر بالأمان.

 


ومنذ (أوم) حتى اليوم، مهما اختلفت اللغات، وتعدّدت أساليب التعبير، تبقَ الأمومة قيمة عُليا، ويبقى حضن الأمّ برًّا للأمان، يلتصق به الصغير، ويحنّ إليه الكبير، وتتلعثم أمام عظمته البلاغة.

 

* عبير الديب شاعرة سورية
 

إعادة تعيين الألوان