نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

في البدء الطبيعة كانت هي الأم
مسابقة فنّ الأمومة: المقالة الفائزة

في البدء الطبيعة كانت هي الأم

في البدء الطبيعة كانت هي الأم

'كتاب جيد'، للفنانة آنا بو. المصدر: توفيز للمزادات الفنية والتحف والتقييم.
 

بقلم لبنى الغامدي
March 30th, 2026

عبر مختلف الثقافات، والأزمنة المتوالية، يشار إلى الطبيعة بوصفها أمًّا، وليس ذلك من قبيل المصادفة. فالطبيعة تجسيدٌ خصبٌ للحنان الدافئ، والرعاية الواسعة، والحبّ بلا حدود.

كلّ مظهر في الطبيعة يوحي لنا بمعاني الأمومة: الثمار على أغصان الشجر، والدفء في أشعّة الشمس، ونسائم الصباحات الباردة، ورعاية البذرة الكامنة في أعماق الأرض المعتمة. والأمومة في أصلها غريزة في الكون، ومظهر فطريّ من مظاهر الحياة.

من أجل ذلك منحت الشعوب القديمة الطبيعة الأمّ المزيد من العرفان، والاحترام، والتقدير العميق. ولكن في عالم حديث يتكالب على المادّة، ويسوده الجشع، ابتعد الإنسان عن انتمائه للأرض الأمّ، وأهمل العلاقة القائمة على الاحترام العميق التي تربطه بها.

وبدلًا من ذلك ظهرت علاقة أخرى تقوم على معاني الاستهلاك، والتفرّد، والاستحقاق المتعالي لدى الإنسان لما تملكه الطبيعة من موارد خالِصة وهبها الله الخالق. وحين تفنى العلاقة الأمومية، تفنى معها الحكمة، فالحكمة كما يقول نيتشه: "أنثى". (1)

ولأجل ذلك يصبح من الواجب التأكيد على أنْ نقدّر الطبيعة، ونبصرها -مجدّدًا- بوصفها أمًّا، فحين ننظر إليها عبر هذا الإدراك، نواجه جشع الاقتصاد المدمّر، الذي يستنزف خيراتها، ويفسد بيئتها، لنعيد ارتباطنا بها من جديد، برابطة تسودها المحبّة، والاهتمام المتبادل، والعرفان.

ألّا نكتفي باحترام ما نراه فقط، مثل مجموعات الطيور المهاجرة في السماء، أو اللبؤة التي تحمل شبلها وترعاه. بل وأنْ نُبصر ما لا نراه، ممّا يحدث في الوديان والغابات، من شجرة عملاقة تحمي المخلوقات تحتها من هجير الشمس، أو عصفور أزرق يختبئ آخر النهار داخل غصون الأشجار، أو تضحية البذور التي تنام في الظلام حتى يحين وقت الحصاد، فيأخذ الإنسان الغلال، وينسى الطبيعة الأمّ.

حين نتأمّل الطبيعة تعلّمنا ما نحتاج كأمّ حنون، تساعدنا على إبصار الحكمة في ثبات جذور الأشجار، والصمود أمام تبدّل الفصول، والجمال في لمعان النجوم، وتلألؤ أمواج البحار.

كالطير الذي يتعب بعد تحليقٍ طويل، ليسكُن نهاية يومه داخل جذع شجرة، كذلك الإنسان حين يرهق من حرارة الشمس الحارقة، أو المشي المُضني الطويل، يجلس بهدوء تحت أقرب ظلّ ظليل. ذلك أنّ الطبيعة في وجودها تشترك مع الأمّ، بكونها الملجأ الآمن، ليس عبر الكلمات التي تُريح، ولكن بالوجود الهادئ الذي نشعر به بالحواس، وبما تتصف به من عطاء ومحبّة، وحكمة مرشدة، وأثر بهيّ للجمال والأصالة والسحر.
 

 

(1) نيتشه، فريدريك، "هكذا تكلّم زرادشت"، ترجمة فليكس فارس، مؤسّسة هنداوي، 2014.

إعادة تعيين الألوان