في مطبخ أمهاتنا
'لوحة أرضية من الفسيفساء لكعكة لوز'. رومانية، 100–200 م. كانت المنازل الرومانية تُزيَّن غالبًا بلوحات جدارية وفسيفساء أرضية تُصوِّر الطعام، للتعبير أمام الزوّار عن ثراء صاحب المنزل، وكرم ضيافته، كذلك عن كمّية السلع المتوافرة فيه وتنوّعها. حجر وملاط. 27 × 27 × 6.4 سم. هدية من لين هاوزر، ونيل روس. المصدر: معهد شيكاغو للفنون.
ولأني كثيرة السفر، ما زلت أستطيع القول إنّ طبخ أمّي يظلّ الأطيب، له نكهته الخاصة التي لا تُقاس بأي معيار، بل لعلّنا جميعًا، نعود بذاكرتنا إلى الوراء كلّما أكلنا لقمة من طبق أعدّته يدُ أمّ محبة.
إنّ وصفة ذلك الطبق "المميز" - إن وُجدت أصلًا – غالبًا ما تكون مليئة بالمقادير المُبهمة: "حفنة من هذا"، "رشّة من ذاك، إلى أن يستقيم الطعم". والقِدْر هو نفسه الذي استخدمته الأمّ لعقود؛ قاعه ملتوٍ بشكل طفيف، وحوافه متصدّعة. مع ذلك، ما إن تبدأ تلك الرائحة المألوفة والساحرة بالتسلّل في أرجاء البيت، حتى لا يعود الأمر وكأنّ العشاء يحضّر، بل كأنّما يتمّ استدعاؤه.
مهما تقدمنا في العمر، لا شيء يعيد لنا ذكريات الطفولة الجميلة مثل طبق أعدّه أحد الوالدين؛ تلك اللحظات التي كنا نتشارك فيها الطعام مع من نحب، نأكله بلا همّ للوزن أو المظهر، ودون أن نحسب الوقت الذي قضيناه مجتمعين حول المائدة.
غالبًا ما نعجز عن إعادة تحضير وصفة ذلك الطبق الخاص (سلطة البطاطا مع المخلّل في حالتي)، إذ يبدو دائمًا أنّ هناك شيئًا مفقودًا؛ ذلك المكوّن السحري الذي لا يعرف إضافته إلّا والدٌ محبّ، وكأنّه خيميائيّ في المطبخ، يضيف رشّةً غير قابلة للقياس من الحبّ، تصنع الفارق كلّه.
وفي المناسبات الخاصة، كان الأطفال في الشرق الأوسط يُدلَّلون إمّا بفيضٍ من الحلويات السكرية، مثل حلوى الجيلي، وكريم الكراميل، وكعكات عيد ميلاد الفوضوية، والبسكويت أو الشوكولا الساخنة؛ أو ربما بطبق المعكرونة المفضّل مع تلك الصلصة البيضاء الكثيفة (البشاميل) التي كانت تصبح لدنة ومتماسكة، أو بطاطا مهروسة متكتّلة على نحوٍ مبهج، أو بيتزا مترعة بالجبن، أو يخنات تبدو بشكل مريب أنّها مزيج من بقايا طعام الأمس.
لا شيء يضاهي حساء "العافية"، الذي كان يختلف من بيت إلى آخر: حساء الدجاج مع الشعيرية، أو معكرونة بالخضار، أو بازلاء مع الجزر، وكلّ شيء بين ذلك. فالأمر لا يتعلّق أبدًا بالمرض الذي يُفترض أنْ يعالجه، بل بالرائحة المطمئنّة، وبصوت الملعقة وهي تلامس الوعاء برفق بينما يُحرّكها أحد الوالدين، وينفخ فيها، وبالطعم المالح الذي لا يُنسى.
شخصيًّا، كنت سأختطف الفطائر الطازجة المصنوعة من البطاطا (طبق من الزلابية السلافية التقليدية)، وأحشوها في جيبي، وأفرّ إلى غرفتي قبل أنْ يكتشف أحد أنّه من أصل خمس عشرة قطعة، قد اختفت خمس.
ما هو الطبق الذي يجعلك تحنّ إلى البيت؟
لم يحظَ كلّ الناس بوالد محبّ يقف أمام الموقد، يطبخ ويتذوق ويضيف التوابل، ويعدّل الوصفة، كلّ ذلك وهو يفكّر فيك فقط. تلك العناية هي أندر المكوّنات على الإطلاق، وأغناها.
لذلك نطارد هذه النكهات طوال حياتنا، نحاول إعادة إنتاجها، لنكتشف يائسين أنّ محاولاتنا، مع استخدام المكوّنات نفسها، تفتقر دائمًا إلى ذلك السحر الخاص.
في النهاية ندرك أنّ السرّ لم يكن في الوعاء، بل في الشخص الذي يحرّك الملعقة.

'معدات المطبخ'. 1830–1880. من المحتمل أن تكون مصنوعة في ألمانيا أو الولايات المتحدة. خشب، معدن، سيراميك. 43.2 × 73.7 × 35.2 سم. تقديم: مجموعة سيلمَاريس، هدية من جورج كوي غريفز. 1930. المصدر: متحف المتروبوليتان للفنون.


