نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

كيف رسم الفنانون أمهاتهم
زوايا ثقافية:

كيف رسم الفنانون أمهاتهم

كيف رسم الفنانون أمهاتهم


'السيدة رولين مع ابنها الصغير'، للفنان فينسنت فان جوخ. 1888. المصدر: متحف متروبوليتان للفنون.

 

بقلم فرح الإبراهيم
March 30th, 2026

بين الألوان والوجوه الحنونة، وجدت الأمّ طريقها إلى لوحات كبار الفنانين كموضوع شخصي وإنساني في آن واحد. من فان جوخ وحنينه إلى وجه أمّه البعيد، إلى بيكاسو الذي رسمها بواقعية هادئة، ثمّ دالي الذي حوّل فقدانها إلى رموز سريالية، وصولًا إلى لوسيان فرويد الذي جعل بورتريهاتها مشروع عمره. تتّحد هذه القصص في خيط واحد: كيف يرى الفنان أمّه في الفنّ، لا كما هي، بل كما تسكن ذاكرته ومشاعره.

الأمّ كما يراها فان جوخ

 

في خريف 1888، في آرل، تلقّى فان جوخ من أخته صورة فوتوغرافية باهتة لأمّه آنا في هولندا. إلا أنّ رماد الصورة أزعجه، فكتب لأخيه ثيو أنّه لا يحتمل برودتها، وأنّه يريد رسمها كما تحفظها ذاكرته، "في انسجام لوني"، لا في تدرّج رمادي جامد.

من هنا وُلدت لوحة "بورتريه والدة الفنان": ليست تذكارًا مهذّبًا، بل وجهًا مغمورًا بأصفر وأخضر وأحمر حادّ، كأنّ اللون نفسه يفضح المسافة بين ابن قلق، وأمّ محافظة متديّنة، ظلّ يشعر أنّ حياتَه ومساره يخالفان ما تريده الأسرة.
 

'بورتريه لوالدة الفنان'، للفنان فان جوخ. 1888. المصدر: ويكيميديا كومنز. 

 

خلف هذه الصورة تقف سيرة أطول لعلاقة معقّدة. آنا، زوجة القسّ، وابنة المجلّد الملكي للكتب، كانت تؤمن بالبيت المنضبط والحياة "المستقيمة"، بينما كان فينسنت يتمرّد على كلّ ذلك في خياراته المهنية والعاطفية، حتى كتب لتيو أنّه لا يستطيع "أن يعيش داخل نظام الأب والأمّ، لأنّه خانق".

مع ذلك كانت أمًّا داعمة في حدود فهمها؛ رسمت بالألوان المائية زهورًا ونباتات، ملأت بها دفاترها، وشاركت ابنها البكر شغف النظر إلى الطبيعة. البورتريه يجمع هذه التناقضات في صورة واحدة: أمّ تحضر بوصفها نموذجًا للطبقة المتوسّطة المتديّنة، لكنْ بألوان مضطربة تحمل أثر علاقة ظلّت طوال الوقت بين الحبّ والخذلان، والقرب والابتعاد.

 

'بورتريه لوالدة الفنان'، للفنان فان جوخ. 1888. المصدر: ويكيميديا كومنز. 
أمّ بيكاسو في صورة واقعية

 

في حياة بيكاسو المبكرة كانت الأمّ هي العنصر الأكثر استقرارًا. مَرِيّا بيكاسو لوبيث آمنت بموهبته بلا تردّد، شجّعت الأب على دعمه، ويُروى أنّها قالت: "إنّه سيعيش من فنّه"، فكانت مصدر ثقة مبكرة في قدرته، أكثر من كونها مجرد أمّ بيتية تقليدية. ارتبط بها عاطفيًّا في طفولته، ففي الخامسة عشر يرسم لها بورتريهًا واقعيًّا هادئًا؛ أمّ جالسة في وضع ثابت، بملامح دقيقة، وإضاءة ناعمة، ضمن بناء أكاديمي صارم.

 

'بورتريه لوالدة الفنان'، للفنان بابلو بيكاسو. 1896. المصدر: متحف بيكاسو برشلونة. 

 

بعد عقود، في 1923، يعود إليها في بورتريه زيتي، وهي مسنّة، بوضع جانبي، وشعر رمادي، وأسلوب كلاسيكي مبسّط، يجمع بين الوقار والحضور الحميم الصامت. بين العملين تبقى مَرِيّا خارج مغامرته التكعيبية، كأنّ بيكاسو اختار أنْ يحفظ صورتها في ذاكرته ولوحاته، في إطار واقعي وقور، لا يخضع للتفكيك.
 

'بورتريه ماريا بيكاسو لوبيز'، للفنان بابلو بيكاسو. 1923. المصدر: أرت هايف. 
أمّ دالي بين الواقع والحلم

 

في طفولته ارتبط سلفادور دالي بأمّه، فيليبا دومينيش فيريس، بارتباط عاطفي استثنائي ظلّ يشير إليه حتى أواخر حياته. كانت الأمّ مركز العالم العاطفي في صغره. فقدانها بالسرطان وهو في السادسة عشر وصفه بأنّه "أعظم ضربة في حياته". في أعماله المبكرة يظهر هذا التعلّق في بورتريهات واقعية وقورة لها: نصف بورتريه أمام خلفية داكنة، ملامح دقيقة، ألوان ترابية هادئة. اللوحة تبدو، في بنائها كتحية لامرأة رأى فيها "عمود الأسرة"، والشخص الذي شجّع موهبته منذ الصغر. 
 

'بورتريه لوالدة الفنان'، للفنان سيلفادور دالي. 1920. المصدر: ويكي آرت. 

 

بعد موتها، تتحول الصورة. لم تعد الأمّ تظهر بوصفها وجهًا محدّدًا، بل تحولت في لوحات سريالية مثل: أحجية الرغبة، أو أمّي، أمّي، أمّي، إلى كتلة رمزية مثقّبة تتكرّر داخلها كلمة "أمّي" في فضاء مقفر، مع رموز أنثوية، وأشكال عضوية. في هذا العالم الرمزي السريالي يعبّر دالي عن شوقه لأمّه، وجرحه بعد فقدانها.
 

 'أحجية الرغبة'، للفنان سلفادور دالي. 1929. المصدر: ويكي آرت. 
لوسيان فرويد وأمّه في مواجهات يومية

 

قصة لوسيان فرويد مع أمّه من أغنى القصص الحديثة: علاقة معقّدة، باردة في طفولته، تتحوّل بعد موت الأب إلى سلسلة طويلة من البورتريهات التي تصبح كأنّها "مشروع حياته" معها. لوسي فرويد عاشت طويلًا في ظلّ زوجها إرنست، قبل أن تنهار نفسيًّا بعد موت الزوج عام 1970. عندها بدأ الابن يستدعيها كـ (مودل) لتجلس أمامه يوميًّا تقريبًا، محاولة لإنقاذها من الاكتئاب، وتحويل المسافة القديمة بينهما إلى علاقة عمل، ورفقة طويلة بالساعات. من هذا الطقس خرجت سلسلة لوحات أصبحت من أهمّ ما أنجزه، بعناوين مثل: The Painter’s Mother ، و   Painter’s Mother Reading  ، و Painter’s Mother Resting. في هذه الأعمال يرسم جسدًا يشيخ بلا تجميل: جلدًا مترهّلًا، تجاعيد كثيفة، نظرة شاردة أو منهكة، لكنْ مع ضوء كثيف، ومساحة كبيرة يخصّصها لها في الكادر، كأنّها مركز ثقل العالم البصري. 

'والدة الفنان تقرأ'، للفنان لوسيان فرويد. 1975. المصدر: Bridgeman Images. 
'والدة الفنان II'، للفنان لوسيان فرويد. 1972. المصدر: Bridgeman Images. 
'والدة الرسام تستريح I'، للفنان لوسيان فرويد. 1967. المصدر: Bridgeman Images. 

بعد محاولة انتحارها توقّف تقريبًا عن رسم أيّ موضوعات أخرى، وركّز على رسمها بشكل يومي. في نظر نقاد كُثُر، كانت البورتريهات تمرينًا قاسيًا على مواجهة موتها البطيء، وماضيه معها في آن واحد، وجعل لغته الجسدية أكثر صدقًا، لأنّه هذه المرة يرسم شخصًا لا يستطيع أن يختبئ منه.
 

إعادة تعيين الألوان