رسائل عظيمة إلى الأمّهات لبابلو بيكاسو، ونابليون بونابرت، وفاتن حمامة
'الأم'، للفنان بابلو بيكاسو . 1901. ألوان زيتية على ورق مقوّى مثبت على لوح. المصدر:Saint Louis Art Museum.
هي دائمًا أول مستمع.
قبل أن تصل كلماتهم إلى المحاكم أو الاستوديوهات أو قاعات المحاضرات، كان كثيرٌ ممّن نراهم اليوم رموزًا للسلطة والابتكار، يوجّهون رسائلهم إلى قارئ واحد فقط: أمهاتهم.
حين يكتب المرء إلى أمّه، يتغير صوته من تلقاء نفسه، تختصر الكلمات المسافة بين طموحه وخوفه، بين صورته في العالم وحقيقته البسيطة، فالأمّ ليست قارئًا بعيدًا، ولا تنخدع بالبلاغة. هي تعرف صاحب الرسالة قبل نجاحه، وقبل أدواره، وقبل أن يتعلّم كيف يدافع عن أفكاره بثقة. ذلك التاريخ المشترك يبقى حاضرًا، ويمنح كلّ جملة صدقها.
تُظهر مراسلات سيغموند فرويد مع والدته هذا التحوّل بوضوح، فالرجل الذي يحترف لاحقًا التجريد والتحليل، يوقّع رسائله بالاسم الذي كانت تناديه به أمّه في طفولته. كان يحدّثها عن نجاحاته بحذر، بينما يتحدّث عن إخفاقاته بصراحة أكبر ممّا كان سيفعل يومًا في منشوراته. لا تناقض هذه الرسائل نظرياته؛ بل تُعقّدها، وتجعلها أكثر عمقًا.
بينما تحمل رسائل ألبرت أينشتاين إلى والدته بولين، حمولة مشابهة. فهي مفعمة بهمومٍ عادية: المال، والعمل، والصحّة. يشرح قراراته بصبر، وأحيانًا بنبرةٍ دفاعية، وكأنّ العبقرية وحدها لا تكفي لتبرير المجازفة. الشخصية التي نربطها اليوم باليقين الفكري تبدو في هذه الرسائل، متردّدة وواقعية، فالعبقرية لا تظهر بوصفها ثقةً بالنفس، بل مثابرة تحت نظرٍ فاحص من شخصٍ كان رضاه مهمًّا قبل رضا العالم بوقتٍ طويل.
أمّا رسائل فرانز كافكا إلى والدته فأكثر تحفّظًا من مواجهته الشهيرة مع والده، لكنّها لا تقلّ بوحًا. يحرص على كشف نفسه لها، ساعيًا لكشف خبايا حياته أمامها. يكتب بوصفه شخصًا واعيًا بأنّها تقف بينه وبين بنيةٍ أسرية يجد أنّها لا تُطاق. هذه الرسائل حذرة، أشبه بالاعتذار، إذْ إنّ كافكا لا يقدّم نفسه ككاتبٍ مهمّ، بل كابنٍ يحاول تبرير أسلوب حياة يرفض الالتزام.
وكانت علاقة فيرجينيا وولف بفكرة الأمّ علاقة عميقة ومعقّدة في آنٍ واحد. إذ فقدت والدتها وهي صغيرة، لكن ذلك الفقد لم ينهِ الحوار بينهما. ظلّت تكتب إليها بطريقتها، من خلال ذكرياتها، ومقالاتها، ورواياتها، وهي لم تنظر إلى الأمومة كصورة مثالية فقط، بل حاولت فهم ثقلها وتأثيرها، وكيف يمكن أنْ تُشكّل صمت النساء بقدر ما تُعبّر عن عطائهنّ. ومع الوقت أصبح غياب الأمّ مساحة للتفكير في معنى الإرث، والواجب، والحرّية في التفكير والكتابة.
تصاغ السلطة بشكل مختلف لدى الشخصيات السياسية، لكنّها لا تختفي. رسائل نابليون بونابرت إلى والدته، ليتيزيا، تقريبا خالية من التكلّف. يتحدّث عن المال، والخدمات، والشؤون العائلية، مع قليل من محاولات التباهي بالعظمة. لم تكن والدته ليتيزيا تُعجبها المبالغة، ويبدو أنه كيّف خطابه معها، ليتناسب مع رضاها. توحي رسائله إلى أنّ أسلوبه الدرامي كان قد تعلّمه في مكان ما، بينما مع أمّه كانت كفاءته أهم من أي مشهدٍ آخر.
غالبًا ما يسمح الفنانون لأنفسهم بمزيد من الانكشاف العاطفي أمام أمّهاتهم. في رسائل بابلو بيكاسو إلى والدته مع مرور الوقت، تتحول من ثقة ويقين إلى تعبيرات عن الشكّ والابتعاد. ثقته لا تبدو غرورًا بقدر ما تبدو إصرارًا، إنها محاولة لإقناع أمٍّ آمنت به قبل أن يملك الدليل. ومع تزايد شهرته، استمرّ في شرح دواخله لها، وكأنّ النجاح يحتاج إلى ترجمة.
هذا الحضور لا يقتصر على رسائل الغرب وحدها، في الثقافة العربية أيضًا، نجد الأمّ حاضرة في المذكّرات والسير والكتابات الأدبية. قد لا تكون هناك رسالة مكتوبة بشكل رسمي، لكن الإحساس نفسه موجود، ذلك القرب العميق، وتلك المكانة التي لا تحتاج إلى إعلان.
وفي مذكراتها الأخيرة وحواراتها، كانت فاتن حمامة تعود مرارًا إلى الحديث عن والدتها بنبرة شخصية دافئة، كأنها تكتب لها رسالة لا يقرؤها سواها. لم تكن رسائل تقليدية، لكن حضور الأم في كلامها كان مباشرًا وواضحًا، كأنها علاقة وطيدة. بالنسبة لها، لم تكن الأم مجرد حضنٍ عاطفي، بل كانت مرجعًا أخلاقيًا وبوصلة تهتدي بها في حياتها.
كانت فاتن تخاطب والدتها بكلمات صادقة وبسيطة: "أمّي، أنت علّمتني أنّ الشهرة لا قيمة لها إذا فقد المرء احترامه لنفسه. كنت تراقبين خطواتي بصمت، تمنحينني حرّية الاختيار، ومع ذلك كنت دائمًا البوصلة التي لا تخطئ". وفي خطاب آخر تعترف: "عندما وقفت أمام الكاميرا، لم يقلقني الإخفاق، لأنّني كنت أعلم أنّ هناك أمًّا ستمسكني إنْ سقطت". بالنسبة لها، لم يكن النجاح مجرّد إنجاز شخصي، بل كان ثقة منحتها إياها أمّها خِفية.
وتتجلى مخاطبة الأم بشكل أكثر وضوحًا في رسائل جبران خليل جبران إلى والدته كاميلا رحمه، التي كتبها في سنوات اغترابه بأمريكا. هناك يبتعد عن نبرته الحكيمة المعروفة، ويظهر بصوته الإنساني البسيط. كانت أمّه بالنسبة له وطنًا يحمله في قلبه، وذكرى دافئة، وملاذًا أخلاقيًا كلما اشتدت عليه الغربة. يكتب لها دون تكلف: "أمّي الحبيبة، ما زلت طفلًا حين أكتب إليك، وإنْ غزا الشيب شعري. لا أشعر بالخجل من ضعفي أمامك، لأنّك وحدك تفهمين أنّ القوة تولد من الرقّة". وفي رسالة أخرى يبوح: "أمّي، لو كنت تعرفين كم مرة أنقذني صوتك من الوحدة، وكم كانت صورتك أقوى من هذا العالم القاسي". لم تكن رسائله بحثًا عن ثناء، بل كانت وسيلته ليشعر بالأمان.
هذه الرسائل مجتمعة، تُظهر كيف أنّ أقوى الأصوات تتواضع، عندما يكون المستمع شخصًا يعرف الكاتب قبل أنْ تتحول موهبته إلى هيبة.
قراءة تلك الرسائل الآن لا تنقص من شأن أصحابها، بل تُغني حضورهم. وتُبقى الأمّ حاضرة لا تغيب، إذ يصعب إقناعها، ويستحيل المناص منها. فهي مرتبطة بعمق بتلك اللحظة الأولى التي يتعلّم فيها الصوت أن يخرج صادقًا من القلب.


