البحث عن جذورنا في أصداء الصمت
'كليلة ودمنة.' كيفورك مراد. أكريليك على الكتّان. 63x103سم. بإذن من الفنان ومن جاليري ليلى هيلر.
ما معنى أن نعثر على صوتنا في لحظة يصمت فيها العالم؟ في رؤية الفنان السوري-الأرمني كيفورك مراد، لا تكمن الإجابة من علوّ الصوت، بل من الإصغاء إلى همسات الحجارة، ورنين الأجراس المنسية، والحكمة الخالدة التي تحملها الحكايات والأساطير العتيقة التي نجت من التهجير.
في معرضه الفردي "أصداء الأجراس الصامتة" المقام حاليًّا في جاليري ليلى هيلر في دبي، يدعونا مراد إلى رحلة عميقة في البنية العاطفية للذاكرة، ويشجّع المشاهدين على التأمّل في ذلك التناغم الاستثنائي الذي كان قائمًا ذات يوم بين الثقافات والأديان، وفي الجمال الذي أبدعته حين ألهم بعضها بعضًا، واحتضنت إرثًا مشتركًا، وجذورًا متشابكة.
يقول الفنان لإثرائيات: "نرث من أسلافنا ما هو أكثر من الجينات. نرث الثقافة، والتقاليد، واللغة، والحكايات، والقيم، والذكريات. حتى الطعام الذي نتناوله والطقوس التي نمارسها تحمل أصداء أولئك الذين سبقونا".
وُلد الفنان في مدينة القامشلي شمال سوريا، ثمّ تشكّل وعيه في نسيج مدينة حلب الثقافية الغنية، وهو اليوم يقيم في نيويورك، حيث يحوّل التواريخ الشخصية والجمعية إلى سرديات بصرية متعدّدة الطبقات، تذوب فيها العمارة في خطوط إيقاعية، وتنبثق منها أشكال بشرية كالأشباح من أسطح مزدحمة بالتفاصيل.
في صميم هذا الاستكشاف، تقف التقاليد الأسطورية التي طالما دعمت المجتمعات المُهجَّرة، وهي تسعى إلى غرس جذور جديدة، وإقامة صلات جديدة. ويستلهم مراد أعماله من حكايات خالدة، مثل كليلة ودمنة ومنطق الطير، حكايات شأنها شأن فنّه، تحولت إلى أوعيةً لحمل التراث إلى المستقبل، والحفاظ على تواريخ مهدّدة بالاندثار، وتعكس هذه الحكايات الرمزية، بأبطالها من الحيوانات، ورحلاتها الروحية، بحثنا نحن أيضًا عن هويتنا في عالم مشتّت.
يقول مراد: "من وجهة نظري، هذا العمل احتفاءٌ بالمعرفة المتوارثة عبر الأجيال، وتذكيرٌ بأنّ الحكايات القديمة ما تزال تمنحنا رؤى عميقة، تساعدنا على فهم ذواتنا والعالم من حولنا".

'منطق الطير.' كيفورك مراد. أكريليك على الكتّان. 63 × 103 سم. بإذن من الفنان ومن جاليري ليلى هيلر.
ويضيف: "اجتذبتني الرحلة الشعرية في (منطق الطير)، لأنّها تتحدّث عن تجربة إنسانية شاملة؛ البحث المستمرّ عن المعنى، والاكتفاء، ومكان ننتمي إليه".
وعن الحكاية يقول: "كثيرًا ما نقضي حياتنا تائهين في أرجاء العالم، بحثًا عن السعادة، أو عن وجهة مثالية، معتقدين أنّ ما نبحث عنه موجود في مكان ما خارج ذواتنا، مع ذلك تذكّرنا الحكاية بأنّ أعمق إحساس بالسلام والوفرة لا يمكن العثور عليه عبر قطع المسافات، أو امتلاك الأشياء؛ فهو موجود في داخلنا مسبقًا".
ومن خلال فنّه، يدعو مراد المشاهدين إلى التأمّل في رحلاتهم الداخلية، وإدراك أنّ ذلك المكان الهادئ الذي نتوق إليه ليس في مكان آخر، بل هو موجود في داخلنا بالفعل.

'ذكريات الحجارة.' كيفورك مراد. 2019-2026. عمل تركيبي، ثنائي اللوحات. 600×280×70سم (لكل قطعة). بإذن من الفنان ومن جاليري ليلى هيلر.


