أمير الخيول العربية ذو اللّحية الذهبيّة
لوحة مائية للكونت فاتسلاف سيفيرين جيفوسكي، ضمن مجموعة مراسلاته ووثائقه الخاصة بشراء الخيول العربية لبلاطي فورتمبيرغ وروسيا. 1817–1825. حقوق الصورة: polona.pl.
يسبحُ جوادي في بحرِ الصحراء،
يشقّ أمواجَ الرمال.
يحرثُ القممَ البيضاء،
كما يشقُّ الدلفينُ عبابَ الموج.
أسرع... فأسرع،
ينسابُ فوق الحصى.
أعلى... فأعلى،
يحلّق من الغبار كسحابة،
كسحابة عاصفة... هكذا هو جوادي الأصيل.
والنجمةُ على جبهتِه تتلألأ كالفجر،
ويهزّ عرفه، الخفيف كريشِ النعام، في مهبّ الريح.
حلّقْ، كحدأة بيضاء الساقين، حلّقْ!
تلاشيْ أيتها الدروب، وتراجعي أيتها الغابات!
- من قصيدة (فارس) للشاعر آدم ميتسكيفيتش (1798–1855)، كتبها تكريمًا للكونت فاتسلاف سيفيرين جيفوسكي.
لكلّ حالمٍ سبق أن تأمّل الكثبان الذهبية الممتدّة بلا نهاية، وأحسّ بنداء المجهول، فإنّ الصحراء تقدّم له خيارين: الفناء أو الخلود، إذ تُجرد الإنسان من يقينه، ولا تكافئ إلا أولئك المستعدين للاستسلام لاتساعها وجلالها؛ ولهذا اجتذبت الغرباء الباحثين عن شيء يتجاوز ذواتهم، وقلّة هم الذين لبّوا نداءها كما فعل النبيل البولندي الكونت فاتسلاف جيفوسكي، الذي عبر إلى الفيافي العربية المجهولة بحثًا عن الخيول، لكنه وجد هوية جديدة، وغرس جذورًا راسخة في الرمال المتحركة.
وقد كتب الأمير يوستاشي-إيرازم (1768–1845) إلى الكونت جيفوسكي: "عزيزي الكونت، أخبرك بالحقيقة كما هي؛ فما رأت عينٌ في بلادنا من قبل خيولًا عربية كهذه، ولا سمعت أذنٌ بمثل الخيول التي أمتلكها الآن".
لم يكن فاتسلاف جيفوسكي، الكونت والرحّالة البولندي المولود في لفوف عام 1785، بحاجة إلى إقناع من هذا الأمير، أو من غيره. كان قد بدأ بالفعل رحلته إلى العالم العربي؛ تلك الأرض التي أسرته منذ طفولته. وفي عام 1817، واستجابة لطلب القيصر الروسي ألكسندر الأول، توجّه جيفوسكي إلى الشرق الأوسط لجمع خيول عربية أصيلة، بهدف إعادة تزويد إسطبلات القيصر والجيش بالخيول بعد أن دمّرتها حروب نابليون.

بورتريه للكونت فاتسلاف جيفوسكي، الملقّب "بـالأمير". 1825. حقوق الصورة: المتحف الوطني في وارسو.
جاب جيفوسكي سوريا والعراق ولبنان وفلسطين وشبه الجزيرة العربية بين أعوام 1818 و1820، وتحوّلت استعداداته لهذه الرحلة إلى أسطورة، ويُقال إنّه درّب معدته على تحمّل الظروف القاسية بتناوله اللحم النيّئ والطعام الفاسد، وكان لا يقدّم لضيوفه سوى الماء والغليون، ويأكل وينام بجوار حصانه، ويدرس القرآن، وينغمس في الأدب العربي، ويكتب باللغة العربية.
ترى، ما سبب شغفه الشديد هذا؟ يُقال إنّ جيفوسكي كان يعتقد أنّ عائلته البولندية الأرستقراطية تنحدر من قبائل عربية. كما تداولت إحدى الأساطير الراسخة أنّه كان - أو ادّعى أنّه كان - من سلالة زنوبيا الأسطورية، ملكة تدمر في سوريا خلال القرن الثالث الميلادي.

رسم توضيحي من كتاب "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية" لمؤلفه الكونت جيفوسكي. 1820–1830. المصدر: polona.pl.
وكما اعتقد أنّ الرحلة إلى العالم العربي ليست مجرد رحلة استكشافية؛ إنّما عودة إلى الوطن ورجوع إلى الجذور المتوارثة، إذ رأى في أسلوب حياة البدو نقاءً ونُبلًا انسجما مع مُثله الرومانسية وإحساسه الخاص بهويته.
وبالفعل، عاد إلى بولندا شخصًا مختلفًا؛ فقد أصبح الأمير البولندي العربي. ارتدى الزي البدوي، وتبنّى العادات العربية، وتصرّف بوصفه سفيرًا حقيقيًّا للعرب في بولندا القرن التاسع عشر. وخلال رحلاته أتقن اللغة العربية، وتمكّن من كسب ثقة القبائل المحلية وصداقتها. وقد استقبلته 13 قبيلة مختلفة، واشتهر بفارس الخيول العربية ذو اللحية الذهبية، وعُرف بألقاب عدة: "الأمير"، و"الشيخ"، و"تاج الفخر"، و"أبو أسد". أمّا اسمه العربي "تاج الفخر"، فهو ترجمة مباشرة للمعنى السلافي القديم لاسمه الشخصي فياتشيسلاف، أي "تاج المجد"، الذي أصبح لاحقًا بالصيغة البولندية فاتسلاف.
كتب الأمير: "بحثت عن أناسٍ أحرار ما زالوا يعيشون على سجيتهم الطبيعية، وأستطيع أن أقول إنّني في الصحراء أشعر كأنّني في وطني، وإتقاني الدقيق للغة السكان المحليين وعاداتهم كان عونًا كبيرًا لي طوال رحلاتي في الجزيرة العربية، وسيظلّ كذلك في رحلاتي الاستكشافية المقبلة؛ أمتطي صهوة جواد، وأجيد استعمال الرمح كما يفعل البدوي؛ وصحّتي القوية لا تتأثّر بقيظ الصحراء، ولا بتقلبات المناخ، ولا أخشى المشقّة أو العناء…".

رسم توضيحي من كتاب "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية" لمؤلفه الكونت جيفوسكي. 1820–1830. المصدر: polona.pl.
يعدّ الكونت جيفوسكي من أوائل من جلبوا الخيول العربية إلى أوروبا، وكان من روّاد تربية الخيول، توسّط في بيع الخيول العربية الأصيلة إلى الإسطبلات الملكية، من فرنسا وصولًا إلى الإمبراطورية الروسية. وقد أبهرت هذه الخيول أوروبا بما عُرفت به من قدرة على التحمّل، إضافة إلى الذكاء والقوة والوفاء. واليوم، ما تزال سلالاتها من أرقى سلالات الخيول في العالم، التي تثير الإعجاب لدى كل من يصادفها، وتلهم الشعراء بوصفها.

الكعبة المشرّفة في مكة المكرمة. رسم توضيحي من كتاب "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية" لمؤلفه الكونت جيفوسكي. 1820–1830. المصدر: polona.pl.
هذا الرجل الذي غرس لنفسه جذورًا جديدة، أصبح أسطورة بحدّ ذاته، وخلّف وراءه عملًا استثنائيّا بعنوان "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية"، يضمّ أكثر من 400 رسمة توضيحية ملونة، ومئات الصفحات من الملاحظات المكتوبة بخطّ اليد بعناية فائقة. وما يزال هذا العمل مرجعًا لا يُقدّر بثمن للمعرفة المتعلقة بالثقافة العربية والتراث العربي، وبأصول تربية الخيل العربية وفنون الفروسية، إذ يوثّق أنساب الخيول وتاريخها، وخصائصها الجسدية، وأساليب زيادة نسلها ورعايتها. ويضمّ كذلك وصفًا تفصيليًّا لطرائق ترويض الخيل العربية وتدريبها وإكثارها. كما يحفظ تدويناتٍ موسيقية تُمكّن الباحثين من إعادة إحياء الموسيقى البدوية كما كانت تُؤدَّى قبل قرنين، فضلًا عن سجلٍّ لعدد من القبائل.

مكنز معارف وتراث الخيل العربي. رسم توضيحي من كتاب "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية" لمؤلفه الكونت جيفوسكي. 1820–1830. المصدر: polona.pl.
وفي صمود مخطوط جيفوسكي لأكثر من 200 عام ما يُعدّ معجزة بحدّ ذاته، فقد نجا بصعوبة من الإتلاف في مناسبات عدّة على مدى قرنين. وبعد اختفاء مؤلفه -ويعتقد أنّه لقي حتفه في ظروف غامضة خلال إحدى المعارك- انتقل المخطوط بين أيدي أفراد عائلته وعدد من المهتمّين بالخيول، وفُقد أثره لفترة وجيزة، قبل أن تتمكّن من اقتنائه المكتبة الوطنية في وارسو عام 1928. نجا المخطوط من الحرب العالمية الثانية، وهو معروض اليوم بشكل دائم في قصر كراسينسكي، المعروف أيضًا باسم قصر الكومنولث، في وارسو.
تُعدّ هذه السجلات، المحفوظة حتى يومنا هذا، شهادةً على الاحترام العميق الذي كان يكنّه الكونت جيفوسكي ذو اللحية الذهبية لجذور وأنساب الشعوب التي رحّبت به واحدًا من أبنائها. كما جسّد أيضًا المثل البولندي القائل: "رجل بلا حصان كجسد بلا روح".

تدوينات موسيقية (النوتة الموسيقية) للموسيقى البدوية قبل أكثر من 200 عام. رسم توضيحي من كتاب "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية" لمؤلفه الكونت جيفوسكي. 1820–1830. المصدر: polona.pl.
إنّ سيرة جيفوسكي شهادة حيّة على قوة التبادل الثقافي، وعلى السعي الإنساني المشترك إلى الانتماء. فحياته تذكّرنا بأنّ الجذور لا تُحدَّد دائمًا بالجغرافيا أو المولد؛ إذ يمكن للإنسان أن يختار جذوره ويرعاها ويكتسبها من خلال الاحترام والتفاهم، واستعداده لأن يصبح جزءًا من شيء أكبر من ذاته. وفي عصرٍ يشهدُ اتساع الحدود والانقسامات، تظلّ حكاية النبيل البولندي - الذي غدا شيخًا عربيًّا فخريًّا - مثالًا نيّرًا على إرثٍ يتجاوز حدود الأوطان والقرون في رحلة رجلٍ باحثٍ عن جذوره.

الكونت جيفوسكي في الصحراء العربية. 1874. المصدر: polona.pl.
استمتعوا باستكشاف مجموعة مختارة من صفحات هذا المخطوط، التي انتُقيت لكم بعناية ضمن هذا المقال، وتعرّفوا على المخطوط الكامل المحفوظ في المكتبة الوطنية البولندية.

رسم توضيحي من كتاب الكونت جيفوسكي "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية". 1820–1830. المصدر: polona.pl.

رسم توضيحي من كتاب الكونت جيفوسكي "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية". 1820–1830. المصدر: polona.pl.

رسم توضيحي من كتاب الكونت جيفوسكي "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية" 1820–1830. المصدر: polona.pl.

رسم توضيحي من كتاب الكونت جيفوسكي "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية" 1820–1830. المصدر: polona.pl.

رسم توضيحي من كتاب الكونت جيفوسكي "الخيول الشرقية والخيول من سلالات شرقية". 1820–1830. المصدر: polona.pl.


