العودة إلى الجذور، والنمو من جديد
'جذور الأشجار.' فينسنت فان جوخ. أوفيرز-سور-واز. يوليو 1890. ألوان زيتية على كانفاس. 50.3 × 100.1 سم. حقوق الصورة: متحف فان جوخ، أمستردام، (مؤسسة فينسنت فان جوخ).
"ليس كلُّ ما يلمع ذهبًا،
وليس كلُّ من يهيم على وجهه تائهًا؛
فالقديمُ إذا كان قويًّا، لا يذبل،
والجذورُ العميقة لا يطالها الصقيع"
- جيه. أر. أر. تولكين (1973–1892)، من رواية رفقة الخاتم
في عالمٍ يبدو مستغرقًا في سباقٍ محموم نحو المستقبل، مطالبًا إيّانا باستجابات فورية، ارتأينا أن نتوقّف قليلًا في هذا العدد، وأن نوجه أنظارنا إلى ما تحت أقدامنا، نحو الذي ألفناه حتى كدنا أن ننساه، لنستكشف عالم "الجذور".
موضوعٌ يهمس بقوة موغلة في القدم، إذ غالبًا ما نستغرق في الصورة الصاخبة واللافتة في الحياة: زهرة تتفتح بألوانها البهيّة، وثمرة ناضجة تغري بقطفها، وجذعٌ شامخ تثقل كاهله تطلعاتنا وطموحاتنا، وقائمةٌ من المهام لا تكف عن التمدد.
إلا أنّ الحكاية الحقيقية للصمود، وللقوة الهادئة، وللروابط العميقة، كثيرًا ما تتشكّل في ذلك العالم المعتم الصامت تحت أقدامنا وفيما نحمله في أعماق قلوبنا. ومهما اختلفت سبل فهمنا للجذور وتعريفنا لها، فإنها غالبًا ما تكون مرساتنا الأولى في مواجهة العواصف، والجسر الذي يصلنا بسرديةٍ مشتركة تجمع مجتمعًا واحدًا أو مجتمعاتٍ متعددة، والشبكة الدقيقة التي تنسج خيوط الحياة وتربطنا بين عناصرها الكثيرة وبيئاتها المتنوعة.

'جذور الشجرة في أرضٍ رملية (Les racines).' فينسنت فان جوخ. لاهاي. أبريل–مايو 1882. قلم رصاص مع طباشير سوداء، شفائف باللونين البني والرمادي، وألوان مائية معتمة على ورق الألوان المائية. 51.5X70.7 سم. حقوق الصورة: متحف كولر مولر، رقم الحفظ: KM 117.091 RECTO.
يتردد صدى هذا المفهوم بقوة في أعمال فينسنت فان جوخ (1853–1890)، إذ تنطلق رحلة هذا العدد مع حياته وفنّه. ففي تحفته الأخيرة جذور الشجرة، والتي رسمها في يوليو 1890 في القرية الفرنسية الصغيرة أوفيرز-سور-واز، صبّ آخر شعلة متوقّدة في لوحةٍ تصوّر جذورًا مكشوفة ملتوية ومتعرّجة، تتشبث بضفةٍ رملية. ولأكثر من 130 عامًا، ظلّ الموقع الدقيق الذي ألهم هذه اللوحة لغزًا غامضًا؛ إلى أن أُعيد اكتشافه بصورة مدهشة عام 2020، حيث بدت الجذور الملتوية، الشبيهة بجذور الأشجار العتيقة، والتربة المتشبثة بها، مطابقةً تقريبًا لما صوّره فان جوخ.
وقد نتساءل: ما الذي كان في هذا المكان تحديدًا وترك مثل هذا الأثر العميق في نفس الفنان العظيم؟ ماذا رأى فان جوخ؟ هل كان المشهد انعكاسًا لروحه هو، أم تجسيدًا لـ "صراع الحياة" في تشبث شجرةٍ عنيدة بالحياة، تقاوم قسوة الزمن والعواصف؟
كان فان جوخ يرى أن التسامي يكمن في كلٍّ من الإنسان والطبيعة. وفي تلك الأشكال الملتوية، أدرك حقيقةً عميقة، عبّر عنها في رسمٍ سابق بعنوان جذور الشجرة في أرضٍ رملية ("Les racines" أبريل–مايو 1882)، ووصفها في رسالةٍ إلى شقيقه ثيو قائلًا: إن هذه الجذور الشجرية "السوداء المتعرّجة بعُقدها"، عرّفته إلى شيء من "كفاح الحياة"؛ و"التشبث الشديد والعارم بالأرض، وكأنها تغرس نفسها فيها بكل ما أوتيت من قوة، مع أن جزءًا من جذورها انكشف بفعل العاصفة".
إنها استعارة قوية لحالة الإنسان بحد ذاتها؛ لجهدنا الجميل، والمؤلم أحيانًا، في العثور على موطئ قدم لنا في هذا العالم، وفي التمسّك بهويتنا وروابطنا، أو تكوين روابط جديدة، بينما نُقتلع وتُعاد زراعتنا في تربةٍ غير مألوفة، غالبًا من دون سابق إنذار: مدن جديدة، وثقافات جديدة، ومراحل مختلفة من الحياة تبدو غريبة عن حواسّنا.

بطاقة بريدية تعود إلى الفترة بين 1900 و1910، تُظهر مشهدًا يضم جذوع أشجار وجذورًا نبتت على منحدرٍ تلّ، تبدو شبيهة بتلك التي رسمها فينسنت فان جوخ. بوساطتها اكتشف وتر فان دير فين الموقع في قرية أوفيرز-سور-واز. حقوق الصورة: متحف فان جوخ، أمستردام.
في هذا العدد من إثرائيات، نسبر هذا المفهوم بكل تعقيداته وتشعّباته، ونستكشف جذور حكاياتنا وحِرَفنا وفنوننا، ورحلتنا المستمرة بحثًا عن بيت أينما ذهبنا، لذا ندعوكم إلى التأمل فيما يمنحكم ثباتكم.
ولعلّنا - في زحمة الحياة اليومية - ننقلب إلى غصنٍ منقطع بسهولة، أو ورقةٍ تائهة، تتقاذفها رياح الآراء والتوقعات. إنّنا نأمل أن يكون هذا العدد دعوة هادئة لإعادة الاتصال بجذورنا، ولنتذكّر حكايتنا، ونُكرّم التربة التي نشأنا منها، وكل ما يمنحنا القدرة على النمو؛ فالنمو الحقيقي الواعد يبدأ من جذورٍ راسخة وآمنة.
أهلًا بكم في رحلة إعادة الاكتشاف، والنمو من جديد، والعودة إلى الجذور.
مع خالص التقدير والاحترام،

ريم الغزال
رئيسة التحرير


