نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

صخرة الأيادي السبع: جذور فن الرسوم والنقوش الصخرية
ضيف العامود:

صخرة الأيادي السبع: جذور فن الرسوم والنقوش الصخرية

صخرة الأيادي السبع: جذور فن الرسوم والنقوش الصخرية

'صخرة الأيادي السبع.' 2000 قبل الميلاد. حجر رملي. حمى، منطقة نجران. جميع حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر المتعلّقة بالصور المعروضة محفوظة لهيئة المتاحف في المملكة العربية السعودية © 2026.
 

بقلم مبارك محمد آل مسفوه
September 30th, 2026

قبل أن يعرف الإنسان الكتابة بآلاف السنين، وقبل أن تُبنى المدن وتُدوَّن الحكايات، كانت الطبيعة هي معلمه الأول ومصدر بقائه. فمنها استمد غذاءه، وبها احتمى، ومنها صنع أدواته الأولى. وبين جميع عناصرها، احتلّت الصخور مكانة استثنائية؛ فقد صاغ منها بدايات حضارته، ونحتها لتصبح أدوات للصيد، وشكّلها لتعينه على إعداد طعامه، واستخدمها للدفاع عن نفسه، ثمّ اعتمد عليها في بناء المساكن التي وفّرت له الأمان والاستقرار. 

ومع التحول الذي شهدته المجتمعات البشرية، وتحديدًا في العصر الحجري الحديث، أي نحو 10000 سنة قبل الميلاد، لم يعد الإنسان منشغلًا بالبقاء وحده، بل بدأ يبحث عن وسيلة يدون بها أفكاره ومشاعره. فاكتسبت الصخور دورًا جديدًا؛ نقش عليها الإنسان تفاصيل حياته.

إذ تحولت إلى أول أرشيف بصري في تاريخ البشرية، تحفظ ذاكرة الإنسان، وتنقل قصته عبر آلاف السنين. وعلى سطحها عبّر البشر عن رؤيتهم للعالم، وصلتهم بالطبيعة، وما حملوه من مخاوف وآمال وأحلام.

وجاء اكتشاف صخرة الأيادي السبع مثالًا حقيقيًّا على الجذور الأولى لفنّ الرسوم الصخرية في المملكة العربية السعودية، حيث عثر عليها أحد المواطنين في منطقة حمى الثقافية بمنطقة نجران جنوب المملكة العربية السعودية، والتي تعدّ من أهمّ المواقع للتراث العالمي لفنّ الرسوم الصخريّة الثقافي، ويعود تاريخها إلى 2000 سنة قبل الميلاد.

وفي تحليلها فنيًّا، هي صخرة كبيرة من الحجر الرملي، متفاوتة الأبعاد، ولها عدّة أسطح (أوجه) مختلفة المساحة، وتغطّيها طبقة داكنة من العتق (Patina)، الوجه الأمامي للكتلة الحجرية يحوى نوعين أساسيين من الدلائل الآثارية:

النوع الأول، حفر غائر لمجموعة من الأيدي البشرية، يبلغ عدده الإجمالي ستّ أيد كاملة في الوجه الأمامي واليد السابعة في الوجه الخلفي، تشمل الكفّ والذراع ومفصل الكتف، وكلّها فُرغت من الداخل، بحيث لا يوجد سوى أثر بسيط لطبقة العتق داخلها، تتفاوت أطوال الأيدي المحفورة حفرًا غائرًا على الوجه الأمامي تفاوتًا بسيطًا، ويمكن معرفة الخطوات التي اتُّبعت في عملية نحت الكتلة الحجرية؛ بداية قيام النحات بتكوين صورة ذهنية للعمل المراد تنفيذه، وهو حفر مجموعة من الأيدي على الكتلة الصخرية، ثمّ البدء بحفر الإطار الخارجي للأيدي المراد حفرها، يلي ذلك تفريغ الجزء الداخلي من الإطار الذي سبق حفره.

النوع الثاني، نقش غائر على سطح الصخرة من الأمام، وهو عدة حروف بالخط الثمودي على يسار كتلة الصخرة.

ويشير الحَفر الغائر والحزوز في الصخرة إلى استخدام أداة صلبة كالحجر، أو قطعة معدنية حادّة لحفر بضعة مليمترات من الكتلة الحجرية. وقد دلّت الدراسات العلمية السابقة لأعمال الفنون الصخرية بالمملكة إلى أنّ هذا النوع من البقايا الأثرية يعكس عمقًا زمنيًّا لفترات حضارية متعددة، بدءًا من عصور ما قبل التاريخ حتى مراحل متأخّرة من العصر الإسلامي. 
 

عودة إلى الجذور الأولى

جاء اكتشاف الرسوم الصخرية مصادفةً، أعادت تشكيل نظرة العالم إلى تاريخ الإنسان، ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أثار أحد الكهوف الواقعة شمال إسبانيا اهتمام الباحثين، إثر العثور عند مدخله على بقايا عظام وأدوات تعود إلى عصور ما قبل التاريخ. وقد دفع هذا الاكتشاف عالم الآثار الإسباني مارتشيلينو ساوتيولا إلى استكشاف الكهف الذي عُرف لاحقًا باسم \"كهف ألتاميرا\".

وفي عام 1879، وبينما كان ساوتيولا يتجول داخل الكهف برفقة ابنته الصغيرة (ماريا)، رفعت الطفلة نظرها إلى سقف الكهف، لتصرخ مدهوشة بعدما رأت على ضوء المصباح صورًا لحيوانات مرسومة بألوان زاهية. كانت تلك اللحظة بداية لأهمّ الاكتشافات الأثرية في تاريخ البشرية؛ فقد كشفت أنّ الإنسان قبل آلاف السنين لم يكن مجرد صياد يسعى للبقاء، بل كان يمتلك حسًّا فنّيًا، وقدرة على التعبير عن أفكاره ومعتقداته من خلال الرسم. وتم اكتشاف كهوف أخرى في فرنسا وإسبانيا تحمل رسومًا مشابهة، مؤكدة أنّ النقش الصخري يمثّل أحد أقدم أشكال التعبير الإنساني، وأنّ الصخور حفظت أولى صفحات الذاكرة البصرية للبشرية.

أما في المملكة العربية السعودية، فقد بدأت الدراسات العلمية المنظّمة للنقوش الصخرية عندما نفّذت بعثات علمية خلال عامي 1951 و1952 أعمالًا ميدانية لتوثيق مواقع النقوش، والرسوم الصخرية، والكتابات القديمة في أنحاء مختلفة من المملكة، وشكّلت هذه الأعمال نقطة الانطلاق للبحث العلمي في هذا المجال. وجاءت لاحقًا إسهامات الباحث الإيطالي إيمانويل أناتي، الذي كرّس سنوات لدراسة النقوش الصخرية في شبه الجزيرة العربية، فأصدر أربعة مجلدات تناول فيها مواقع وسط شبه الجزيرة العربية، ووضع منهجية علمية لتصنيف الرسوم الصخرية وتحليلها، وما تزال أعماله حتى اليوم تمثّل مرجعًا أساسيًّا للباحثين، وأسهمت في إبراز القيمة الحضارية للنقوش الصخرية في المملكة، بوصفها شاهدًا حيًّا على عمق تاريخ الإنسان في هذه الأرض.

تعتبر المملكة العربية السعودية من أغنى مناطق العالم بهذا النوع من الشواهد الأثرية التي توثّق حضور الإنسان على أرضها منذ آلاف السنين. إذ استقطبت الاهتمام العالمي؛ فقد سُجّل موقعا جبة والشويمس في منطقة حائل، إلى جانب المنطقة الثقافية في حِمى بمنطقة نجران، ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، تقديرًا لقيمتهما الاستثنائية بوصفهما من أهمّ السجلات البصرية التي توثّق حياة الإنسان في عصور ما قبل التاريخ.

تصنيف تلك الفنون وفكّ رموزها

الفنون الصخرية مصطلح علميّ يشمل عدّة مسارات، منها الرسوم الصخرية والنقوش التي تمثّل أشكالًا آدمية أو حيوانية، والوسوم القبلية، والخربشات والرموز التي ما يزال كثير من معانيها غير مفهوم، إضافة إلى الكتابات التي تنقسم إلى كتابات عربية قديمة، وكتابات إسلامية. وقد تجتمع هذه العناصر جميعها في لوحة صخرية واحدة، أو تظهر متفرّقة، يسعى المختصون إلى توثيقها وتحليلها وفكّ رموزها، وهو عمل يتطلب معرفة علمية واسعة، إذ تفتقر الشواهد غالبًا إلى الأدلّة، أو المعلومات الدقيقة. تساعد الكتابات المصاحبة للرسوم على تفسيرها، وقد تكشف عن اسم صاحب الجمل المرسوم، أو هوية الشخص الذي نفّذ الرسم، أو توثّق حدثًا أو رحلة، ما يدعم قراءة قصتها في سياقها التاريخي.

ما زالت الفنون الصخرية تحتفظ بجزء من غموضها، لتبقى لغزًا تاريخيًّا يدعو الباحثين إلى مواصلة استكشاف إحدى أقدم لغات الإنسان.

 

مبارك محمد آل مسفوه، باحث في الآثار الإسلامية وخبير متاحف.
 

إعادة تعيين الألوان