التنقيب عن الأزرق
'بلا عنوان.' حسين المحسن. 2014. وسائط متعدّدة على الورق. تُشكّل الألوان الزاهية العنصر الأبرز في هذا العمل؛ يرى حسين المحسن أنّها تكثّف الرسائل والمشاعر التي يسعى إلى التعبير عنها، أمّا الحروف المنفَّذة بأسلوب القالب (Stencil)، فكلماتها تتداخل دون أن تحمل معنى محدّدًا، ليبقى معناها متاحًا للتأويل الشخصي الخاص لكلّ متلقّ حسب تجربته. من مقتنيات مجموعة متحف إثراء الفنّية.
لطالما كان اللون الأزرق نادرًا في الطبيعة، ويصعب استخلاصه من المعادن، ولهذا ظلّ اللون الأزرق عصيّ المنال عند الحرفيين والفنانين على مدى قرون، إلى أن ابتكر المصريون القدماء أول صبغة صناعية عرفها العالم، ثمّ تتابعت ابتكارات الأصباغ الزرقاء المستخلصة من الكوبالت والنيلة، لتمنح الإنسانية درجاتٍ آسرة من الأزرق، استحضرت عبر العصور معاني القداسة والفخامة الملكية والثراء والغموض، وما زالت رحلة البحث عن الأزرق لم تنتهِ بعد.
قد يسهل الاعتقاد بأنّ الأزرق لونٌ يملأ الطبيعة، فهو يحيط بنا في صفاء السماء واتساع المسطّحات المائية. غير أنّ حضوره في الطبيعة -خارج هذين المشهدين- يظلّ نادرًا؛ إذ لا يظهر إلّا في عدد محدود من المعادن، ولا يلوّن سوى أقلّ من عشرة في المئة من النباتات المزهرة. وحتى ريش الطيور - من القيق الأزرق إلى الطيور الزرقاء- ليس أزرق اللون في حقيقته، بل يبدو هكذا نتيجة ظاهرة بصرية معقّدة أبدعتها الطبيعة. هذه الندرة التي اختص بها اللون الأزرق في عالم الطبيعة، جعلت من الصعب تحضيره وإنتاجه، أو حتى توفيره بسهولة عبر التاريخ.
يقول مارك بولارد، أستاذ علوم الآثار بجامعة أكسفورد: "كانت الألوان الأخرى تُستخلص من موادّ طبيعية بعد معالجتها، أمّا الأزرق، بوصفه صبغة، فلم يكن موجودًا أصلًا في الطبيعة، بل كان لا بدّ من ابتكاره".
كان بإمكان الإنسان في العصور الأولى أنْ يلتقط قطعًا من الجصّ الأحمر أو الأصفر، أو طباشير بيضاء، ويستخدمها على أنّها أقلام تلوين، وكان اللون الأسود متاحًا في نهاية كلّ عود خشبي محترق، غير أنّ تحويل الموادّ الطبيعية إلى اللون الأزرق -كما يوضّح بولارد- كان يتطلّب قدرًا كبيرًا من الجهد والابتكار والبراعة.
ومنذ آلاف السنين سعى الإنسان إلى كشف سرّ هذا التحوّل، عبر ثقافات وحضارات متعدّدة، من آسيا الوسطى في العصر البرونزي، إلى الصين في بدايات عهدها الإمبراطوري، ومن البندقية في العصور الوسطى إلى بلاد المغرب في شمال إفريقيا الإسلامي. وكان الانفراج الأول قبل أكثر من خمسة آلاف عام على ضفاف نهر النيل، حين نجح أوائل الكيميائيين المصريين في إنزال لون السماء إلى الأرض لأول مرة.
من بين جميع الألوان على لوحة الفنان، بقيت درجات الأزرق عزيزة المنال.
وفي ما جاء في نقش هيروغليفي من معبد حورس في إدفو: "وتنبت الحقول، وتكتسي بالزرقة، ويُبعث كلّ ما على وجه الأرض إلى الوجود"، يعود هذا النصّ إلى القرن الثالث قبل الميلاد، ويشير إلى فيضان النيل السنوي الذي كان يغمر الأراضي، ويغذّي الحقول.
توضح لوريلي كوركوران - أستاذة الفنّ والآثار المصرية بجامعة ممفيس ومترجمة النقش الهيروغليفي في إدفو - أنّ اللون الأزرق إلى جانب كونه مصدرًا للإلهام والتقديس، كان يرمز إلى الكون والخصوبة والزاد والبعث عند المصريين القدماء، كما تضيف بأنّ اللقاء المتلألئ بين ضوء الشمس وزرقة السماء كان يجسّد ومضة الحياة ذاتها: "عند التفكير في الشمس قد لا يكون الأزرق أول لون يخطر في البال؛ فنحن عادةً نربطها بالأصفر أو الأحمر، لكن إذا تأمّلت غطاء الرأس الذي كان يرتديه ملوك مصر القديمة، أو قناع توت عنخ آمون على سبيل المثال، فستجد أنّه يتألّف من شرائط زرقاء وذهبية، وقد طُرح تفسير مفاده أنّ هذه الشرائط ترمز إلى أشعّة الشمس وهي تشقّ طريقها عبر طبقات السماء".
مقتطف من مقال خاصّ منشور في مجلة أرامكو وورلد. للاطلاع على المقال كاملًا، يُرجى الضغط هنا.
توم فيردي، أحد كبار كتّاب مجلة أرامكو وورلد.

صفحة من مخطوط المصحف الشريف: سورة النساء (4: 2–8)، تونس. ويُرجَّح أنّها من القيروان. أواخر القرن التاسع – أوائل القرن العاشر الميلادي. ورق رقّ ملوّن بالنيلة، مزدان بورق الذهب والفضّة والحبر. الارتفاع: 28 سم، العرض: 36 سم. وفقًا لوثيقة الوقف الخاصة بجامع القيروان في تونس، فإنّ المجلّد الذي تنتمي إليه هذه الصفحة -المصحف الأزرق - أُوقف للمسجد في وقت ما خلال القرن الثالث عشر الميلادي. من مقتنيات مجموعة متحف إثراء الفنّية.


