أثر ما لا نراه
'رسم ليشتنبرغ 14.' دوغلاس وايت. 2026. 10,000 فولت على لوح. 34 × 28 سم. بإذن من غاليري ليلى هيلر ودوغلاس وايت.
لا تبدأ الأشياء من حيث نراها، فما يظهر على السطح قد يكون امتدادًا لما تشكّل بعيدًا عنه. وبشكلٍ آخر، الكثير ممّا يشكّلنا، أو يغيّر نظرتنا للعالم لا يكون مرئيًّا بالضرورة، فقد يكون الدافع موقفًا يلمع من الذاكرة، أو مكانًا مررنا به ولو بشكلٍ خاطف، أو تجارب تراكمت مع الزمن، أو حتى موروثًا ثقافيًّا حملناه، وظلّ يتغيّر كلّما أعدنا النظر إليه. وفي الممارسة الفنّية، تبقى هذه المصادر شرارة كلّ ما يُنجز، تحضر بطرقٍ لا يمكن حصرها، كمادّة قابلة لإعادة القراءة والتأويل، ومنها تقفز عشرات الأسئلة. وهنا نصحبكم في رحلةٍ إلى عوالم ثلاثة فنانين، لكلّ منهم زاويته في قراءة العالم، ومصادره التي ينطلق منها في أعماله، وما يُشير إلى جذوره.
دوغلاس وايت نحّات بريطاني، عُرف بتحويل الموادّ المهملة والمرمية إلى أعمال آسرة، غالبًا ما تتخذ أبعادًا ضخمة، وتكون نصبًا مهيبًا.
تستكشف ممارسته الفنّية التحوّل، كاشفةً عن أشكال وبُنى غير متوقّعة كامنة في بقايا الأشياء اليومية.

'رسم ليشتنبرغ 14.' دوغلاس وايت. 2026. 10,000 فولت على لوح. 34 × 28 سم. بإذن من غاليري ليلى هيلر ودوغلاس وايت.
الفنّ هو الطريقة التي أتنقّل بها في العالم وأستكشفه. لم تتبع منحوتاتي يومًا خطّةً مرسومة سلفًا، بل تبلورت عبر سلسلة من الاكتشافات، قادني فيها كلّ بحث، بصورة طبيعية، إلى البحث الذي يليه، فقد قادني عملٌ نحتيّ كشفت فيه عن جذور الأشجار إلى التفكير في أنظمة التشجّر والتفرّع، ومنه انتقلت إلى صواعق البرق والتفريغ الكهربائي، وصولًا في نهاية المطاف إلى (رسوم ليشتنبر)، فكلّ عمل يفتح لي بابًا يقود إلى عمل آخر.
إنّ العالم وموقعنا داخله يبلغان من التعقيد حدًّا يصعب الإحاطة به، ولا ينفكّان يثيران فضولي ودهشتي، وأمام هذا التعقيد، يظلّ السؤال الذي أطرحه على نفسي دائمًا: إلى أين أوجّه انتباهي؟ فكلّ مادّة تحمل تاريخ تشكّلها، والقوى التي أثّرت فيها، وفنائها في نهاية المطاف، تمامًا مثلنا.
تستوقفني تلك اللحظات التي يبدو فيها العالم المادّي كأنّه يخاطب حياتنا الداخلية مباشرةً.
بعض الأشكال والخامات والأحداث؛ كالجذور المتشعّبة لشجرة، والقشرة اليابسة لنبتة صبّار، والشعيرات الفولاذية الممزّقة لإطار سيارة انفجر، تحمل صدىً نفسيًّا غريبًا. ويبدو أنّها تحمل ألفةً تسبق التفسير. وما يهمّني بدرجة أقلّ هو تفسير أوجه التشابه تلك، وما يعنيني تهيئة الظروف التي تتيح لنا أن نلتقيها بها ونختبرها، فالنحت وسيلة للدعوة إلى أن نولي العالم المادّي انتباهًا مختلفًا.
تستهويني لحظات التحوّل، حين تُبدّل المادّة شكلها وتغدو شيئًا جديدًا. فكثيرٌ من الأعمال تتكوّن من صلات غير متوقعة، تثيرها مادّة مرّت بتحول عميق، ولطالما فتنتني قدرة هذه القوى المدمّرة في إظهار رهافة لا تخطر على البال.
تستوقفني تلك اللحظة الغريبة التي تكون فيها المادّة، محتفظةً بشيء من هويتها الأولى، بينما تتحول في الوقت نفسه إلى كيان جديد تمامًا، وتعدُّ إطارات الشاحنات المنفجرة مثالًا واضحًا على ذلك، فعند انفجار الإطار، يتمزّق المطاط، وتنكشف الشعيرات الفولاذية الدقيقة، فتتحوّل كتلة كانت ثقيلة وخاملة في ما مضى إلى شكل يبدو، للوهلة الأولى، أشبه بكائن طبيعي نابض بالحياة. ومن هذه الصلات غير المتوقعة ينشأ نوع من الإدراك النفسي الذي يصعب تفسيره، لكنّ أثره يصل إلينا على الفور.
في المحصّلة، يتمحور عملي حول حركة الطاقة، إذ يتبدل الشكل، ويتحول العنف إلى رقّة، والهدم إلى خَلق، فالمادّة لا تفنى ولا تُستبدل، بل تظلّ في حالة تحوّل مستمرّ.
يحظى عمل الموجة العظيمة (على نهج هوكوساي) بمكانة خاصة لديّ، فقد مثّل لي طريقة جديدة في التعامل مع مادّة شغلتني سنوات طويلة، ومنحني مساحة لاستكشاف الحركة، والقوة المتراكمة، والسكون، والتحوّل. فهو يمسك بالموجة في اللحظة التي تسبق انكسارها، حين تكون الطاقة في أقصاها تبدو وكأنها في حالة توازن مؤقّتة، وقد بدا لي (موج هوكوساي) الصورة المثالية للتعبير عن شعور الاضطراب الذي يهدّد العالم؛ شعور بأن شيئًا وشيكًا يلوح فوق رؤوسنا.
وفي وقت سابق من هذا العام، وبعد أن جمعتُ الموادّ الخامّ من مختلف أنحاء العالم، لأبني العمل في موقعه. في تلك اللحظة تحديدًا، اندلع الصراع في أنحاء المنطقة، وواصلنا بناء العمل وتركيبه طوال تلك الفترة التي خيّمت عليها الضبابية. شعرتُ وكأنّ العمل، وظروف إنجازه، وما كان يحيط بنا من أحداث، قد تقاطعت جميعًا في لحظة واحدة، وإن كانت عابرة. ومع صعوبة تلك الفترة، أشعر وأنا أستعيد حضورها، بأنّ تلك الظروف اندمجت في نسيج العمل نفسه، ومنحته كثافة أبقت على أثرها فيه حتى الآن.

'رسم ليشتنبرغ 5.' دوغلاس وايت. 2026. 10,000 فولت على لوح. 83x46 سم. بإذن من غاليري ليلى هيلر ودوغلاس وايت.
كتب الكيميائي الفرنسي أنطوان لافوازييه: "لا شيءَ يضيع، لا شيءَ يُخلق، كلُّ شيء يتحوّل". لطالما كانت هذه المقولة حجر أساس في ممارستي الفنّية، وتشدّني على نحو خاص حركة الطاقة عبر العالم، فتؤثّر في الموادّ، وتفكّكها، وتُخرج منها أشكالًا جديدة. ما يهمّني هو التحوّل بوصفه حقيقة مادّية ملموسة، لا مجرد تصور مجازي.
أعتقد أنّ كلّ مادّة تحمل آثار تشكّلها، واستخدامها، والقوى التي أثّرت فيها. وليس دوري أن أمحو تلك التواريخ، أو أفرض عليها شيئًا جديدًا تمامًا، بل أن أعمل معها، وأتيح للإمكانات غير المتوقّعة أن تنبثق من داخل المادّة نفسها.
الجذور تنتمي إلى ما هو مدفون في باطن الأرض، إنّها الأنظمة والتواريخ والقوى التي تسندنا، وتمنحنا مقوّمات البقاء، من دون أن تكون بالضرورة مرئية لنا. وأول ما يتبادر إلى ذهني هو تجذّر (Enraciné)، وهو تداخل فنّي صمّمته خصيصًا لموقعه في غابة بشمال فرنسا، وباستخدام آلات حفر متخصّصة، أزلتُ طبقة من التربة السطحية أشبه بسجادة مع الإبقاء على شبكة جذور الأشجار سليمة. وهكذا انكشف فجأة ما كان عادةً متخفّيًا تحت أرض الغابة، ليكشف عن بنية شديدة التعقيد والدقّة تمتدّ بين الأشجار.
كنتُ مهتمًّا بغرابة انكشاف شيء بهذه الأهمّية الجوهرية في صميم المشهد الطبيعي، فقد كانت الجذور موجودة على الدوام، تسند الحياة المرئية للغابة، وتوصل بينها، لكنّها كانت تقع خارج نطاق الإدراك المعتاد. وحين انكشفت بدت في آنٍ واحد تشريحيةً وغريبةً عن عالمنا، كما لو أنّ الغابة قد انقلبت إلى الداخل، وانكشف جهازها العصبي الخفي.
ثمّة عدّة مشاريع قيد التطوير دائمًا، ويرجع ذلك في كثير من الأحيان إلى حجمها وتعقيدها وما يتطلّبه إنجازها على أرض الواقع، أمّا المحطّة الرئيسية المقبلة فتتمثّل في عرض عمل كبير من سلسلة Black Palm في معرض فريز للنحت في لندن. وبالنسبة لي فإنه يكتسب أهمّية خاصة، لأنّ لندن هي موطني، ومنذ سنوات طويلة ستكون المرة الأولى التي أقدّم فيها عملًا بهذا الحجم في المملكة المتحدة.
وبالتوازي مع ذلك، أعمل على أول تكليف فنّي كبير لي من متحف جديد في المملكة العربية السعودية، ما تزال تفاصيله طيّ الكتمان في الوقت الراهن.
وأكثر ما آمله هو أن تتيح هذه المشاريع العمل للوصول إلى جمهور جديد، وأن تكون ثمّة سياقات جديدة. ويهمّني أن أرى كيف تتغيّر المنحوتات حين تنتقل بين مشاهد طبيعية وعمارات وثقافات مختلفة، وآمل أن يهيّئ كلّ مشروع الظروف المناسبة لولادة مشروع آخر.
ران هوانغ فنانة كورية المولد، تتخذ من نيويورك مقرًّا لها، وتُعرف بتكويناتها الفنّية الدقيقة التي تنجزها من موادّ يومية مألوفة. تستكشف أعمالها الطبيعة الدورية للحياة، وفكرة الزوال، وجمال اللحظات العابرة.

'التكوّن من جديد BSA.' ران هوانغ. 2025. أزرار من ورق التوت، وخرز، ودبابيس على ألواح من البليكسي غلاس. 177×300 سم. بإذن من غاليري ليلى هيلر وران هوانغ.
العمل المتكرّر المتمثّل في طرق عشرات الآلاف من الدبابيس، يمثّل لي شكلًا من أشكال الممارسة الروحية التي تتجاوز مجرد الجهد الجسدي. فعندما أغرس كلّ دبوس، واحدًا تلو الآخر، أفرّغ نفسي من جشع الإنسان، ومن الأفكار المشتّتة. ومن المفارقات أنّ ذهني يبلغ أقصى درجات السكينة عندما يصل الألم الجسدي إلى ذروته، وأؤمن بأنّ هذا الانضباط وهذه الطمأنينة يضفيان على عملي طاقةً روحية.
تستلهم هذه المجموعة الفنية فكرة التعايش بين الإنسان والطبيعة، وكذلك التوازن الفلسفي بين الواقع والوهم. فعلى سبيل المثال، يصوّر العمل الفني (شفاء الماء الغافل) ظاهرة ابيضاض المرجان الناجمة عن التلوّث البيئي، في هيئة أزهار البرقوق، باستخدام ورق الهانجي المعاد تدويره (ورق كوري تقليدي)، وذلك لتأمّل لدورة الحياة. أمّا العمل الفني، (العودة للطبيعة)، يستخدم وسيطًا شفافًا ليكشف عن تعايش السطح الباهر: (الواقع)، مع الظلّ الخفي الكامن وراءه: (الوهم).
وعندما يختبر الناس هذه الأعمال، آمل أن يتجاوزوا جمالها البصري المباشر، وأن يتأمّلوا صلتنا العميقة بالطبيعة، وصولًا إلى الإحساس بالتعافي العميق والسكينة الداخلية.
أشعر بتعلّق خاص بأحد أعمالي الحديثة، (إحياء 2025)، الذي أستخدم فيه عروق اللؤلؤ من خزانة مهملة، وهي خزانة كورية تقليدية مطعّمة بالصدف، ومطلية بالورنيش، وفنّ (ناجيون تشيلغي Najeonchilgi) الكوري، أي فنّ الطلاء بالورنيش المزخرف بالصدف، الذي ازدهر في عهد مملكة غوريو، وحظيَ بتقدير عالمي، لما يتميّز به من براعة فنّية وتقنية عالية. وتوجد نماذج منه اليوم في متاحف حول العالم.
وامتدادًا لهذا الإرث العريق، أصبحت هذه الخزائن خلال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته رموزًا محبّبة للثراء، وقطعًا أساسية من أثاث المنازل في كوريا. غير أنّ البيوت أخذت تزداد تأثّرًا بالنمط الغربي مع انتشار الشقق الحديثة والخزائن المدمجة، فتراجعت مكانة هذه الخزائن مع تغيّر الزمن، واليوم في كثير من الأحيان تُترك في الشوارع.
يحظى هذا العمل بمكانة خاصة لديّ، لأنّه يجسّد بصورة كاملة قيمة \"التجدّد\"؛ إذ يمنح من خلال الفنّ، حياة جديدة لخزانة (جاجايجانغ)، التي كانت ذات يوم تحمل قيمة ثقافية وشخصية، قبل أن تُهجر، ويُستغنى عنها.

'التكوّن من جديد BSA.' ران هوانغ. 2025. أزرار من ورق التوت، وخرز، ودبابيس على ألواح من البليكسي غلاس. 177 × 300 سم. بإذن من غاليري ليلى هيلر وران هوانغ.
الفلسفة التي تهدي حياتي وفنّي هي "الخواء والامتلاء"، يتجسّد هذا المبدأ في صميم عملية إنجاز أعمالي؛ إذ أدقّ عددًا لا يُحصى من الدبابيس لأفرّغ ذاتي من آلام الحياة، ثمّ أملأ تلك المساحات الخاوية بطاقة التأمّل، والسكينة، والمواساة.
بالنسبة إليّ، الجذور هي منبع قوة الحياة التي تدفعنا لمواصلة النمو. في طفولتي ترسّخت في وجداني صورة والدي الخطاط البارع، ممسكًا بفرشاته، ورائحة الحبر التي كانت تفوح في أرجاء منزلنا، حتى غدت جزءًا عميقًا من ذاكرتي الحسّية. وكما تشرئبّ الشجرة إلى الأعلى كلما أوغلت جذورها في التربة، فإنّ احترامي للتقاليد ولجذوري، يشكّل دعامة راسخة تسند كلّ تجاربي الفنّية الجديدة.
أعمل حاليًّا على إعداد دراسة شاملة توثّق مسيرتي الفنّية التي تمتدّ على مدى ثلاثين عامًا، كما أواصل العمل على مشاريع تدمج التكنولوجيا الرقمية بموادّ متنوّعة، بما يتيح للجمهور والعمل الفنّي أن يصيرا، على نحو سلس، كيانًا واحدًا متكاملًا، وأنوي الاستمرار في ابتكار تركيبات فنّية واسعة النطاق، يتنفّس فيها المكان كلّه بوصفه حكاية واحدة.
وفي المحصلة آمل بصدق أن تنفذ أعمالي عميقًا في حياة من يلتقون بها، وأن تمنحهم لحظة عابرة تطفو فيها ذكريات منسية إلى السطح من جديد، فيختبرون مشاعر سامية، تعجز الكلمات عن التعبير عنها.

'التكوّن من جديد BY3.' ران هوانغ. 2025. أزرار من ورق التوت، وخرز، ودبابيس على ألواح من البليكسي غلاس. وإطار من البليكسي غلاس. 242 × 63 × 12 سم. بإذن من غاليري ليلى هيلر وران هوانغ.
عزة القبيسي فنانة إماراتية ومصمّمة لها ممارسات متعدّدة، عُرفت باستكشاف الهوية والتراث والمكان من خلال موادّ تتراوح بين المعادن وسعف النخيل. تمتدّ مزاولتها الفنّية إلى مجالات: المجوهرات والنحت والفنّ العام، مستلهمةً بعمق من المشاهد الطبيعية لدولة الإمارات العربية المتحدة وتقاليدها.

'أبجدية الحياة.' عزة القبيسي. 2018. فولاذ طري. 300 × 300 × 600 سم. بإذن من غاليري ليلى هيلر وعزة القبيسي.
إنّه طريقتي في فهم العالم من حولي والتفاعل معه، فهو يتيح لي أن أحوّل الذاكرة والطبيعة والتجارب التي عشتها إلى أشكال مادّية، وأن أبتكر أعمالًا تربط الناس بالمكان والهوية والزمن، فأنا أرى أنّ كلّ عمل فنّي هو فرصة لبدء حوار، لا لتقديم إجابة.
تستمدّ هذه المجموعة من الأعمال إلهامها من البيئة الطبيعية في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن النظم التي تسندها بصمت، وتديم استمراريتها، وتثير اهتمامي الأنماط والبُنى والإيقاعات التي تزخر بها الطبيعة، وكيف تختزن في طياتها حكايات عن الصمود والاستمرارية والانتماء. وبدلًا من تحديد المتلقّي في تفسير مغلق، آمل أن يفتح العمل أمامه باب الفضول والتأمّل، ويتيح لكلّ شخص أن يكتشف، مع مرور الوقت، ارتباطه الخاص به.
يصعب عليّ اختيار عمل واحد، لأنّ كلّ عمل منها يمثّل مرحلة مختلفة من رحلتي الفنّية، لكن إن كان عليّ أن أختار، فسأختار (جذور)، إحدى أحدث منحوتاتي العامّة في دبي، فهو يجمع بين أفكار بقيت أستكشفها لسنوات؛ علاقتنا بالطبيعة، والذاكرة الثقافية، والحركة، والحوار بين الإنسان والمكان، وأن أرى العمل يصبح جزءًا من الحياة اليومية في الفضاء العام يمنحني شعورًا خاصًّا بالمعنى، وجعله أكثر قربًا إلى قلبي.

'الغاف والمانغروف.' عزة القبيسي. فولاذ طري وخشب. بإذن من غاليري ليلى هيلر وعزة القبيسي.
لطالما بقيت كلمات المغفور له الشيخ زايد حاضرة في ذهني: "من لا ماضي له، لا حاضر له، ولا مستقبل". وهو مبدأ يرشد حياتي وممارستي الفنّية على حدّ سواء، ويذكّرني بأنّ الابتكار الحقيقي يبدأ بفهم جذورنا ومنبتنا، ثمّ المضيّ بهذه القيم إلى الأمام بصدق ووعي وهدف.
تستحضر كلمة "الجذور" في ذهني، على الفور، معاني الانتماء والاستمرارية والروابط الخفية التي تسهم في تشكيل هويتنا. وهو عنوان عدتُ إليه أكثر من مرة، لأنّه يعكس خيطًا ممتدًّا يستمرّ في ممارستي الفنّية، وتستكشف منحوتتي العامة (جذور) في دبي، اللغة البصرية لشجرة النخيل، وعلاقتنا بالمكان، فيما تستلهم مجموعة أخرى من الأعمال تحمل العنوان نفسه، نظامَ غابات المانغروف البيئي، وما يتميّز به من قدرة لافتة على الصمود. ومع اختلاف هذين العملين، فإنّهما يشتركان في الإيمان نفسه: فأقوى الأسس التي نستند إليها غالبًا، هي تلك التي لا نستطيع رؤيتها للوهلة الأولى؛ صلتنا بالطبيعة، والثقافة، والذاكرة، وببعضنا بعضًا.
أواصل توسيع ممارستي في مجال الفنّ العام، مستكشفةً أعمالًا نحتية أكبر حجمًا تشجّع على التفاعل، وتدعو الناس إلى اختبار الفنّ بوصفه جزءًا من محيطهم اليومي، ويركّز بحثي الحالي على الطبيعة، والابتكار في استخدام الموادّ، والوعي البيئي، بالتوازي مع استكشاف الكيفية التي يمكن بها للنحت أن يعمّق صلتنا بالمكان، وأن يخلق تجارب مشتركة ذات معنى.

'البحث عن الهوية.' عزة القبيسي. 2023. 22 × 22 × 23 سم. بإذن من غاليري ليلى هيلر وعزة القبيسي.

'جذر 04.' عزة القبيسي. فولاذ مقاوم للصدأ وفولاذ طري. 70 × 70 × 50 سم. بإذن من غاليري ليلى هيلر وعزة القبيسي.

'استعارة.' عزة القبيسي. 2024. فولاذ مقاوم للصدأ وفولاذ طري. 50 × 50 × 185 سم و50 × 50 × 170 سم. بإذن من غاليري ليلى هيلر وعزة القبيسي.
ما يجمع هؤلاء الفنانين هو إدراكهم لما يبقى ويستمر: تاريخ كامن في مادة ما، وذكرى طفولة تواصل إلهامهم، ومشهد طبيعي تتحول تفاصيله إلى لغة بصرية. تظهر جذورهم بطرق مختلفة، ولكن كل فنان منهم يتيح لها أن تنمو وتتشكّل حتى تغدو جزءًا من ملامح تميزه. وما بين ما ورثوه وما صنعوه بأنفسهم، تتفجر ينابيع أخرى.
لمشاهدة المزيد من الأعمال الفنّية الرائعة، يمكنكم زيارة: Leila Heller Gallery.


