نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

بيت من أثل
كنوز عربيَّة:

بيت من أثل

بيت من أثل

'الشجرة المسحورة.' ريتشارد دولي. 1868. ألوان مائية، غواش، ألوان مائية صمغية، مُنفذة بطبقات متداخلة من الغسلات اللونية المعتمة والشفافة، مع ظهور الورق الأساسي في مناطق دقيقة ضمن العمل الفني. 37.2 × 61 سم. حقوق الصورة: صندوق هاري جي. سبيرلينغ ومتحف الميتروبوليتان.

بقلم سليمان الفوزان
September 9th, 2026

ترتبط الجذور بما يمنح الأشياء ثباتها واستمرارها، ويضرب المثل في أساس الأشياء بـ "حجر الأساس"؛ لما يتصف به الحجر من صلابةٍ ودوام. غير أنّ الثبات والرسوخ لا يشترط أن يقوما دائمًا على الصلابة، فالليونة في كثير من الأحيان هي سرّ البقاء. ويجسّد المثل الشعبي "الخبز والزيت عماد البيت" هذه الفكرة، فالأمور الأساسية البسيطة، وإن بدت متواضعة، تكفي لقيام البيت واستقراره، بعيدًا عن وفرة المال، أو مظاهر الكماليات.

ويُقال إنّ الإنسان لا يسكن البيت وحده، فالأشياء التي تحيط به تشاركه سكنه وتمنحه روحه، ولعلّ شجرة الأثل من أكثر الأشجار التي ارتبطت بالبيت في الوجدان العربي، حيث كانت تُزرع بجواره، حتى صارت جزءًا من هويّته وذاكرته. ولا تُعرف شجرة الأثل بثمارها، ولا بأزهارها المتباهية، فقيمتها الهادئة تميزها، فهي شجرة تتحمّل شدّة الحر، وتقف في وجه الرياح، وتعيش طويلًا في بيئات تبدو فيها الحياة صعبة. لهذا كانت خيارًا طبيعيًّا لتجاور البيوت؛ تمنح الظلّ، وتلطّف الهواء، وتحمي المكان من العواصف والغبار.

ثمة علاقة بين الأثل والبيت تتجاوز حدود المنفعة المتبادلة، فقيمة البيت، مثل قيمة شجرة الأثل، تكمن بما يمنحه لمَن يسكن بداخله، فالجدران قد تُبنى في أيام، أمّا الشعور بالأمان فيحتاج إلى زمن حتى يتكّون ويستقر. وكذلك الأثل؛ يكبر ببطء، لكنّه حين يشتدّ عوده يصبح شاهدًا على تعاقب السنين، وكأنّه يحتفظ بذاكرة المكان.

ويمتد حضور الأثل إلى بناء البيت نفسه، ففي تراث الجزيرة العربية كانت خيام العرب تصنع من أعمدة الأثل، ثمّ انتقل ليدخل في مكونات بيوت الطين، إذ استخدم في سقوفها وأبوابها. وعلى الرغم من ليونة عوده مقارنةً بالحجر، فقد منح الناس الأمان، وحمل بيوتهم، وصمد في وجه الزمن.
 

ولعلّ الأبواب من أكثر العناصر المعمارية تعبيرًا عن هذه العلاقة، فالباب يتجاوز كونه مجرد وسيلة للدخول والخروج، فهو يحمل معنى الخصوصية والأمان والكرم، فمن خلاله يُستقبل الضيف، وعليه تُطرق البشائر، وخلفه تحفظ الأسر خصوصيتها. لذلك كانت جودة الخشب تعني جودة الحماية، وكان الأثل، بما عُرف عنه من متانة، خيارًا يليق بهذه المكانة. 

وهنا تتجلّى مفارقة جميلة؛ فليونة الأثل لم تكن نقيضًا للثبات، إنما سببًا من أسبابه. فهو قادر على التكيّف والاستمرار، يلين أمام الظروف الصعبة دون أن يتخلى عن جذوره. فتلك الجذور الممتدّة في الأرض تشبه القيم التي تُبنى عليها البيوت؛ لا تُرى بالعين، لكنّها هي التي تمنح البناء ثباته، فالاحترام، والمودّة، والرحمة، والكرم، هذه التفاصيل تتشكّل كالجذور التي تمنع البيت من السقوط حين تهبّ رياح الحياة. 

وربما لهذا السبب ظلّ الأثل حاضرًا في ذاكرة المكان العربي، يقف بجوار البيت بصمت، ويشيخ مع أهله، ويشهد أفراحهم وأحزانهم، حتى يصبح جزءًا من تاريخهم. وإذا كانت الأشجار تُقاس بما تمنحه من ظلّ، فإنّ البيوت تُقاس بما تمنحه من سكينة، ولعلّ شجرة الأثل كانت، وما زالت، أجمل استعارةٍ لبيتٍ يعرف كيف يحتضن مَن يلوذ بظلّه.

 

سليمان الفوزان كاتب مهتم بالتراث والتاريخ الثقافي السعودي. 
 

إعادة تعيين الألوان