نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

عودة إلى الأثر
فنان الغلاف:

عودة إلى الأثر

عودة إلى الأثر

'لالة.' سارة العبدلي. 2018. أصباغ طبيعية، ذهب، وغواش على ورق. 23×29 سم. بإذن من الفنانة. 
 

بقلم روان طلال
September 30th, 2026
الفنّ أداة مجازية للسؤال عوضًا عن الإجابة.
– الفنانة سارة العبدلي

تتجاوز الجذور كونها مجرد أثر من الماضي، لتصبح نقطة البداية التي يتشكّل منها وعينا بالعالم. قوة خفيّة تواصل تشكيل الحاضر الذي نعيشه، وتربط الإنسان بذاكرته، وبالتاريخ الذي صنع مجتمعه وثقافته. لهذا لا تكون العودة إلى الجذور فعلًا من أفعال الحنين، بل محاولة لفهم ما شكّل هويتنا، وما يؤثّر حتى اليوم في نظرتنا إلى العالم. 

وفي تجربة الفنانة السعودية سارة العبدلي لا تبدأ اللوحة مع أول ضربة لون، ولا مع أول عنصرٍ يأخذ في التشكّل على سطحها، بل تبدأ قبل ذلك من محاولات قراءة وبحث، وعودة إلى الأرشيف. وما يبدو في نهايته عملًا فنيًّا، ليس إلّا خطوة إضافية في رحلة بحث لم تنتهِ لديها بعد. 
 

 الفنانة سارة العبدلي 

وفي هذا الحوار نقترب أكثر من تجربة سارة العبدلي، وهي الفنانة والباحثة التي تركّز في أعمالها على الهوية والثقافة، وكلّ ما يتعلّق بالانتماء والسرد التاريخي في المنطقة، لنكتشف عالمها الفنّي، وممارساتها الفنّية في إحياء السياقات التاريخية المنسية عبر سرد القصص غير المروية. 

بين ممارسة الفنّ والبحث، تتشكّل علاقة معقّدة حسب وصف سارة العبدلي، فتقول: "بعض الأعمال تنتج إثر سنوات من الجهود البحثية، حيث تجتمع وتتنوّع مواضيعي البحثية في نطاق واحد. وقد يكون العمل الفنّي المهمّ يفوق التفسير، وقد يكون متعلّقًا بموضوعٍ بحثي معيّن". 

'دائرة الحياة.' سارة العبدلي. 2024. غواش وذهب على ورق واسلي مصبوغ باللون القرمزي. 38×43 سم. بإذن من الفنانة. 

لهذا لا تنظر العبدلي إلى التاريخ بوصفه مادّةً للتوثيق فحسب، بل مساحة لإعادة القراءة والتأويل. ففي عملها "بعد الهجرة" الذي أُنجز بتكليف من بينالي الفنون الإسلامية عام 2023م، استعادت شواهد قبور من مقبرة المعلاة، وصاحبها تركيب صوتي يسرد خطًّا زمنيًّا لأحداث مكة، وتاريخها السياسي والاجتماعي. ثمّ امتدّ هذا العمل إلى سلسلة أعمال أخرى توثّق فيها ثقافة الموت والحداد في الحجاز، عبر سردٍ فنّي للأشعار التي نُقشت على شواهد القبور. وامتدّ هذا السرد التاريخي إلى روايتها الأولى التي حملت عنوان "رحيل في أعماق المدينة". 

ويُلاحظ من يتتبّع أعمالها أنّها لا تميل إلى إعادة سرد التاريخ كما هو، بل إلى استنطاقه، فتقول: "أبحث عن طرق تستنطق التاريخ، إمّا عن طريق الفنّ أو الكتابة، لأنّ التاريخ بلا إسقاط مدروس للواقع وللأحداث المعاصرة يبقى مهملًا وحصرًا على الأبحاث والمقالات الأكاديمية. ومن طبعي كفنانة التجريب، وكسر الأنماط، وأجد التحدّي والمتعة في آن واحد في أثناء محاولتي فهم التاريخ، والتعامل معه بشكل جديد".

'البيت المعمور.' سارة العبدلي. 2018. أصباغ طبيعية وغواش على ورق. 20×20 سم. بإذن من الفنانة. 

أمّا البحث في الأرشيف، والروايات الشفوية، والثقافة المادّية، فلا يقودها إلى تاريخ العالم فحسب، بل إلى اكتشاف تاريخها الشخصي أيضًا في بعض الأحيان، حيث تقول: "من أبرز الأمور التي أذهلتني في أثناء بحثي قبيل كتابة رواية رحيل في أعماق المدينة، ما وجدته في أحد أعداد صحيفة القبلة التي كانت تصدر في الفترة الزمنية نفسها التي كابد فيها أهل المدينة المنورة حصار سفر برلك. اكتشفت مصادفةً أنّ بعض الأشخاص من أهل جدّتي قد هُجّروا إلى بلغاريا قسرًا. دافعي البحثي أساسًا كان يتمركز حول فهم النفسية المدنية التي دفنت الكثير من أحداث ذلك الحصار المؤلم، ولم أتصوّر أن أجد تاريخًا يمسّني بهذا القرب، تاريخًا لم أسمع به في نطاق العائلة أبدًا!"

'حكاوي الجهنمية.' سارة العبدلي. 2018. غواش وصبغة شاي على ورق. 42×59 سم. بإذن من الفنانة. 

وتحضر العمارة، والزخارف، والحِرف التقليدية في أعمالها الفنّية بوصفها أكثر من عناصر بصرية، وتقول عن ذلك: "هذه العناصر هي مرآة للمجتمع والمدن، فمن خلال التفاصيل، كثرتها أو قلّتها، نستقي المكانة الاجتماعية، أو المهن التي كان يمتهنها أصحاب البيوت، أو حتى مدى نفوذهم. في تلك التفاصيل حكايات مختبئة عن أسر ومجتمعات يسعنا فكّ شفراتها عنصرًا عنصرًا لرسم صور واضحة عن معالم المجتمع آنذاك. وهي كذلك مرآة للمجتمع اليوم، فخياراته في العمران، واقتناء الفنّ وحتى أبسط العناصر المادّية، تدلّ على شخصية المستهلك، وتأثيراته الثقافية".
 

'عروس.' سارة العبدلي. 2026. تطريز أبليك على قماش قطني. 124×179 سم. بإذن من الفنانة. 

أمّا عن الفنّ ودوره في الحفاظ على الذاكرة فتقول: "قد يكون للفنّ دور فعال في حفظ الذاكرة، وفي إيجاد طرق مبتكرة ومعاصرة لندرج معالمها في زمننا الحديث، الفنّ يجدّد حياة كلّ ماضٍ، ولكن في سعته أيضًا أن يبني جسورًا بين ممارسات مهنية مختلفة". وربما لهذا السبب تحضر جدّة والحجاز كمحورٍ دائم في مشروعها الفنّي، فكلما تعمّقت في البحث والممارسة ازداد يقينها بأنّ هناك مساحات واسعة لم يتمّ التطرّق إليها بعد.

وعن العودة إلى الجذور والوفاء لها، والانفتاح على التجريب، تقول: "لا أرى تضاربًا بين الاثنين، طالما أنّ احترام الجذور والأصول ثابت ومضمون"، وتضيف عن التعمّق في الجذور:"يتطلّب شجاعة كبيرة، وقدرًا هائلًا من الصراحة وتقبّل النقد إثر ما قد يثيره ذلك من جدل. لا أعتقد أنّ في وسع الفنان الإبحار بعيدًا دون خوض تلك الرحلة القاسية. ولكن البذرة التي أنبتت ذلك الكمّ من المساءلة والتجريب، ما أدّى إلى ابتداء التجربة الفنّية في الأساس، لا يسعها أن تنضج إلّا بخوض ذلك الطريق وإكماله. والفنان وإن نضج في فكره، يخوض رحلاته حول تلك الجذور مهما ابتعد عنها".

'قيس من حواء 2.' سارة العبدلي. 2026. جواش ياباني، حبر، وذهب على ورق واصلي يدوي الصنع. 42×64 سم. بإذن من الفنانة. 

وعن سؤالها عن الفنّ وحدوده أمام ما لا يُقال، تقول: "أعتقد أنّ تعقيد الفنّ يكمن في عدم وضوحه، وقدرته على تحمّل الأوجه، ومدى جدارة الكثير من أمثلته ممّا يدخل في النطاق الأبدي كقيمة معنوية ومادّية. وعلى الرغم من ذلك كلّه، يظلّ الإنسان هو العنصر المركزي لاستنطاق الفنّ". وتضيف: "الفنّ لا صوت له دون الإنسان وتقديره له".

وعلى الرغم من اشتغالها الفنّي والبحثي على التاريخ والذاكرة والهوية، ما زال هناك سؤال يقود هذه الممارسات، ولم تقترب من الإجابة عنه بعد، فتقول: "النسيان المتعمّد للذاكرة، الذي يختبئ خلف الإهمال أحيانًا، يقودني فهم هذه الظاهرة إلى أماكن كثيرة. ولا أعرف إن قدّمت أيًّا من الإجابات، فالفنّ لي أداة مجازية للسؤال عوضًا عن الإجابة".

 

استمتعوا بالمزيد من أعمال الفنانة سارة العبدلي الرائعة.

إعادة تعيين الألوان