جذور صامتة… تتكلّم بشبكاتها
'أنتِ منّي، وأنا منك.' منال الضويان. 2017. بإذن من الفنانة.

'أنتِ منّي، وأنا منك.' منال الضويان. 2017. بإذن من الفنانة.
تحت السطح المرئي للعالم، حيث تمتدّ الجذوع، وتتمايل الأغصان في الهواء، يكمن نظام خفيّ ومعقّد من التواصل، شبكة تحت الأرض تتبادل فيها الأشجار المعلومات عبر جذورها. لقد كشفت الدراسات الحديثة حول ما يُعرف بشبكة الغابة العالمية "World Wide Wood" أنّ الأشجار ليست كائنات منفردة، بل مجتمعات مترابطة، تتواصل عبر الفطريات والجذور. من خلال هذه الشبكات، تستطيع الأشجار نقل المغذّيات، والتحذير من الأمراض، وحتى دعم الأشجار الأضعف. هذه "اللغة الصامتة" التي تعتمد على الإشارات الكيميائية، والنبضات الكهربائية، تتجاوز حدود الإدراك البشري، وتعيد تعريف مفهوم الذكاء باعتباره قدرة على الترابط لا على التعبير الصوتي فقط.
هذا العالم المتواري يجد صداه العميق في أعمال الفنانة السعودية منال الضويان، التي تستكشف في ممارستها الفنّية ما هو مخفيّ، سواء كان اجتماعيًّا أو تاريخيًّا أو طبيعيًّا. تنطلق الضويان من ذاكرة شخصية، وثقافة متوارثة، حيث تتذكّر كيف كانت نساء عائلتها يتحدّثن إلى أشجار النخيل كما لو كنّ يخاطبن كائنًا واعيًا. كانت تلك الأحاديث تُقال بنبرة احترام، كما لو كنّ يخاطبن أحد كبار العائلة. تقول: "نساء عائلتي يتحدّثن إلى أشجار النخيل… هنّ نساء عاقلات ومتزنات ومتدينات، وكانت أحاديثهنّ تدور غالبًا حول مواضيع مهذّبة كالصحّة والطقس، لكنّها أحيانًا كانت تمتدّ إلى موضوعات أكثر حميمية، مثل الحبّ والموت".
وعلى الرغم من أنّ هذه الحوارات بدت أحادية الجانب، فإنّها كانت تعبيرًا عن إدراك حدسي لوجود نوع من الاستجابة غير المرئية. ولم يتكشّف عمق هذه الممارسة الموروثة إلّا لاحقًا، عندما اطّلعت الفنانة على أبحاث علمية تشير إلى أنّ الأشجار تتواصل عبر "لغة صامتة متطورة، تنقل من خلالها معلومات معقّدة عبر الروائح والطعم والنبضات الكهربائية". وهكذا، أدركت أنّ تلك الممارسات لم تكن خيالية، بل تعبيرًا فطريًّا عن فهم عميق لعالم خفيّ.

'أنتِ منّي، وأنا منك.' منال الضويان. 2017. بإذن من الفنانة.
انبثق عملها التركيبي المؤقّت عام 2017، "أنتِ منّي، وأنا منك"، من هذا التلاقي بين الحدس والعلم. وقد أُنجز العمل استجابة لواحة العين التاريخية، ليدعو الزوار إلى إعادة التفكير في الحدود بين المرئي وغير المرئي، وبين الإنسان وغير الإنسان. وبدلًا من التركيز على أشجار النخيل الشاهقة، وجّهت الضويان الانتباه إلى الأسفل، إلى التربة حيث تكمن الشبكة الحقيقية للحياة. باستخدام تقنيات المسح المخترق لسطح الأرض، التقطت صورًا لجذور النخيل في الواحة، كاشفةً عمّا تصفه بعالم غير مرئي يقبع تحت أقدامنا.
توضّح الفنانة: "في هذا العمل أبحث عن الكون غير المرئي في واحة النخيل… وأحاول تنظيم لقاء بين المشاهد وعالم بديل". وقد جاء تركيزها على الجذور تحديدًا باعتبارها جوهر البنية المجتمعية للنخيل: "جذور النخيل هي المركز الذي تقوم عليه بُنية مجتمع النخيل… إنّها الشبكة غير المرئية التي تتيح للأشجار أن تتواصل، وأن تكوّن عائلات وصداقات، وأن تسهم في استدامة المجتمع ككلّ".
إنّ هذه الكثافة، واستحالة التمييز بين جذر وآخر، تعكس شكلًا جذريًّا من الروح الجماعية، حيث تذوب الفردية داخل الاعتماد المتبادل، فالأشجار لا تتنافس بمعزل، بل تزدهر من خلال التعاون، مشكلةً نموذجًا يمكن قراءته كمثال على مجتمع مستدام يحتفي بدور كلّ عنصر فيه. في هذا السياق، تحوّل الضويان هذه الفكرة إلى تجربة حسّية؛ حيث يسير الزائر داخل ممرّ محاط بجدران قماشية مطبوعة بصور الجذور، وكأنّه ينتقل من عمق الأرض إلى سطحها.
لكن العمل لا يتوقّف عند حدود الطبيعة، بل يمتدّ ليشمل أسئلة الذاكرة والهوية. كثيرًا ما تربط الضويان بين ما هو مخفي في الطبيعة، وبين ما هو مغيّب في السرديات الاجتماعية، خاصة فيما يتعلّق بتجارب النساء في السعودية والعالم العربي، مستكشفةً ما يُحفظ، وما يُحجب. وتتحول شبكة الجذور هنا إلى استعارة لتواريخ كامنة تحت السطح، تُشكّل الهوية حتى وإن لم تكن مرئية بشكل مباشر. تقول: "كانت نساء عائلتي يعرفن، بالفطرة، كيف يتعرّفن على اللغة الخفية للعالم من حولهنّ"، في ربط بين المعرفة الموروثة، وأسئلة الإدراك الأوسع.
بهذا المعنى، يظهر عمل "أنتِ منّي، وأنا منك" على مستويات متعدّدة؛ فهو في آنٍ واحد بحث علمي، وسرد شخصي، وطرح فلسفي. ومن خلال مواءمة التجربة الإنسانية مع الذكاء الصامت للأشجار، تتحدّى الضويان التصورات الإنسانية المركزية للمعرفة والفاعلية، وتطرح تساؤلات جوهرية: "هل الأشجار أكثر قدرة من البشر على بناء مجتمعات آمنة ومستدامة؟ وهل تمتلك أشجار النخيل قدرة أفضل على التفاعل مع عالم مترابط بعمق؟"
في النهاية، يقدّم العمل تذكيرًا بأنّ فضاءات المعرفة اللامتناهية تحيط بنا باستمرار. وتؤكّد الفنانة: "تقع على عاتقنا مسؤولية تدريب أعيننا وعقولنا لرؤية ما هو غير مرئي، والإنصات إلى غير المسموع". فالجذور تحت أقدامنا ليست مجرد دعامات بنيوية، بل قنوات للعلاقات والذاكرة والتشارك. ومن خلال الانتباه إليها، نبدأ في إدراك منظومة أوسع من المعاني، تضع الحياة الإنسانية ضمن سياق مترابط وشامل.
استمتعوا باكتشاف عالم شبكة الغابة العالمية الزاخر بالألوان والتفاصيل، من خلال هذا المشروع المميّز عن الأشجار على منصة "Google Arts & Culture".
غيداء المقرن قيّمة فنيّة.




