ما تحفظه الجذور: التراث الشفهي بوصفه ذاكرة حية
'رقصة شعبية الخبيتي.' فؤاد مغربل. 1987. ألوان زيتية على كانفاس. 60×90 سم. بإذن من مجموعة محمد عبدالله العلياني الفنية الخاصة. تصوير: أحمد آل ثاني. ضمن معروضات معرض "بدايات: بدايات الحركة الفنية السعودية".
بدأ هذا الحوار بسؤالٍ بسيط طرحته عليّ صديقة موسيقية: لماذا تختفي الموسيقى الشعبية عندما تختفي البيئات والثقافات التي وُلدت فيها؟ لكن هذا السؤال قادني إلى ما هو أوسع؛ فإذا كانت الموسيقى الشعبية جزءًا من التراث الشفهي، فما الذي يحدث لذاكرة المجتمع حين تتغيّر البيئات التي منحت هذا التراث لغته وإيقاعه ومعناه؟ وكيف نحافظ على هذا الإرث، بوصفه أحد جذور هويّتنا الثقافية، دون أن نحوله إلى أثرٍ جامد، أو نختزله في الحنين إلى الماضي؟
في هذا الحوار، ألتقي بالدكتور سمير الضامر، أحد أبرز الباحثين في الثقافة السعودية والتراث الشفهي، للحديث عن مكانة التراث الشفهي في الجزيرة العربية، وعلاقته بالموسيقى الشعبية، ودوره في حفظ الذاكرة والهوية، ولماذا ما يزال الحفاظ عليه ضرورةً ثقافيةً في الحاضر، لا مجرد استعادةٍ للماضي.
س1: يُصنَّف التراث الشفهي ضمن "التراث الثقافي غير المادّي". لكن هل هو فعلًا غير مادّي؟ أم أنّه يتجسّد في المكان، والجسد، والعلاقات، والممارسة اليومية؟
إنَّ تصنيف التراث الشفهي ضمن "التراث الثقافي غير المادّي" هو تصنيفٌ علميٌّ وتنظيميٌّ، يُراد به تمييزه عن المباني، والقطع الأثرية، والمقتنيات المادّية. لكن تجربتي الطويلة في توثيق التراث الثقافي والفنون الشعبية جعلتني أرى أنّ التراث الشفهي ليس غير مادّيٍّ على نحوٍ كامل؛ بل هو تراثٌ حيٌّ يتجسَّد في الإنسان والمكان والممارسة.
ومن خلال مقابلاتي مع الرواة وكبار السنّ، أدركت أنّ التراث الشفهي لا ينفصل عن المكان والجسد، فالمكان ليس خلفيةً صامتةً للرواية، بل جزءٌ من ذاكرتها، كما أنّ الجسد هو أرشيفها الأول؛ ففيه تُحفظ طريقة الأداء، ونبرة النداء، وحركة الحرفي، وإيقاع العمل. وقد ينسى الراوي بعض الكلمات، لكن جسده يتذكّر الحركة، وقد يعجز الحرفي عن شرح مهارته، بينما تؤدّيها يداه بدقّةٍ مدهشة.
لذلك أرى أنّ وصف التراث الشفهي بأنّه "غير مادّي" لا يعني أنّه منفصلٌ عن المادّة، بل يعني أنّ قيمته الأساسية تكمن في المعرفة والمهارة والمعنى. لا يستطيع هذا التراث أن يعيش إلّا إذا وجد جسدًا يحمله، ومكانًا يحتضنه، وجماعةً تمارسه، وعلاقةً إنسانيةً تنقله.
إنّه تراثٌ غير مادّيٍّ في تصنيفه، لكنّه شديد التجسُّد في الحياة، وربما تكون العبارة الأدقّ: التراث الشفهي ذاكرةٌ غير ملموسة، لا تستطيع البقاء من دون أوعيةٍ ملموسة.
س2: لماذا يمثّل التراث الشفهي أهمّية خاصة في ثقافة الجزيرة العربية، ليس بوصفه موضوعًا للدراسة فحسب، بل بوصفه نظامًا للمعرفة، وطريقةً لفهم العالم؟ وما العوامل التي أسهمت، برأيك، في ترسيخ هذه المكانة؟
يمثّل التراث الشفهي أهمّيةً خاصةً في ثقافة الجزيرة العربية؛ لأنّه لم يكن مجرَّد وسيلةٍ لحفظ الماضي، بل كان نظامًا متكاملًا لإنتاج المعرفة ونقلها وتفسير العالم من خلالها. من خلال الحكاية، والمثل، والشعر، والوصية، انتقلت المعارف المتعلّقة بالطبيعة والطرق والمواسم والعيش، كما انتقلت القيم والمعايير الاجتماعية، فلم تكن هذه الأشكال للتسلية أو البلاغة فحسب، بل أدوات لحفظ المعرفة، وتهذيب السلوك، ونقل خبرة الأجيال. حين ندرس التراث الشفهي لا نسأل فقط: ماذا حدث؟ بل نسأل أيضًا: كيف فهم الناس ما حدث؟ وكيف أعادوا صياغته في حكاياتهم وأمثالهم وأشعارهم؟
وقد أسهمت عوامل تاريخيةٌ واجتماعيةٌ وبيئيةٌ في ترسيخ مكانة التراث الشفهي في الجزيرة العربية، فقبل انتشار الكتابة والطباعة، كانت المشافهة الوسيلة الأساسية لحفظ المعرفة ونقلها، مدعومةً بثقافةٍ تقدّر الحفظ والرواية، وبمؤسّساتٍ اجتماعيةٍ مثل المجالس التي شكّلت فضاءاتٍ للتعلّم وتبادل الخبرة. كما فرضت طبيعة الحياة في الجزيرة العربية، بما تتطلّبه من معرفةٍ دقيقةٍ بالمكان والمواسم والموارد، انتقال هذه الخبرات شفهيًّا عبر الأجيال، حتى أصبح التراث الشفهي جزءًا أساسيًّا من نظام المعرفة في المجتمع، لا مجرد وسيلةٍ لحفظ الماضي.
من هنا فإنّ التراث الشفهي في الجزيرة العربية ليس مادّةً نعود إليها بدافع الحنين، بل نظامُ معرفةٍ متكامل، وكان الراوي الشعبي أحد أهمّ حَمَلته؛ فبرحيله من دون توثيقٍ نفقد جزءًا من ذاكرة المجتمع.
س3: يعتقد البعض أنّ الحكايات والأغاني الشعبية لم تعد ذات صلة بحياتنا المعاصرة لأنّها وُلدت في ظروف مختلفة. كيف تنظر إلى هذا الرأي؟
أرى أنّ هذا الرأي ينطلق من النظر إلى الحكايات والأغاني الشعبية بوصفها منتجاتٍ مرتبطةً بزمنٍ مضى، لا بوصفها تعبيرًا عن الإنسان في أسئلته الكبرى. صحيحٌ أنّ الظروف التي وُلدت فيها كثيرٌ من تلك الحكايات والأغاني قد تغيَّرت، وأنّ بعض المهن والمناسبات والبيئات التي احتضنتها لم تعد قائمةً بالصورة نفسها، لكن المشاعر والتجارب التي عبَّرت عنها ما زالت حاضرةً في حياتنا: الحبّ، والخوف، والفقد، والحنين، والظلم، والأمل، والشجاعة، والبحث عن الأمان والانتماء.
الحكاية الشعبية لا تفقد قيمتها لأنّ الظروف تغيّرت؛ فوظيفتها ليست وصف الأدوات القديمة، بل الكشف عن الإنسان وهو يواجه الحياة، وقد تتغيّر صورها، لكن الأسئلة التي تعالجها تبقى.
وكذلك الأغنية الشعبية؛ أعرف كثيرًا من أبناء الجيل الجديد يرتبطون بالأغاني الشعبية، على الرغم من أنّهم لم يعيشوا البيئات والظروف التي خرجت منها. وهذا يؤكّد أنّ تلقي التراث لا يشترط معايشة زمن إنتاجه، بل يكفي أن يجد الإنسان فيه ما يعبّر عنه، أو يعيده إلى جذور يشعر بأنّها تنتمي إليه. الشباب لا يرفضون التراث في ذاته، وإنما يبتعدون عن الطريقة الجامدة التي يُقدَّم بها إليهم.
فإذا قُدِّم التراث بوصفه مادّةً للحفظ فقط، ابتعد عنه الشباب، أمّا حين يُقدَّم عبر السينما، أو الألعاب، أو المحتوى الرقمي، فيكتشفون أنّه يتحدّث عن أسئلتهم أيضًا.

'من البادية.' عبدالله نواوي. 1987. ألوان زيتية على كانفاس. 90 × 123 سم. حقوق الصورة: مقتنيات هيئة المتاحف، وزارة الثقافة. تصوير: أحمد آل ثاني. ضمن معروضات معرض "بدايات: بدايات الحركة الفنية السعودية".
أغنية | سبحان من أنبع الماء وأنبت الأخضر | الفنان: طاهر الأحسائي | جلسة.
وللتعرّف إلى بعض فناني الموسيقى الشعبية الذين ما يزالون يحظون بشعبية لدى الأجيال الشابة، استمعوا إلى هذا التسجيل من أرشيف د. سمير الضامر على يوتيوب.
س4: كيف ترى العلاقة بين الموسيقى الشعبية والتراث الشفهي؟ وهل يمكن اعتبار الأغنية الشعبية أحد أبرز أوعية الذاكرة الثقافية، إلى جانب الحكاية، والمثل، والشعر؟
أرى أنّ العلاقة بين الموسيقى الشعبية والتراث الشفهي علاقةٌ عضويةٌ لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر؛ فالموسيقى الشعبية ليست مجرَّد ألحانٍ ترافق الكلمات، بل هي وسيلةٌ من وسائل المجتمع في حفظ ذاكرته والتعبير عن تجربته. وإذا كانت الحكاية تحفظ الأحداث والشخصيات، والمثل يختصر الخبرة، والشعر يصوغ الوجدان؛ فإنّ ما يميّز الأغنية الشعبية هو قدرتها على جمع الكلمة، والصوت، والإيقاع، والأداء في وعاءٍ واحد، يجعلنا نسمع كيف كان قلب المجتمع ينبض.
ويتجلّى ذلك بوضوح في الأغاني المرتبطة بالبحر، والزراعة، والأعراس، التي لا تحفظ الكلمات وحدها، بل تحفظ أيضًا إيقاع العمل، والعلاقات الاجتماعية، والوجدان الجمعي، وهو ما يظهر جليًّا في الفنون البحرية التي سأضرب بها مثالًا لاحقًا.
ولهذا لا تكتمل الأغنية الشعبية بالنصّ وحده؛ إذ ينبغي توثيق صوتها، وأدائها، وسياقها، والاستماع إلى روايات المؤدّين والجمهور الذين عاشوها، بما يحفظ قدرتها على الانتقال والتجدّد والتفاعل مع الأزمنة الجديدة.

'بدون عنوان.' عبدالله حماس. 1953. ألوان زيتية على كانفاس. 56 × 76 سم. بإذن من الفنان. تصوير: أحمد آل ثاني. ضمن معروضات معرض "بدايات: بدايات الحركة الفنية السعودية".
س5: هل يمكن أن تشير إلى أغنية شعبية ترى أنّها تجسّد الأفكار التي تناولناها في هذا الحوار؟ وما الذي يجعلها مثالًا مهمًّا؟
يمكن أن نضرب مثالًا بالفنون البحرية في بحر العقير والخليج العربي، ولا سيما "الفنّ الحساوي". وأهمّية هذا المثال أنّ الفنّ الحساوي هو فنٌّ مركَّبٌ، تتداخل في بنائه عناصر متعدّدة؛ من الشعر، واللحن، والإيقاع، والأداء الجسدي، إلى الأدوات التقليدية المصاحبة له، مثل الجحلة والهاون.
وكان البحارة يشاركون في إنتاج الإيقاع بأجسادهم أيضًا؛ من خلال الغناء الجماعي، والتصفيق، وضرب الأيدي بإيقاعٍ منتظم على أرض السفينة، والتمايل، والدوران، والزفن، والنش، وهو ارتفاع المؤدّي في الهواء ثمّ نزوله إلى الأرض متزامنًا مع ضربة "الدُّم" الأخيرة في الإيقاع. وهكذا يتحول الجسد نفسه إلى أداةٍ إيقاعيةٍ، ويصبح الأداء تعبيرًا عن تلاحم الجماعة وانسجامها. إنّنا حين نستمع إلى هذه الفنون لا نسمع أغنيةً بحريةً فحسب، بل نستعيد عالم البحارة كاملًا.
ويمثّل هذا الفنّ مثالًا مهمًّا أيضًا على تداخل البيئات الثقافية في الخليج العربي؛ فقد تنقلت الألحان والإيقاعات والأشعار مع البحارة بين الموانئ والسواحل، لكنّها اكتسبت في الأحساء أداءً محليًّا وذاكرةً خاصةً. وهذا يوضّح أنّ التراث ليس شيئًا ثابتًا أو مغلقًا، بل كائنٌ حيٌّ ينتقل، ويتفاعل، ويُعاد تشكيله داخل كلّ بيئةٍ.
ومن هنا تتجلّى الأغنية الشعبية بوصفها وعاءً للذاكرة الثقافية؛ فهي تحفظ النصّ، وإيقاع العمل، وحركة الجسد، وعلاقة الإنسان بالمكان.
س6: هل هناك أيّ فكرة، أو تجربة، أو مشروع، أو رسالة تودّ مشاركتها مع القراء ولم نتطرّق إليها في هذا الحوار؟
الرسالة التي أودّ مشاركتها هي أنّ توثيق التراث الشفهي لا ينبغي أن يقتصر على جمع النصوص وتفريغها وطباعتها في الكتب. نحن في حاجةٍ إلى توثيقٍ متكاملٍ يحفظ الإنسان وهو يؤدّي تراثه داخل بيئته الطبيعية: صوته، وحركته، وأدواته، وملامح وجهه، وعلاقته بالمكان وبالجماعة المحيطة به. الاهتمام بالتراث الشفهي ليس مسؤولية الباحثين والمؤسّسات وحدهم؛ بل هو مسؤوليةٌ عائليةٌ ومجتمعيةٌ. في كلّ بيتٍ راوٍ، وفي كلّ عائلةٍ حكايةٌ، وفي كلّ قريةٍ أو حيٍّ أغنيةٌ أو ذاكرةٌ تستحقّ أن تُحفظ. وكلّ يومٍ نتأخّر فيه عن مقابلة كبار السنّ وتوثيق تجاربهم، نفقد صفحاتٍ لا توجد منها نسخةٌ أخرى.
إنّ إنقاذ التراث لا يبدأ دائمًا بمشروعٍ كبيرٍ؛ قد يبدأ بسؤالٍ صادقٍ نطرحه على أمٍّ أو جدّةٍ، أو بتسجيل أغنيةٍ يتذكّرها بحارٌ مسنٌّ، أو بتوثيق حركةٍ يؤدّيها فنانٌ شعبيٌّ. ومن هذه المبادرات الصغيرة يمكن أن نبني ذاكرةً وطنيةً حيَّةً، لا تحفظ الماضي فقط، بل تمنح الأجيال الجديدة جذورًا تستند إليها وهي تصنع المستقبل.
بدأت هذا الحوار متسائلة عن مصير الموسيقى الشعبية حين يندثر العالم الذي منحها معناها. وأغادره الآن مدركة أن الزوال ليس قدرًا محتومًا. فالذاكرة قادرة على الصمود أمام التغيير، ما دمنا نواصل السؤال ونحسن الإصغاء والتوثيق، ليبقى تراثنا حاضرًا في حياة الأجيال القادمة. ومن فعل بسيط يمكننا المحافظة على جذورنا: الإصغاء قبل أن يطبق الصمت.
تارا الدغيثر فنانة وباحثة وقَيّمة فنّية.


