ما تحت السطح
‘كتاب الأعشاب (Kräuterbuch).’ يوهانس هارتليب. 1462. حقوق الصورة: The Public Domain Review.
كثيرًا ما نصف الإنسان بأنّه متجذّرٌ في مكانٍ ما، أو موصول بعائلة، أو متأصّلٌ بهوية ثقافية. وقد يبتعد المرء عن وطنه طويلًا، ثمّ يعود في نهاية المطاف إلى "جذوره". تحيلنا هذه الصورة المجازية إلى الأشجار والنباتات التي تقضي حياتها كلّها في موضع واحد؛ تغور في أعماق الأرض، وتمتدّ غالبًا صوب الشمس.
أمّا جسديًّا فمن البديهي أنّ الإنسان لا يملك جذورًا، فنحن نتحرك في أرجاء الأرض، ونهاجر مسافاتٍ تتجاوز ما تقطعه معظم الكائنات الأخرى. مع ذلك فإنّنا نغرس - نفسيًّا ووجدانيًّا - جذورًا في الأماكن التي وُلدنا فيها، وفي العائلات التي احتضنت نشأتنا. وعلى الرغم من أنّ هذه الجذور غير ملموسة، فإنّ الشعور بتاريخٍ متجذّرٍ، وانتماءٍ عميق يظلّ في صميم معنى أن يكون المرء إنسانًا.
لذلك، نحن نشبه الأشجار أكثر ممّا نتصوّر للوهلة الأولى؛ وهي بدورها أقرب إلينا ممّا قد نظنّ، فكما يبيّن عالم الغابات والكاتب بيتر فوليبين في كتابه "الحياة الخفية للأشجار"، ليست الغابة مجرد تجمّع لكائنات منفصلة، بل شبكة اجتماعية متكاملة، تتواصل فيها الأشجار وتتعاون، وغالبًا ما يجري ذلك عبر جذورها.
في هذا العبور القصير بين عالم الجذور وعالم الكتب، نلقي نظرة على جذورٍ حقيقية، وأخرى رمزية، لنتأمّل كيف أنّ الأشجار كما تقول إحدى شخصيات مارون عبود: "أكثر حكمةً منّا، نحن البشر؛ فهي تتعايش في انسجام تحت الأرض، فيما نحن نتصارع فوق سطحها".
في هذا الكتاب الشهير والحائز على إشادة واسعة، يستكشف بيتر فوليبين الحياة الاجتماعية والعاطفية للأشجار، مانحًا القرّاء لمحة عن الطرق العديدة التي تتواصل بها؛ عبر الروائح، والإشارات البصرية، والنبضات الكهربائية. كما يوضّح أنّ منظومة الجذور تقيم تحت الأرض شبكةً معقّدة تُعرف باسم "شبكة الغابة الواسعة"، تؤدّي فيها الفطريات، في كثير من الأحيان، دور الوسيط بين الأشجار. ويشرح فوليبين في كتابه: "تنقل هذه الروابط الإشارات من شجرة إلى أخرى، فتساعد الأشجار على تبادل المعلومات حول الحشرات، والجفاف، والمخاطر الأخرى". وهكذا يقدّم الكتاب نظرة آسرة إلى العوالم الداخلية للأشجار، وإن اتسمت أحيانًا بطابع تأمّلي افتراضي.

علم الأنساب هو شكل آخر من أشكال التجذّر؛ إذ لا يكون انتماؤنا فيه إلى مكان بعينه، بل إلى سلسلة من الأسلاف الذين تبتعد جذورهم عبر الزمن جيلًا بعد جيل. وقد وصل هذا الكتاب إلى القائمة النهائية لجائزة كتاب جمعية الصداقة البريطانية - الكويتية لعام 2016، وهو يستكشف الأنساب القبلية في المملكة العربية السعودية المعاصرة. يستند الكتاب إلى أعمال الباحث السعودي في القرن العشرين حمد الجاسر، الذي أسهمت دراساته في علم الأنساب في صياغة سردية حول الانتماء والهوية في المملكة، بذلك يربط الكتاب بين صلات القرابة، والتواريخ الشفوية، وتشكّل الدولة الحديثة.

تتتبّع هذه الرواية المصوّرة، جذور التجارة العالمية في نبات الجينسنج. تبدأ الحكاية من المؤلّف وإخوته، الذين أمضوا فصول الصيف في طفولتهم بين حقول ريف ويسكونسن، يزيلون الأعشاب، ويقتلعون جذور الجينسنج الأمريكي مقابل دولار واحد في الساعة. ثمّ تعود الرواية بالزمن ثلاثة قرون إلى جامعي جذور الجينسنج في الصين، رابطةً بينهم وبين المزارعين الصناعيين، والعمّال المهاجرين الذين يحصدون الجينسنج في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي، ومن بينهم أفراد من عائلة طومسون نفسه.

معظمنا يعرف كيفية الطهي باستخدام الخضراوات الدرنية والجذرية: البطاطس، والجزر، والبصل. لكن ماذا عن جذور الأرقطيون، أو الخولنجان، أو المالانغا؟ في كتاب الطهي لمؤلفته ديان مورغان، التي تنقل القارئ إلى عالم الجذور الصالحة للأكل، متتبّعة تاريخ تسعة وعشرين نوعًا رئيسًا من الخضراوات الجذرية وحكاياتها، فضلًا عن قيمتها الغذائية، وطرق اختيارها وحفظها، كذلك أساليب إعدادها وطهيها. ويجمع الكتاب بين الوصفات العملية، واستكشاف نكهات أقلّ شهرة، كاشفًا عن عوالم ذوقية تختبئ تحت سطح الأرض.

في هذا الكتاب الأكثر مبيعًا، تصحب عالمة النبات المنتمية إلى شعب (البوتاواتومي)، روبن وول كيمرر، القرّاء في رحلة تستكشف طريقة تشابك جذورنا الثقافية البشرية مع جذور الحياة النباتية من حولنا. وتكتب في بداية الكتاب: "من الأفضل زراعة العشب الحلو لا بالبذور، بل بوضع الجذور مباشرةً في الأرض. وهكذا ينتقل النبات من يدٍ إلى أرض، ومن أرضٍ إلى يد، عبر السنين والأجيال". ومن خلال هذا المزج، يقدّم الكتاب رؤية مؤثّرة ومغايرة للتفكير في علاقتنا بالعالم الطبيعي.

في كتابها المترجم إلى العربية بعنوان أمّهات الأشجار، توسّع سوزان سيمارد فهمنا للحوارات الخفية التي تدور بين الأشجار. وسيمارد، وهي باحثة رائدة في مجال التواصل والذكاء لدى النباتات، تجمع بين العلم والسيرة الذاتية، متتبّعة الكيفية التي تستخدم بها الأشجار أنظمتها الجذرية للتواصل، وكيف تكيّف سلوكها، وتتعرّف إلى جيرانها، وتتعاون مع بعضها بعضًا. فبينما قد تبدو الأشجار فوق سطح الأرض، كائنات منفردة تعيش كلّ منها في عزلتها، فإنّها في الأعماق تتصل عبر شبكة معقّدة وممتدّة تتيح لها التواصل والتفاعل فيما بينها.

لا يقتصر البحث عن جذورنا على تقفّي أثر الأسلاف الذين تربطنا بهم صلة الدم، ففي هذا الكتاب، الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2021، تنقّب الكاتبة والباحثة المصرية إيمان مرسال عن جذورها الأدبية. ولتحقيق ذلك، تحاول إعادة بناء حكاية حياة الكاتبة المغمورة عنايات الزيات، التي نُشرت روايتها الوحيدة بعد وفاتها. إنّه إحياء بديع لذاكرة أدبية وثقافية كادت تُنسى.

يروي جانب كبير من التاريخ الإنساني حكايات الرجال، وعلى نحو مماثل، غالبًا ما تُتبع الأنساب عبر الأسلاف والقادة من الرجال. أمّا رواية الكاتبة السعودية عايدة محجوب الصادرة عام 2025، فتتجه، بدلًا من ذلك، إلى استكشاف جذورنا النسائية. تجعل الرواية من عنصر هشّ وعابر - كالشعر البشري - خيطًا يقود إلى تتبّع حكايات نساء البادية التي طالما بقيت على الهامش. في الرواية، رُحيل، الشابّ البدوي الذي تخرّج حديثًا متخصّصًا في علم الآثار، يعثر على صندوق صغير بالٍ، مدفون في أعماق الرمال، وفي داخله يجد خصلة شعر واحدة لامرأة، مضفورة ومحفوظة بعناية متقنة، ومن خلال هذا الأثر، يبدأ في استكشاف جذور حكايات النساء.

الأساطير والحكايات تمثّل إحدى الطرق الأساسية التي نُرسّخ بها صلتنا بماضينا، فالأساطير المصرية القديمة من بين أقدم القصص المكتوبة التي عرفتها البشرية. وعلى الرغم من امتلاكنا هذه النصوص العريقة، فإنّ هذه الجذور انقطعت بطرق عديدة عن مسارها الطبيعي، ففي الغالب لم تعد هذه الحكايات القديمة تنتقل إلينا عبر الجدّات، بل عبر الأكاديميين والباحثين. وما يفعله محمد أ. جمال في هذا الكتاب هو استعادة الدهشة والحيوية الكامنتين في الأساطير المصرية القديمة، وإعادة وصلنا بهذه الجذور العريقة، ليمنحها حياة جديدة لدى القارئ المعاصر.

تتناول هذه المجموعة القصصية الكلاسيكية موضوع الجذور والتجذّر في قرية لبنانية، ففي إحدى القصص، يُصرّ جاران على حفر خندق على امتداد الحدود الفاصلة بين أرضيهما. يعتقد أحد الجارين (أبو فارس) أنّ ذلك سيضمن سلامة تربته، ويمنع السماد الذي بذل جهدًا كبيرًا للحصول عليه من إفادة أشجار جاره. لكن حين يغوصان في حفر الأرض، يكتشفان أنّ جذور الأشجار متشابكة على عمق لا يمكن فصلهما. وكما يقول أحد الرجلين: "الأشجار أكثر حكمةً منّا، نحن البشر؛ فهي تتعايش في انسجام تحت الأرض، فيما نحن نتصارع فوق سطحها".

تُعدّ هذه الرواية الأمريكية، التي تحوّلت إلى مسلسل تلفزيوني شهير عام 1977، من الأعمال الكلاسيكية في أدب الأنساب المتخيَّلة. تبدأ الحكاية في غرب إفريقيا خلال خمسينيات القرن الثامن عشر، وتتبع تاريخ عائلة عبر مئتي عام تليها. ونظرًا إلى غياب السجلات التاريخية في كثير من الأحيان، تنسج الرواية التاريخ والأسطورة معًا في محاولة لإعادة بناء جذورٍ انقطعت، وبسبب العنف الذي رافق تجارة الرقيق عبر الأطلسي، لم يتمكّن هيلي من تقديم أنساب دقيقة ومكتملة. لكن الكاتبة ناديا أوسو تكتب عن الرواية: "حين تصبح الجذور بعيدة المنال، ربما تكون الأسطورة أفضل ما يمكن الوصول إليه".
لقراءة المزيد من الكتب، يرجى زيارة مكتبة إثراء، وموقع أراب لِت.
مارشا لينكس كوالي، رئيسة تحرير ومؤسِّسة المجلة الفصلية أراب لِت ArabLit.org.



