مناورة الملكة وحقيبة الصقّار
'لوحة لويليام وبينلوبي ويلبي يلعبان الشطرنج.' فرانسيس كوتس. 1769. المملكة المتحدة. ألوان زيتية على كانفاس. 135×152 سم (بدون إطار). الحقوق: متحف اللوفر أبوظبي © دائرة الثقافة والسياحة – أبو ظبي. تصوير: APF LAD 2013.007.
يبدو أنّ الجذور نادرًا ما تكون حبيسة تربة واحدة، أو مكان واحد، فهي تسافر وتتلاقح، وتتداخل عبر البحار والحضارات والأجيال، لتغذّي هوياتٍ تتشكّل بالتبادل والتفاعل بقدر ما تصوغها التقاليد. في هذه المقالة، نتوغّل في المجموعات المهيبة لمتحف اللوفر أبوظبي، لنستكشف خمسة مقتنيات استثنائية، لم تعكس ثقافات منشئها فحسب، بل أسهمت في بناء جسور وشبكات من التبادل، تغذّي هويات تمتدّ إلى ما هو أبعد بكثير من مواطنها الأصلية.
هذه الحقيبة صنعت بإتقان في شمال إيطاليا خلال القرن السادس عشر، وتعكس المكانة الرفيعة التي حظيت بها الصقارة، وهي ممارسة ارتبطت طويلًا بالبلاطات الملكية، وطبقة النبلاء. وتزدان الحقيبة بشعار النبالة لتذكرّ بشعار عائلة ميديشي، وتجسّد العلاقة الوثيقة بين تقاليد الصيد، والمكانة الاجتماعية، والحرفية الفنية.
وعلى الرغم من أنّ هذه القطعة منشؤها أوروبي، فإنّ لها صدىً قويًّا في شبه الجزيرة العربية، إذ ما تزال الصقارة تقليدًا ثقافيًّا حيًّا ومتوارثًا. وتجمع القطعة بين المتانة من الناحية المادّية وبين دقّة التفاصيل، مجسّدةً التميّز التقني والفنّي الذي ميز القطع الفاخرة المرتبطة بأنشطة البلاط الملكي.

'حقيبة طعام مربي الصقور مزخرفة بشعار النبالة.' القرن السادس عشر. شمال إيطاليا. خشب وجلد، 22.4×11×11 سم. الحقوق: متحف اللوفر أبو ظبي © دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي. تصوير: تييري أوليفييه LAD 2012.008.
تمثل هذه المشكاة المملوكية الضخمة من القرن الرابع عشر ذروة فنّ صناعة الزجاج في العالم الإسلامي. وقد زيّنت بزخارف نباتية، ونقوش قرآنية تتضمّن آية من سورة النور (24:35)، إلى جانب شعار الأمير المملوكي سيف الدين صرغتمش، بما يعكس الرقي الفنّي الذي بلغته الفنون في العصر المملوكي.
وتعدّ هذه المشكاة نموذجًا مملوكيًّا عظيمًا، سواء أكانت من حيث الشكل أم التقنية. وقد نُظّم سطحها في عدد من الشرائط الزخرفية المتعاقبة، تتخلّلها كتابتان بالخطّ العربي، فيما تتقاطع هذه الشرائط مع ميداليتين تحملان شعار راعي المصباح، إلى جانب زخارف نباتية. والكتابة هي نقش إهدائي يذكر فيها اسم المكلّف والسلطان الذي يتبعه. وفق صيغة شائعة في مثل هذه النقوش، إذ يَرِد اسم الأمير سيف الدين صرغتمش، إلى جانب اسم السلطان الناصر.
كما تحمل الميداليتان شعار المنديل الأحمر، أو شعار البُقجة (buqja) الخاصّ بصاحب الثياب، أو الجمَدار (jamdār)، في إشارة أخرى إلى صاحب التكليف: الأمير المملوكي سيف الدين صرغتمش الناصري، رأس نوبة النُوّاب (قائد الحرس) (ت. 1358). ووفقًا للمقريزي، كان أميرًا ثمّ تولّى لاحقًا منصب قائد (أتابك) الجيش.
وكانت هذه المشكاوات تُنتج غالبًا بأعداد كبيرة لتزيين أسقف المنشآت الدينية التي أمر بها كبار رعاة المماليك، تعبيرًا عن التقوى والورع الديني. وكثيرًا ما كانت تُنتج في مجموعات تحمل أسماء رعاتها وشعاراتهم.
من المرجّح أن تكون هذه المشكاة قد صنعت بتكليف لمجمع صرغتمش، الذي ما يزال قائمًا حتى اليوم في الحيّ التاريخي لمنطقة السيدة زينب في القاهرة. ويظهر المجمع على ورقة الخمسة جنيهات المصرية، وافتُتح عام 1356 في احتفال فخم حضره الأمراء والعلماء، بحسب ما أورده المقريزي.
تجسّد هذه القطعة كذلك السياق الأوسع للرعاية الفنّية في العصر المملوكي، وهي حقبة شهدت ازدهارًا كبيرًا. وارتبط ازدهار الفنون آنذاك ارتباطًا وثيقًا بالقوة الاقتصادية والسياسية التي تمتّعت بها الدولة، ما أتاح إنتاج قطع فنّية وحرفية بلغت مستوى استثنائيًّا من الجودة.
النقش الظاهر على الشريط الأول:
[اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ]، سورة النور - الآية 35.
وكثيرًا ما كانت هذه الآية تُنقش على مثل هذه المشكاوات، في إشارة إلى النور الذي يفيض منها لينير الفضاء الديني، ودرب المؤمنين.
النقش الظاهر على الشريط الثالث:
"المقر الكريم العالي المولوي المالكي المخدومي السيفي صرغتمش، رأس نوبة الملك الناصر".

'مشكاة مسجد.' بتكليف من الأمير سيف الدين صرغتمش الناصري. رأس نوبة النُوّاب (ت. 1358). العصر المملوكي: 1250–1517. مصر أو سوريا. زجاج مطلي بالمينا. 38.7 × 27.5 × 27.5 سم. الحقوق: متحف اللوفر أبو ظبي © دائرة الثقافة والسياحة – أبو ظبي. تصوير: نورة الزعابي LAD 2024.021.
صُنِع هذا الربع المجيّب في جنوب فرنسا في مطلع القرن الرابع عشر، ويُقدَّر تاريخ صنعه بين أعوام 1291 و1310، ويجسّد قرونًا من التبادل العلمي بين العالم الإسلامي والبحر المتوسط وأوروبا. وقد استُخدم في الملاحة، وقياس الوقت، وتحديد أوقات الصلاة، ويدلّ على تلاقي المعرفة العلمية مع براعة الصنّاع وإتقانهم للحرفة.
وفي مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية، أسهمت أدوات من هذا النوع في دعم شبكات الملاحة البحرية التي ربطت المنطقة بشرق إفريقيا والهند وما وراءهما، مبرزة الطابع العالمي لمسيرة التطور العلمي وتبادل المعرفة.
هذا الربع المجيّب، المعروف باللاتينية باسم (Quadrans Novus)، استُخدم لتحديد دوائر العرض والطول، وإجراء الحسابات التقويمية وحسابات الوقت. تزين وجها الربع بنقوش دقيقة مطعمة بالشمع الأحمر والأسود، وهو مصنوع من النحاس الأصفر، شأنه شأن معظم قطع أرباع الأسطرلاب الأوروبية والإسلامية. ويُنسب ابتكار هذا النوع من الأرباع، المعروف باسم Quadrans Novus، أو الربع الجديد، إلى يعقوب بن مَخير بن طِبّون (1236-1305). ويُعد هذا الربع قطعة نادرة للغاية؛ فهو أقدم نموذج معروف ضمن ثمانية نماذج فقط من هذا النوع. وفي حين كانت مثل هذه الأدوات عادةً صالحة للاستخدام عند دائرة عرض واحدة محدّدة، جاء الربع الجديد أداة شاملة تتيح معالجة مجموعة واسعة من المسائل والحسابات في علم الفلك والتنجيم.

'الربع المجيَّب.' جنوب فرنسا (؟). العصور الوسطى قرابة 1291 إلى قرابة 1310. نحاس أصفر وجلد. 15 × 14 سم. الحقوق: متحف اللوفر أبو ظبي © دائرة الثقافة والسياحة – أبو ظبي. تصوير: إسماعيل نور LAD 2019.036.
قبل وقت طويل من تحول ألعاب الطاولة إلى وسيلة للترفيه، كانت تؤدّي دورًا في تنمية التفكير الاستراتيجي، والتعلّم، وتعزيز التواصل بين الناس. تُصوّر اللوحة الثنائية التي رسمها فرانسيس كوتس الزوجين ويلبي، وهما منهمكان في لعبة الشطرنج، فيما تتوسّط رقعة الشطرنج التكوين الفنّي للوحة. وفي دلالة رمزية لافته، لا يبقى على الرقعة سوى الملكين، إذ تنتهي اللعبة بالتعادل، فلا يستطيع الزوج ولا الزوجة تحقيق الفوز على الآخر.
تُعدّ هذه اللوحة من أقدم التصاوير الفنّية للعبة الشطرنج في تاريخ فنّ البورتريه الإنجليزي. ومن خلال اختيار هذا الموضوع، يبرز الزوجان ويلبي مواكبتهما للذوق الراقي في عصرهما؛ فقد كانت لعبة الشطرنج تحظى بشعبية كبيرة بين النخب الأوروبية آنذاك. وفي الوقت نفسه، فإنّ التباين بين هيئة ويليام المفعمة بالحيوية وبين هدوء بينيلوب واتزانها، يشي بعلاقة تقوم على التكافؤ الفكري بين الزوجين.

'لوحة لويليام وبينلوبي ويلبي يلعبان الشطرنج.' فرانسيس كوتس. 1769. المملكة المتحدة. ألوان زيتية على كانفاس. 135×152 سم (بدون إطار). الحقوق: متحف اللوفر أبوظبي © دائرة الثقافة والسياحة – أبو ظبي. تصوير:APF .LAD 2023.007
وبالقرب من اللوحة السابقة، يمثل لوح لعبة "كاترا" من مدغشقر أحد الأشكال الإقليمية العديدة للعبة المنقلة، وهي لعبة استمرّت شعبيتها بفضل ما تتطلّبه من استراتيجية وحساب وتوقّع للخطوات المقبلة. وعلى الرغم من اختلاف قواعدها وتسمياتها من منطقة إلى أخرى، فإنّ هدفها يظلّ واحدًا: نقل الحبوب من حفرة إلى أخرى، وجمع أكبر عدد ممكن منها.
وتُظهر هذه القطع مجتمعة، والمعروضة ضمن معرض متحف اللوفر أبوظبي "مغامرة الألعاب اللوحية"، كيف عبرت الألعاب بين الثقافات حاملة تقاليد مشتركة من التنافس والتبادل.
لاكتشاف المزيد من كنوز مجموعة متحف اللوفر أبوظبي، يمكنكم زيارة الموقع الإلكتروني للمتحف.

'لعبة كاترا.' مدغشقر. منذ 100 عام على الأقل. الحقوق: متحف الأطفال، متحف اللوفر أبوظبي © دائرة الثقافة والسياحة – أبو ظبي. تصوير: نينو كونسورتي.


