نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

سلالة: حيث يبعث النحات ذاكرته من جذورها
لقاء خاص:

سلالة: حيث يبعث النحات ذاكرته من جذورها

سلالة: حيث يبعث النحات ذاكرته من جذورها

'لاجئة من سميرنا.' جورج بيتريديس. 2022. بإذن من الفنان.
 

بقلم حسن الباذر
September 30th, 2026
ليست جذورنا وراءنا فحسب، بل تظلّ حاضرة في الطريقة التي نبصر بها العالم، وفي الخيارات التي نتخذها، وفيما نورثه للأجيال القادمة.
– جورج بيتريديس، نحّات يوناني أمريكي

قبل أن يطرق الإزميل الحجر، كانت اليد الإنسانية تمنح الطين هيئةً، وتودع فيه معنى. فمنذ فجر التاريخ، لم يكن النحت مجرد حرفة، بل محاولة لفهم الذات، والبحث عن الانتماء، ومقاومة الفناء. وهو من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان، إذ حوّل به المادّة الصامتة إلى وعاء للذاكرة، وإلى شاهد على ما أحبّ، وما خسره، وما أراد أن يبقيه حيًّا بعد غيابه وأفول ذكره.

فقد نحت الإنسان في الغرانيت من أدهشته سيرته، وصاغ من الرخام الحزن والوفاء، وحفظ في الخشب أثر العابرين قبله. كلّ ضربة إزميل كانت حوارًا مع الأسلاف، وكلّ هيئة منحوتة امتدادًا لحكاية لم تبدأ بنا، ولن تنتهي عندنا. فنحن ننحت، في جوهر الأمر، لأنّنا نأمل أن يبقى منّا ما يتجاوز الجسد، شاهدًا على زمنه، ومنتميًا إلى مكانه.

ولهذا ما تزال التماثيل القديمة شاهدة على ثقافتها؛ فهي تهمس في صمتها بقصة أصحابها، وبالأيدي التي صنعتها، وبالنبض الذي حاولت تلك الأيدي أن تحفظه. ونحن نبادلها النظر، ونُمعن في صمتها، ونتساءل عن حكايتها وصناعها، وعن لطيف مدلولاتها. وبذلك ندرك أنّ تاريخ النحت لا يتعلّق بالتعبير الفنّي وحسب، بل يجسّد تاريخ العلاقة التي نسجها الإنسان مع الفعل الإبداعي بنفسه.

هكذا، ثمّة منحوتات تؤرّخ للأمم، وأخرى تبدأ من النفس وما يشغلها. أمّا جورج بيتريديس، فلم تكن الاثنتان منفصلتين لديه يومًا.
 

جورج بيتريديس في أثناء عمله في الاستوديو. 2021. بإذن من الفنان. 

في أحدث مشاريعه الفنّية، "سلالة"، يستعيد قرنًا كاملًا من تاريخ عائلته عبر خمس منحوتات، تمثّل كلّ واحدة منها جيلًا مختلفًا ومنعطفًا تاريخيًّا مغايرًا. غير أنّ العمل لا ينشغل بالنَّسب بقدر انشغاله بالإرث؛ ذلك الإرث الذي لا يتكوّن من الأسماء وحدها، بل من الخبرات والذكريات والقيم التي تستمرّ في تشكيلنا حتى بعد رحيل أصحابها.

وتبدأ الحكاية مع جدّته، ماريا. يقول بيتريديس: "جدّتي ماريا هي جذر هذه السلسلة. كان بإمكاني أن أعود إلى أجيال أسبق، لكنّها الإنسانة التي عشت معها؛ رافقت طفولتي في أثينا، ثمّ في نيويورك بعد هجرتنا إليها".

وقد ألهمت ماريا منحوتة "لاجئة من سميرنا"، وهي عمل يجمع بين الذاكرة العائلية وبين إحدى أكثر المآسي حضورًا في التاريخ اليوناني الحديث. لكن عندما كلّفت إحدى البلديات اليونانية الفنان بإنجاز نسخة عامّة أكبر حجمًا بمناسبة مرور مئة عام على حريق سميرنا، أدرك أنّ العمل تجاوز حدود قصته الشخصية.

ويستذكر ذلك قائلًا: "في حفل التدشين، تقدّم إليّ عدد من السكان وقالوا: "هذه جدّتي". عندها أدركت أنّ جذورنا متشابكة، وأنّ جذوري هي جذورهم أيضًا".

تكشف تلك اللحظة عن جوهر مشروع بيتريديس الفنّي، فمنحوتاته تبدأ من أشخاص بعينهم، لكنّها تبحث دائمًا عمّا هو مشترك بين البشر: الوجوه الفردية تتحول إلى نماذج إنسانية، وبين الذكريات: الخاصّة منها تصبح ذاكرةً يتشارك فيها الآخرون.

ويقول: "الفنّ يعني لي كلّ شيء. يسعدني أن يحظى عملي بالتقدير، لكن ذلك يبقى أمرًا ثانويًّا، أمّا الأهمّ فهو أنّ هذه هي الطريقة التي أستطيع بها أن أقدّم شيئًا ذا قيمة للآخرين. الفنّ يداويني، ويمنحني السلام، ويجعلني إنسانًا أفضل".

وخلال عمله على "سلالة"، لم يكن بيتريديس يدرس الملامح وحدها، بل كان يتأمّل القوى التاريخية التي صاغت أصحابها. فتهجير جدّته، وإعادة بناء والديه لحياتهما، ثمّ حضور ابنته في نهاية هذه الرحلة الممتدّة لمئة عام، أصبحت جميعها فصولًا في سردية أكبر.

'ميدوسا سيريفوس.' جورج بيتريديس. 2026. بإذن من الفنان. 

ويقول: "ساعدني المشروع على فهم جدّتي؛ كيف عاشت لاجئة، وكيف استطاعت أن تعيد بناء حياتها في وطن جديد. وفي الطرف الآخر من هذه المئة عام، يسعدني أن أقدّم ابنتي بصورة مختلفة؛ أكثر تفاؤلًا وخفة، لأنّ الأجيال التي سبقتها قامت بالعمل الشاق، وأزالت العقبات، وأرست أساسًا جديدًا".

وتتبع ممارسته الفنّية نهج التنقيب ذاته، فعلى الرغم من أنّ "سلالة" يتخذ هيئة سلسلة مترابطة، فإنّ بيتريديس يرى أنّ أعماله كلّها تعود إلى الأسئلة نفسها.

ويقول: "سواء أكنت في الأعمال المنفردة أم السلاسل الفنّية، أعود دائمًا إلى الأسئلة ذاتها: العائلة، والتاريخ، والقدرة على الصمود، وكيف يمكن لملامح شخص واحد أن تتحوّل إلى نموذج إنساني عام".

أمّا الحقيقة، فهي القيمة التي يسعى إليها قبل أيّ شيء آخر. يقول: "القيمة التي أبحث عنها هي الحقيقة؛ حقيقة المشاعر والملاحظات. الجمال التقليدي ليس ما يشغلني. فإذا استطعت أن أبلغ الحقيقة، فهذا هو الجمال الذي أريده".

'لاجئة من سميرنا.' جورج بيتريديس. 2022. بإذن من الفنان. 

وتنعكس هذه الفلسفة على أسطح منحوتاته؛ إذ يترك آثار العمل اليدوي ظاهرة، ويُبقي الطبقات المتراكمة مكشوفة، ويتعامل مع ما يبدو نقصًا أو خشونة بوصفه شاهدًا على التجربة الإنسانية. وحتى اختيار الخامة يجسّد هذا الفهم للاستمرارية لا الحنين. فمعظم أعماله تبدأ بطين الأنهار الذي يشكلّه بيديه، قبل أن تدخل تقنيات المسح الرقمي والصبّ المعدني في المراحل اللاحقة. 

ويقول: "أنظر إلى النتيجة النهائية، و أستخدم أيّ أداة تساعدني على الوصول إليها. وفي النهاية لا يبقى سوى سؤالين: هل كانت المنحوتة صادقة؟ وهل أدّت غايتها في خدمة الناس؟"

قادته هذه الرؤية كذلك إلى ما هو أبعد من اليونان، فمن خلال تأمّله للمشهدين الثقافيين في شرق البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي، أخذ يلتفت إلى التشابهات غير المتوقّعة بينهما، وهو ما أثمر مقالته "بحر إيجه والخليج العربي: تقاطعات في الفنّ والمساحة والخيال المدني"، التي يستكشف فيها الأفكار المشتركة التي شكّلت الحضارتين عبر آلاف السنين.

ويرى بيتريديس أنّه؛ على الرغم من اختلاف تقاليدهما الفنّية والثقافية، نشأت الحضارتان في فضاءات بحرية كانت تنتقل فيها القصص مع الناس والتجارة، وفي كلتيهما، ظهرت فيهما القصيدة الشفوية، والساحات العامة، والعمارة، والحرف التقليدية بوصفها وسائل لحفظ الذاكرة الجمعية.

ويذكر في مقالته: "على امتداد ثلاثة آلاف عام، شكّل بحر إيجه والخليج العربي ملتقى للطرق البحرية." ويضيف أنّ ما يكمن تحت الاختلافات البصرية الواضحة هو: "أساطير تأسيسية، واهتمام بالنظام والتناسب، ومبادئ تنظّم الفضاء العام، وقدرة على تحويل الذاكرة الجمعية إلى موادّ باقية".

ويمتدّ هذا التشابه إلى البيئة العمرانية كذلك؛ فالأفنية والأروقة اليونانية، وأبراج الرياح والمشربيات، والرخام والحجر المرجاني، كلّها تعكس مجتمعات واجهت المناخ بالجمال بقدر ما واجهته بالوظيفة. كما أنّ هندسة الفنّ الإسلامي والتناغم النسبي في المعابد اليونانية يلتقيان، على الرغم من اختلاف منابعهما، في السعي إلى نظام جمالي واحد.

ويقول: "لا يمكن فصل الجمال عن أخلاقيات التناسب؛ أي عن الكيفية التي ينبغي أن تنتظم بها الأشياء في علاقتها بعضها ببعض". 
 

بالنسبة لبيتريديس، تكتسب هذه العلاقات معناها الأعمق عندما يغادر الفنّ فضاءات العرض المغلقة ليصبح جزءًا من الحياة العامة. ويقول: "لقد نظّمت الأغورا والمسرح في اليونان، كما نظّم السوق والمجالس والجوامع في العالم العربي، أشكالًا مختلفة من التلاقي والتبادل والعيش المشترك. كان الفنّ، في كلتا الحضارتين، ممارسةً مدنية، لا ترفًا معزولًا عن حياة الناس".

وتنعكس هذه القناعة في أعماله اليوم، التي أصبحت جزءًا من المتاحف والمستشفيات والبلديات والجامعات والمؤسّسات العامة؛ أي في الأماكن التي يرافق فيها الفنّ تفاصيل الحياة اليومية بدلًا من أن يبقى معزولًا عنها.

ويرى بيتريديس أنّ الفرق بين التاريخ وبين التراث ينطلق من الرؤية نفسها. يقول: "التاريخ هو سجلّ الماضي، أمّا التراث فهو ما تختاره المجتمعات لتصونه وتنقله، ماديًّا كان أو غير مادّي، لأنّه يرتبط بالهوية والذاكرة والقيم".

وبالنسبة إليه، يعمل الفنان مع الاثنين معًا؛ فالبحث التاريخي يمنح العمل بنيته، بينما تضفي الحكايات العائلية، والسوابق الفنّية، والتجارب الحياتية، ثقله الإنساني والعاطفي. وهكذا يغدو التراث شيئًا يُورث، ويُعاد تأويله، ثمّ يجدّده كلّ جيل بطريقته الخاصة.

ويتحدّث بيتريديس بحماس عن الاستثمار الثقافي المتنامي في المنطقة، معربًا عن أمله في أن يجد مشروع "سلالة" جمهوره الأول هنا. وحين سُئل عمّا يتمنّى أن يستخلصه الجمهور العربي من أعماله، أجاب: "سيكون أعظم تكريم لهذه السلسلة أن يرى الناس عائلاتهم في عائلتي".

ولعلّ هذا ما يفسّر بقاء ماريا عند بداية الحكاية، فهي ليست أولى منحوتات السلسلة فحسب، بل اللحظة التي تعبر فيها الذاكرة إلى التراث، ويغدو تاريخ عائلة واحدة مرآةً يرى فيها الآخرون ملامح عائلاتهم أيضًا. ومن هنا، لا يعود مشروع "سلالة" سيرةً شخصية، بل دعوة إلى إعادة اكتشاف الجذور التي لا تكمن خلفنا وحدها، بل تستمرّ في تشكيل ما نحن عليه، وما سنورثه لمن سوف يأتي بعدنا.

يختتم بيتريديس قائلًا: "تكمن رسالتي في العمل نفسه، فجذورنا ليست خلفنا فقط… وآمل أن يدفع سرد قصة عائلتي الآخرين إلى أن يجدوا فيها شيئًا من قصصهم، وأن يعيدوا النظر في الأشخاص الذين جعلوهم ما هم عليه اليوم".

'كوري.' جورج بيتريديس. 2024. التُقطت الصورة بوساطة الفنان بالقرب من مستشفى أغلايا كيرياكو العام للأطفال في 21 يوليو 2026. بإذن من الفنان. 
'ديفي كروكيت في ألامو.' جورج بيتريديس. 2025. ضمن مجموعة مقتنيات البيت الأبيض. بإذن من الفنان. 
إعادة تعيين الألوان