تحرير الجذور
'شجرة حياتي.' جوزيف ستيلا. 1919. ألوان زيتية على كانفاس. 193 × 213.4 سم. المصدر: Obelisk.
حين نتحدّث عن الجذور فإنّنا غالبًا ما نستحضر في أذهاننا صورةً لها مطمئنّة. أصلٌ ثابت في الأعماق تخرج منه الفروع وتعلو بينما يظلّ هو ساكنًا ومنيعًا من التحوّل، كأنّ الزمن يجري فوق سطح الأرض، ولا يصل إليه. وفي الخطابات الثقافية والوطنية على وجه التحديد تزداد هذه الصورة صلابة، فتستخدَم الجذور مرادفًا للنقاء والأصالة والاستمرار، ويغدو الرجوع المستمرّ إليها محاولة لاستعادة لحظة أو صورة أولى يفترَض أنّها مكتملة ومتجانسة. غير أنّ الجذر في حقيقته أبعد ما يكون عن السكون، إنّه كائن يتقدّم، ويتفرّع، ويختبر التربة، يستجيب لعوامل الرطوبة والجفاف، يتحاشى العوائق، ويلتفّ حولها، ويدخل في علاقات مع كائنات دقيقة وفطريات وجذور أخرى. لا يحفظ الجذر حياة الشجرة فحسب، إنّه يعيش حياته الخاصة أيضًا، وهي حياة لا تقلّ حركة وتعقيدًا عمّا يحدث في الأغصان.
تفترض النظرة التقليدية إلى الشجرة ترتيبًا هرميًّا واضحًا يحدّد قيمة الجذر وباقي أقسام الشجرة. في هذا الترتيب يكون الجذر أصلًا، والجذع امتدادًا، والأغصان نتائج، والثمار غاية. ووفقه أيضًا يكون الماضي أساسًا حاضرًا في صورته النهائية الراسخة بينما الحاضر فرعٌ يستمدّ شرعيّته من ذلك الأساس. لكن هذه الصورة تخفي حقيقة أساسية، ألا وهي أنّ الجذور نفسها تنمو بالتزامن مع الفروع وإنْ كانت في اتجاه معاكس، إذ كلما اتسعت الشجرة، وارتفعت في الفضاء احتاجت إلى إعادة تشكيل وجودها في التربة. وما يحدث في الأعلى يؤثّر فيما يحدث في الأسفل، والعكس صحيح. فحجم الأوراق ونضارتها وكمّية الضوء وشدّة الريح وتغيّر الفصول، كلّها تعيد توجيه نموّ الجذور.
وهكذا فإنّ العلاقة بين الجذر والغصن علاقة تبادل واعتماد متواصلين، وليست علاقة سبب ثابت بنتيجة متحرّكة. الاثنان صورتان لحياة واحدة. تتجه الأغصان نحو الضوء، وتتجه الجذور نحو الماء، تختبر الأغصان الهواء، وتقرأ الجذور التربة، وكلّ منهما يوسّع حدود الكائن الذي هو الشجرة، ويؤمّن استمراره.
ينبغي ألّا تُمنح الفروع منزلة أعلى من الجذور لأنّها مرئية، وطالما فضّلت أغلب ثقافات الإنسان ما هو ظاهر على حساب ما هو خفيّ: النور على الظلام، والبصر على العمى. ولكن إذا كانت الفروع تمثّل ما تنتجه الثقافة من فنون وأفكار ومؤسّسات وصور جديدة للحياة، فإنّ الجذور تمثّل المخزون العميق من اللغة والذاكرة والعادات والحكايات وطرق الإحساس بالعالم. غير أنّ هذا المخزون يُعاد تفسيره كلما تغيّر الحاضر، فلا يبقى كما هو.
وبهذا لا تكون الثقافة مخزنًا يحتوي على آثار الماضي، وإنما منظومة حيّة تتبدّل عبر الاستعمال، فاللغة التي نعدّها من أعمق جذورنا، على سبيل المثال، تتغيّر كلّ يوم: تدخلها كلمات جديدة، وتتراجع فيها دلالات، وتولد من مفرداتها القديمة استعارات ما كانت معروفة من قبل. كذلك الحال مع الطقس الاجتماعي الذي لا يؤدّي المعنى ذاته حين يتغيّر مكانه أو جمهوره أو ظرفه التاريخي، أو الحكاية الشعبية التي لا تظلّ واحدة حين تنتقل من راوٍ إلى آخر. حتى ما نسمّيه التراث لا يصل إلينا كاملًا ومكتملًا من زمن سابق، إنما نختار منه نحن، ونرتّبه ونمنحه أسماء وحدودًا وتصورات، ونقرّر ما يُعرض منه في المتحف، أو يدرَّس في المدارس، وما يُستبعد. وليس من الصواب القول إنّنا نرث الجذور فحسب، في وقتٍ نشارك فيه باستمرار في صنعها وتشكيلها.

'معركة الأضواء، كوني آيلاند، ماردي غراس.' جوزيف ستيلا. 1913-1914. ألوان زيتية على كانفاس. 215.3 × 195.6 سم. المصدر: Obelisk.
في لحظات تاريخية بعينها تشتدّ الرغبة في البحث عن الجذور، خاصةً حين تسعى الأمم إلى تعريف أنفسها. يحدث ذلك عند تأسيس الدول، أو تحريرها من الاستعمار، أو توحيد جماعات ومناطق متفرّقة تحت اسم وطني جامع، أو مواجهة تحوّلات سريعة تهدّد الصور المألوفة للحياة. في مثل تلك اللحظات المفصلية تحتاج الأمّة إلى سردية تقول مَن نحن، ومِن أين جئنا، وما يجمعنا، فتعود إلى الآثار والأنساب والمرويات واللغة والأزياء والأمكنة، وتنتقي منها علامات قادرة على إنتاج شعور بالاستمرار.
هذه العودة مفهومة وضرورية لبناء الانتماء، لكنّها تحمل خطر تحويل التاريخ إلى صورة ساكنة، فالأمّة قد تتخيّل لنفسها أصلًا واحدًا جامدًا ومسارًا مستقيمًا، مع أنّ نشأتها كانت ثمرة لقاءات وهجرات وصراعات وتبادلات كثيرة. وقد تقدَّم الثقافة الوطنية على أنّها جوهر قديم ظلّ محفوظًا من التأثّر، مع أنّ الثقافات تنمو عبر الاتصال والترجمة والاقتباس والتجاور. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال عن الجذور: ما الشكل النقيّ الذي كنّا عليه؟ إنّ الأجدى أن نسأل: ما المسارات التي كوّنتنا؟ وما العلاقات التي دخلنا فيها؟ وكيف تغيّرت عناصر ثقافتنا وهي تعبر الأزمنة والأمكنة؟
هنا يكتسب مفهوم "الجذمور" أو "rhizome" كما صاغه الفيلسوفان جيل دولوز، وفيليكس غاتاري، أهمّيته، ففي مقابل نموذج الشجرة القائم على أصل واحد وتفرّعات هرمية، يقدّم الجذمور صورةً لشبكة تمتدّ أفقيًّا، ويمكن لأيّ نقطة فيها أن تتصل بنقطة أخرى. ليس للجذمور مركز وحيد، ولا بداية مطلقة، ولا مسار إلزامي. ينقطع في موضع، ثمّ يعاود النموّ في موضع آخر، وتتشابك داخله خطوط متعدّدة من غير أن تفقد اختلافها. يساعدنا هذا التصوّر على فهم الثقافة باعتبارها شبكة من العلاقات، لا سلالة تنحدر من أصل منفرد.
لا يدعونا مفهوم الجذمور إلى إلغاء الجذور، أو إنكار التاريخ. إنّه يحرّر الجذر من صورة العمود الجامد، فالجذور قد تمتدّ جانبيًّا، وتتلاقى، وتتبادل الغذاء، وتعبر الحدود التي يرسمها الإنسان على سطح الأرض. وعلى هذا النحو يمكن النظر إلى الهوية الثقافية لا على أنّها شجرة منفردة مغلقة على تربتها، ولا مجموعة أغصان مقطوعة من ماضيها، وإنما بوصفها حياة تتشكّل من ذاكرات متداخلة، وصلات متجدّدة. وقد تكون الثقافة وطنية ومحلية في الوقت نفسه الذي تحمل فيه آثار التجارة والهجرة والدين والترجمة والتماسّ مع ثقافات أخرى.
ينتج عن مساواة الجذور بالفروع تحريرُ الطرفين من المفاضلة، فالتجديد لا يحتاج إلى قطع الصلة بالماضي، كما أنّ الوفاء للماضي لا يقتضي تكراره كما كان. الفرع الجديد يوسّع إمكانات الجذر، وبالمثل يتيح الجذر المتحوّل ظهورَ فروع لم تكن متوقّعة. لا ينبغي على الثقافة الحيّة أن تختار بين الأصالة والتحول. ولعلّنا، والحال هذه، لا نحتاج إلى نبش الأرض بحثًا عن جذر أولٍ بقدر حاجتنا إلى الإصغاء إلى ما تفعله الجذور الآن: كيف تمتدّ، وبماذا تتصل، وما الذي تتشرّبه، وما الذي تعطيه للتربة المحيطة بها. ليس الجذر شاهدًا صامتًا على ماضٍ مكتمل ومغلق، إنّه على العكس من ذلك كائن يواصل كتابة تاريخه في الخفاء وتحت التراب. ولئن كانت الفروع تمنح الشجرة شكلها في السماء فإنّ الجذور تعيد رسمها وتشكّلها تحت الأرض. وبين الخفاء والظهور والذاكرة والتحوّل تتشكّل الثقافة بوصفها نموًّا مستمرًّا لا بوصفها عودةً نهائية إلى نقطة بدء متخيّلة.
علي المجنوني كاتب ومترجم وباحث.


