نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

تربة الفن السعودي وروحه
وجهات استكشافية:

تربة الفن السعودي وروحه

تربة الفن السعودي وروحه

'الموناليزا السعودية.' فهد الربيق. 1975. ألوان زيتية على كانفاس. 62 × 50 سم. بإذن من الفنان. تصوير: أحمد الثاني.
 

بقلم ريما عبدالرحمن
September 30th, 2026

هي لا تنظر إليك، بل من خلالك، كأنّها تحمل في ملامحها شيئًا يوحي بمعرفتها أمرًا تجهله أنت. لوحة لفتاة ينسدل على رأسها وشاح أبيض رقيق، يظهر من خلاله لون شعرها الكستنائي الطويل المتموّج والمنساب على كتفيها. عيناها العسليتان الواسعتان والمتباعدتان، وأنفها الصغير الأقنى الرهيف، وفمها الصغير الرقيق الحائر بين الابتسامة والتجهّم، لكنّها تفصح بطريقة ما عن معرفة أكبر بكثير. إنّها الموناليزا السعودية.

رسمها الفنان السعودي فهد الربيق عام 1975 بألوان زيتية على كانفاس، حين كان شابًّا، وقد استلهمها من قراءاته عن كبار فناني عصر النهضة. ومع إمكاناته البسيطة، وجد ملهمته؛ فجارته الطفلة ذات الأعوام التسعة جلست أمامه في منزل أسرتها ليقوم برسمها.

إنّ الاهتمام بكبار الفنانين تقديرًا لدورهم في البحث والإبداع، يبدو جليًّا في ما يقدمه معرض "بدايات: بدايات الحركة الفنية السعودية"، فقد بدأت هذه الحركة بالتعرف على التجارب السابقة، لكنّها سرعان ما تطوّرت لتغدو شيئًا أكثر تشابكًا ورسوخًا، وأعمق تجذّرًا في المجتمع.

'الشاطئ المشرق.' إبراهيم بوقس. 1986. ألوان زيتية على كانفاس. 56 × 76 سم. بإذن من الفنان. تصوير: أحمد الثاني. 

مأوى، وأرضٌ خصبة، وسكينة، وماء، واستقرار؛ تلك هي العناصر التي غذّت الحركة الفنّية السعودية في مطلع ستينيات القرن العشرين. فقد كانت المملكة حضنًا رحبًا لأبنائها، يفيض حبًّا لهم، ويتطلّع إلى أن ينموا ويزدهروا، وأن تمتدّ جذورهم في عوالم الفنّ، فيكتشفوا ذواتهم، ويعبّروا عنها، ويتعلّموا من تجارب الفنانين حول العالم، ثم يمضوا في شقّ مساراتهم وأساليبهم الخاصة في التعبير.

في ذلك المناخ، ووسط تلك البيئة المهيّأة للنمو، وجد فهد الربيق بوصلته الفنية؛ فقد كانت أعمال كبار فناني عصر النهضة ومناهجهم حاضرة في بيته، من أساليب تحضير الأصباغ إلى طرائق إعداد اللوحات. ومن هناك، تعرّف إلى فنانين سعوديين آخرين شقّوا، هم أيضًا، دروبهم الإبداعية الخاصة، مستلهمين التجارب ذاتها، ومتشبّثين بمكان أتاح لهم أن يزدهروا ويتطوّروا.

'مرعى الجمال.' محمد الأعجم. 1986/1985. ألوان زيتية على كانفاس. 74 × 120 سم. بإذن من مجموعة محمد عبد الله العلياني الخاصة. تصوير: أحمد الثاني. 

يأخذ معرض "بدايات: بدايات الحركة الفنّية السعودية" زوّاره في رحلة إلى الجذور الأولى للحركة الفنّية في المملكة، كاشفًا عن اللغة البصرية التي صاغها الفنانون السعوديون الروّاد في مراحلها المبكرة. ويُعدّ المعرض محطة مفصلية أطلقتها هيئة الفنون البصرية، مستندةً إلى بحث معمّق شمل زيارات ميدانية، ومقابلات مع الفنانين، وجهودًا واسعة في التوثيق. كما يحتفي بأسماء بارزة مثل فهد الربيق، وعبد الرحمن السليمان، وفؤاد مغربل، وضیاء عزيز ضياء، وصفية بن زقر، ممن أسهموا في تشكيل بدايات المشهد الفنّي السعودي بين ستينيات وثمانينيات القرن العشرين.

'زخرفة.' ميرزا الصالح. 1984. خامات متعدّدة على قماش. 79 × 140 سم. حقوق الصورة: مقتنيات هيئة المتاحف، وزارة الثقافة. تصوير: أحمد الثاني. 

يسلّط المعرض الضوء على الطريقة التي بلور بها فنانو الجيل الأول في السعودية لغتهم البصرية الخاصة مع انطلاقة الحركة الفنّية، وعلى إسهامهم في تأسيس جماعات فنّية في مرحلة مفصلية من تاريخها. كما يحتفي بولادة مشهد فنّي نهض من قلب المجتمع، وغذّاه شغف التعبير الإبداعي، والرغبة في رواية الحكايات السعودية من منظور بصري أصيل.

ومن خلال استقصاء البدايات الأولى للحركة الفنّية السعودية، يفتح معرض "بدايات: بدايات الحركة الفنية السعودية" نافذة آسرة على ثراء الإرث الثقافي للمملكة، وعلى المسار الذي تشكّلت عبره هويّتها الفنّية وتطوّرت.

'والدي.' إبراهيم الفصّام. 1977. ألوان زيتية على كانفاس. 69 × 55 سم. بإذن من الفنان. تصوير: أحمد الثاني. 

بين القديم والجديد، والواقعي والسريالي، واليومي والاستثنائي، يتشكّل معرض "بدايات: بدايات الحركة الفنية السعودية" بوصفه تجربة سعودية خالصة، متجذّرة في خصوصيتها الثقافية، ومشبعة بملامحها ونكهتها المتفرّدة.
 

'دون عنوان.' خليل حسن خليل. 1986. ألوان زيتية على كانفاس. 107 × 120 سم. بإذن من الفنان. تصوير: أحمد الثاني.

لقد وجدت هذه البذرة طريقها إلى النمو، وما زالت تمتدّ وتزدهر؛ واليوم يقف الفنانون السعوديون، وفرشاتهم بين أيديهم، متهيّئين لرسم رؤاهم، وتشكيل أعمالهم، وانتقاء خامات لوحاتهم وألوانها وشفافيتها.

وتواصل جذورهم امتدادها تحت السطح، مستمدّةً منها زادها الذي يتيح لهم أن يزدهروا ويتألقوا، ليغدوا شيئًا متأصلًا في تربة الشعب السعودي وروحه؛ ومع انفتاحه على التجارب الفنية حول العالم، أخذ ينمو ويتطوّر، مستكشفًا هويته الخاصة ومعبرًا عنها. 
 

'الصمت الثرثار.' عبد الحميد البقشي. 1973. ألوان زيتية على كانفاس. 160 × 110 سم. بإذن من الفنان. تصوير: أحمد الثاني. 

تتجلّى في ملامح الموناليزا السعودية حكمة تتجاوز سنواتها، كأنّ أفكارها تمتدّ إلى ما بعد لحظتها، مستبصرةً بذرة ستُغرس، وجذورًا ستشقّ طريقها في تربة السعودية وتترسّخ فيها. لعلّها رأت المستقبل في ذلك الشاب الجالس أمامها، ويداه ربما ترتجفان، وهو يرسمها لمجتمع بدأ يوسّع أدوات تعبيره، متجاوزًا حدود الكلمة والشعر إلى لغة بصرية تحمل حكاياته، وتنمو مع الوقت لتغدو أكثر إشراقًا وحيوية ممّا كان يمكن تخيّله. فكيف بدت بهذا الشكل: هيئة ثابتة آتية من الماضي، ونظرة تمتدّ نحو المستقبل؟ وهل أدركت يومًا أنّها ستتحوّل إلى رمز من رموز البدايات الأولى للإبداع السعودي؟

ومع اقتراب المستقبل من عتباتنا، يظلّ السؤال قائمًا: أيّ بذور نغرس اليوم، وماذا سنجني غدًا؟

ولعلّ ما يدعونا إلى التأمّل اليوم هو السؤال عمّا ستصبح عليه هذه الساحة الفنّية، بينما يمضي العالم في تحوّلاته، وتواصل تلك البذور انغراسها في التربة، وتمتدّ جذورها شيئًا فشيئًا، لتنبت منها ملامح أعمق وأبهى؛ ملامح أصيلة، راسخة في تربة الفن السعودي وروحه.

'تكوين إسلامي.' عبدالرحمن السليمان. 1983. ألوان زيتية على كانفاس. 100 × 75 سم. بإذن من المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، عمّان، الأردن. تصوير: أحمد الثاني.

انطلق معرض "بدايات: بدايات الحركة الفنية السعودية" المتنقّل بمبادرة من هيئة الفنون البصرية، وبالتعاون مع مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويستضيف إثراء النسخة الثانية من المعرض خلال الفترة من 13 يوليو إلى 7 نوفمبر 2026، وذلك بعد انطلاق نسخته الأولى في المتحف الوطني السعودي بالرياض بين يناير وأبريل 2026.

 

ريما عبدالرحمن كاتبة وروائية.

'دون عنوان.' عبد الله الشلتي. 1985. ألوان زيتية على كانفاس. 90 × 121 سم. بإذن من تركي الشبانة. تصوير: أحمد الثاني. 
إعادة تعيين الألوان