نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

وحنينُه أبدًا لأول منزل
ضيف العامود:

وحنينُه أبدًا لأول منزل

وحنينُه أبدًا لأول منزل

'تفسَّـحوا.' ندى الملا. 2026. جزء من معرض متحف إثراء، يفتح أبوابه للزوار ليحلّوا فيه ضيوفًا، ويمنحهم فسحةً للتوقف والتأمل في معنى الانتماء وشروطه، مستحضرًا فضاء المجلس التقليدي؛ ذلك المكان الذي لطالما احتضن اللقاء، وجمع الناس فيه.
 

بقلم طارق الخواجي
September 30th, 2026

للبيت مكانة مركزية في اللغة العربية، لغة واصطلاحًا، وثقافة، وعمقًا أنثروبولوجيًّا، وتاريخيًّا. فالبيت في اللغة هو محلّ السُّكنى والإقامة الدائمة، والبيت في الأدب العربي هو أساس القصيدة، ومفتاحها الأهمّ، ولا يطلق على تجلّي الشعر قصيدة إلّا إذا بلغ سبعة أبيات، وبيت الله الحرام هو قِبلة المسلمين، وبيت المقدس هو مدينة القدس، وتعكس هاتان الإشارتان العمق الديني الكبير للكلمة في الثقافة العربية والإسلام.

ولأنّ البيت هو مكان الذاكرة والجذور الممتدة في الماضي، ومركز الوجود الأول للإنسان، كان من الطبيعي أنْ يقف الشاعر العربي على طلله، ليفتتح قصيدته، متحسرًا على هذا التغيّر والتحوّل بيت مأهول إلى بيت مهجور، مفهومًا موازيًا للوجود. ويتصدر مقام البيات الأشهر مكانهُ بين المقامات الموسيقية مانحًا الإيقاع الصوتي هدوءًا وشجى، وحريّ به أن يكون المقام الأشهر الذي يقرأ به القرّاء آيات الرحمة. 

في صغري، عندما كان والدي يرتحل بنا من مدينة إلى أخرى، بحكم عمله الذي يتطلّب هذا الارتحال، كنّا كلّ عام عندما تحلّ لإجازة الصيفية، نجنّ فرحًا بالسفر إلى الديرة. كانت هذه الكلمة بالنسبة لي تعني مسمّى مباشرًا لمدينة (صبيا)، وموازيًا لمعنى الجذور والأصل، لم تكن فكرة الكناية والاستعارة حاضرتين في عقلي الصغير، وكنت أتساءل لماذا يسمّي الآخرون مساقط رؤوسهم الأخرى بالديرة أيضًا، ولماذا يوجد في الرياض -حيث نشأتي- حيّ اسمه الديرة!

مجلس تقليدي في منزلٍ عريق، تروي تفاصيله لحظاتٍ جميلة مزدانة بمصنوعات يدوية متقنة. جزء من معرض متحف إثراء "في مديح الفنان الحرفي". تصوير: أحمد الثاني.

لكن المفردات تسرّبت إلى داخلي مع الزمن والتعلّم الحثيث، وأدركت أنّ الديرة تأتي في معانٍ متعدّدة، ليس البيت إلّا أحدها، فكلّ ما استدارت عليه الرمال يمكن أن يكون دارًا، وعند فقهاء المسلمين تكون الدار دارًا عندما يدار عليها الجدار، وفي تعدّد الدور المترابطة نسبًا ومصاهرة وجد عرب الجزيرة مصطلحهم الدارج في الدلالة على هذا المكان بذلك، بينما استخدم أهل الخليج هذا المصطلح في رحلاتهم البرّية دلالة على بوصلة الاتجاه. 
 

يحمل كل ركنٍ من المنزل حكاية، وتنبض كل زاوية بذكرى متجذّرة في أعماقنا. المجلس التقليدي الدمشقي. جزء من معرض متحف إثراء "في مديح الفنان الحرفي". تصوير: أحمد الثاني. 

يمتلك البيت عبقه الثقافي والفكري - من علاقة لصيقة - بقدرة الانفتاح من الداخل إلى الخارج، وكيف يمكن للذاكرة التي تتشكّل في فضاء الجدران المحيطة، أن تمتلك القدرة على التوسّع في الفضاء الخارجي، حيث يتفاعل الإنسان مع مجتمع أكبر، ودائرة أوسع من المعارف، حتى وإن امتلك البيت مكتبته الخاصة، أو عقوله المفكّرة. فالبيت لا يستمدّ رسوخه من مادّته الصامتة، بل بما يستمدّه من الحدث الذي يتفاعل بداخله.

ويحتلّ البيت مكانه الأثير في روايات مهمّة في السياق العربي، فرجاء عالم منحته البطولة المطلقة في "سيدي وحدانه"، على الرغم من أنّ الأشخاص فاعلون، لكن السطح كان هو المسرى والمعراج إلى عالم أوسع من خلال مران صوفيّ خلاق، ما يتيح للزمن أن يتحرّك حرًّا، وللمكان أن يصبح طيفًا.

أمّا في رواية "حجرة" لأمل الفاران، فإنّنا نقتنص لحظات مهمّة من الأحداث التي يموج بها بيت مريم - المصابة باضطراب نفسي - حتى إنّه لا يمكننا القبض عليه مطلقًا. ومريم تُراقبها ابنة أختها تلكَ التي لا نعرف اسمها، لكنّنا نعرف ما تراه، وما تهذي به مريم، وهو كافٍ على الرغم من معرفة القراء الذين قرأوا للفاران، أسلوبها المنمنم في السرد، فيجعلنا ندرك أنّ أبعاد الحكاية أوسع من البيت الصغير الذي تسكنه الشخصية الرئيسية.

مجلس تقليدي في منزلٍ عريق، تروي تفاصيله لحظاتٍ جميلة مزدانة بحرف يدوية متقنة. جزء من معرض متحف إثراء "في مديح الفنان الحرفي". تصوير: أحمد الثاني.

وعلى منوال آخر يعمل أحمد الحقيل في مجموعته القصصية "بيت"، إذ يتعامل مع الذاكرة التي تتشكّل في غرف المنزل، وتلحّ كالصداع، ويتحوّل معها البيت في سياق أوسع إلى طلل شبيه بطلل شعراء المعلّقات، حيث الذاكرة تفعل فعلها الخارجي أكثر من التأكيد على داخل البيت وتفاصيله الفيزيائية، ما يجعل مفهوم البيت في سياقه الفلسفي العربي، متخلّصًا من ابتذال الحنين، أو أوصاف النوستالجيا المستوردة من الثقافة الغربية، وتشكيلاتها الحديثة في الفضاء الخطي، أو اشتغالات أكثر عمقًا كما يفعل جورج بيريك في "فصائل الفضاءات" أو "الأشياء"، التي يتحرّك فيها من حيث منح المكان قيمته الخاصة، خروجًا عن الامتلاك البشري، وما يقابله من مادّية مطلقة كانت نتيجة للتغييرات الهائلة التي طالت الغرب بعد الحرب العالمية الثانية.

البيت وإن كان مسقط الرأس، ومحلّ النشأة، يكبر مع الزمن، كلما ابتعدنا عنه للعمل أو الانتقال الجبري الذي لا محالة منه، لكنّه يظلّ محفورًا في الذاكرة، مثل مفتاح بيت المُهجّر الذي يقبض عليه عند قلبه، منتظرًا لحظة العودة القريبة، القريبة جدًّا.

 

طارق الخواجي كاتب ومستشار ثقافي للبرامج في مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء).

 

مجلس تقليدي في منزلٍ عريق، تروي تفاصيله لحظاتٍ مزدانة بحرف يدوية متقنة. جزء من معرض متحف إثراء "في مديح الفنان الحرفي". تصوير: أحمد الثاني. 
إعادة تعيين الألوان