تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

دروس من الأجداد

كاتب عمود ضيف

دروس من الأجداد

دروس من الأجداد

فن القهوة لريم السعدون

بقلم
ريم السعدون

10 دقائق للقراءة

February 20, 2022

بعد سنوات طويلة، وبعد أن كبرت، أتذكر أيامي الخوالي عندما كنت ألعب في الحديقة مع أبناء عمومتي في منزل جدي الكبير، وأشاهد من هم أكبر منا سناً وهم يخوضون في نقاشات عميقة حول فنجان من القهوة التركية. 
ثم يحين وقت غروب الشمس ويتفرق الكبار والأطفال، ولم يبقَ شيء في فنجان القهوة باستثناء رواسب القهوة السميكة التي تشبه القطران (شكلاً وليس طعماً)، ثم لاحظت جدتي وهي تفرغ بقايا القهوة التركية بالمياه الزائدة من المطبخ ثم ترشها لاحقاً على التربة المحيطة بالنباتات العديدة التي كانت تتكون منها حديقتها.
بعد سنوات،  كنت أشهد نفس الفعل في منزلي، حيث كانت والدتي تروي نباتاتها بلطف وترش بقايا فناجين القهوة المخففة بالماء وفي هذه المرة، قررت أن أسأل والدتي بإلحاح لكي أعرف الإجابة.

وأوضحت لي أن هذه عادة تراثية قديمة تأثرت بها حيث نشأت وهي تراقب والدتها التي وجدتها قبلها تقوم بذلك، وأن ما نعتبره "النفايات اليوم" في الواقع هي مواد غنية بالعناصر الغذائية التي تسمح للنباتات بالنمو.

وبعد مزيداً من البحث والتحقيق، اكتشفت أن هذا صحيح بالفعل؛ لا تحتوي القهوة المطحونة فقط على النيتروجين والكالسيوم والبوتاسيوم والحديد والعديد من المعادن الأساسية الضرورية لنمو النبات فحسب، ولكنها أيضاً  تكون مضادة للعديد من الآفات والحشرات الضارة الأخرى، ودفعني هذا التفاعل البسيط إلى التفكير في العديد من العادات التي تعزز العمل من أجل الاستدامة، والتي انتقلت إلينا وتعلمناها وورثناها عن أجدادنا.

منذ بزوغ فجر الأنثروبوسين، طوّر البشر فهماً وثيقاً لبيئتهم، وعملوا على استدامة الحياة من أجل البقاء والازدهار وحتى العودة إلى البيئة، وبالتالي خلق نظام بيئي صحي ومترابط، ومع ذلك، فقد زادت نسبة انبعاثات الكربون إلى مرة ونصف مما زاد من تركيز ثاني أكسيد الكربون في مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وإن زيادة مستويات غاز "ثاني أكسيد الكربون" لها آثار كبيرة على بيئتنا، مما يتسبب في زيادة معدل درجات حرارة سطح الكرة الأرضية الذي يؤدي إلى فقدان التنوع البيولوجي، وارتفاع مستويات سطح البحر، وزيادة تواتر موجات الحرارة وغيرها من المشكلات والكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ.
 

ولذلك كانت الجهود الدولية التي تهدف للحد من هذا الخطر تتطور بأسلوب كبير،  ففي عام 2015  اجتمعت أكثر من 195 دولة للتوقيع على اتفاقية "باريس" ، وهي معاهدة دولية بشأن تغير المناخ للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية ومحاولة الوصول إلى "صفر" بحلول عام 2050. وتهدف هذه الاتفاقية إلى الحد من انبعاثات "الكربون" من خلال دعم التقنيات والسياسات التي تعزز الممارسات العملية الهادفة إلى المستدامة في سياق اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) حيث يتم تعريف الاستدامة على أنها تلبية احتياجاتنا الحالية (البيئية والاجتماعية والاقتصادية) دون المساس بوصول الأجيال القادمة إلى الموارد الطبيعية.

وفي نفس السياق، فإن هناك العديد من البلدان والمنظمات قد طورت تقنيات وأبحاث مثل احتجاز الكربون وتخزينه وأدخلت سياسات تعزز تجارة الكربون والأسواق للحد من الانبعاثات، وقد لاحظت مجتمعات السكان الأصليين منذ فترة طويلة ممارسات الاستدامة التي تتماشى مع أهداف التنمية المستدامة.
ومن بين تلك الدول المهتمة بالحفاظ على البيئة المملكة العربية السعودية التي تعد موطناً للعديد من المناطق البيئية البرية والبيئة الصحراوية القاحلة في المنطقة الوسطى من المملكة، ومناطق السافانا الجنوبية الغربية، إلى الحياة البحرية الغنية في البحر الأحمر. ومنذ ألف عام، اعتمد السكان المحليون على العيش في البيئة المحيطة بهم حتى في أقسى وأصعب الظروف المناخية. 
وبالنظر إلى المنطقة الشرقية في "الأحساء" فهي تعتبر موطناً لأشجار النخيل وواحة كبرى لنخيل التمر، وقد وجد السكان المحليون العديد من الاستخدامات والتطبيقات لأشجار النخيل بخلاف جني ثمار التمر الذي يعد كغذاء طبيعي لهم. ويستخدم التمر أيضاً للأغراض الطبية لعلاج اضطرابات الجهاز الهضمي، بينما يستخدم حبوب اللقاح أيضاً للمكملات الغذائية وعلاجات العقم. يتم تدوير بذور التمر لإنتاج علف للماشية، ويتم استخدام الخشب من النخيل وأوراقها في بناء المحامل الشراعية التراثية وقوارب الصيد، وصناعة سقوف المنزل من (الدعون)، وحتى في السلال والسجاد.

بالإضافة إلى ذلك، تُصنع أغلفة الأوراق من أشجار النخيل كذلك الملابس والحبال. فوجد السكان المحليون، فوائد عديدة من شجرة نخيل واحدة وطرقاً عديدة للعيش على أشجار النخيل دون المساومة عليها. لطالما اعتبر السكان المحليون أشجار القرم، وهي سمة من سمات شواطئ المنطقة الشرقية (حيث يتغذى نبات القرم على المياه المالحة) يحافظون عليها لحماية الخط الساحلي من التدهور وللاستفادة من المنتجات السمكية الوفيرة الموجودة في أنظمتهم البيئية. 
وبالنظر إلى المنطقة الغربية من المملكة، تعتبر مدرجات البستنة (نباتات المدرجات) سمة مشتركة للجبال الغربية التي شكّلها المزارعون من أطراف الجبال لآلاف السنين. على الرغم من أن فكرة زراعة المدرجات قديمة إلا أنها تساعد في الواقع في الحفاظ على التربة وتحسين جمع المياه المترسبة وقد أثبتت في بعض الأحيان أنها أكثر فاعلية من بعض الممارسات الزراعية الحديثة. في العقود الأخيرة، أصبحت ممارسة زراعة المدرجات أكثر ندرة بسبب زيادة التحضر. مع ذلك، تم تطوير العديد من البرامج لتنشيط هذه الممارسة. من خلال استكشاف العلاقة بين كبار السن لدينا وبين بيئتهم وممارساتهم اليومية، نتعلم أن العيش بشكل مستدام يعني العيش في وئام مع الطبيعة والاهتمام والتعاون مع بيئتنا.

واليوم فإن العالم يواجه تحديات بيئية كبيرة، بينما يؤكد العلم الحاجة إلى التدخل العالمي، بالإضافة إلى السياسة الحالية والتطورات التكنولوجية، ربما يكون الحل أيضاً هو النظر إلى الداخل والاستفادة من المعرفة التي تم نقلها إلينا من كبار السن ومن أجدادنا وأسلافنا حول الحياة المستدامة التي تم شحذها عبر الأجيال في انسجام مع البيئة، فهذا يمكن أن يلعب دوراً في دمج العادات والتقاليد الأصيلة والتراث ويكون له تأثيراً إيجابياً في عمليات الحد من الانبعاثات الكربونية ومن أجل العمل المناخي دوراً مهماً في مواجهة التحديات مثل انعدام الأمن الغذائي، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتحسين جودة إدارة الموارد الطبيعية.

دروس من الأجداد: ما الذي نتعلمه من عاداتنا وتراثنا حول الاستدامة بقلم ريم السعدون، رئيس تحرير مجلة ساند روز