تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

استدامة البيئة تشحذ الهمم بالتناغم والإنصات

ملف العدد

استدامة البيئة تشحذ الهمم بالتناغم والإنصات

استدامة البيئة تشحذ الهمم بالتناغم والإنصات

"بدون عنوان" لمحمد الغامدي. 2014 . خامات مختلفة على خشب سم 70x180 . بإذن من الفنان وغاليري حافظ.

بقلم
رحمة ذياب

10 دقائق للقراءة

February 20, 2022

استدامة البيئة تشحذ الهمم بالتناغم والإنصات بعد مرحلة انغلاق الإنسان على ذاته ونسيانه خط الزمن الذي التحق به حين ولادته.

يسلّط عددنا الـ 15 من مجلة "إثرائيات" الضوء على "استدامة البيئة وإعادة التدوير"، بوصفها سلوك حضاري ثقافي يسهم في الحد من الاستهلاك واستنزاف الثروات ويعزز من المشهد الثقافي بطابع فنّي، حيث يستفيض أستاذ الأصول الفلسفية للتربية بجامعة الملك سعود ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة في المملكة العربية السعودية، ومؤلف كتاب فلسفة الآخرية الدكتور عبد الله المطيري،

في الحديث عن عناصر البيئة من منظور فلسفي، متكئًا على مقاييس تعايش بها الإنسان والبيئة، قياسًا بالاتصال الأخلاقي البيئي، الذي يتجاوز أهداف الاستمتاع الجمالي لدى البشر، لا سيما أن التدوير ما هو إلا وفاء للبيئة، ولا يتجسّد بالمؤثرات البصرية، بقدر الإنصات الذي من نوافذه تسطع إعادة التدوير لمواد لم نتوقع رؤيتها من جديد.

عرفنا أكثر عن ماهيّة الاستدامة، وكيف يمكن تحويلها من منطلق بيئي لهدف فنّي؟

الاستدامة هي بقاء الأمور على ما هي عليه لأطول مدة ممكنة، في السابق كانت الطبيعة تعتني بهذه المهمة من خلال دائرة التحولات التي تحافظ على استقرار النظام الطبيعي نسبيّا. لكن الذي حدث هو أن قوّة الإنسان الحديث فاقت معايير المعادلة السابقة وأصبح من الضروري أن يقرر الإنسان العمل على استدامة البيئة التي هو جزء منها. داخل هذا القرار ولدت إمكانية الهدف الفني باعتبار أن الإنسان كائن جمالي يسعى لإحاطة ذاته بالأشياء بعد تعديلها بطريقة تتسق مع حسه الجمالي. أعلم أن الهدف الفني يعطي الإنسان دافع أكبر للاستدامة، ولكن المنطلق البيئي أعمق وأكثر صدقا وأقل أنانية. الاستدامة اتصال أخلاقي بالبيئة يتجاوز أهداف الاستمتاع الجمالي عند الإنسان. 

المؤثرات البصرية باتت الوسيلة الأقرب لجذب العامة، كيف يمكن لإعادة التدوير تحقيق المطلب؟

برأيي أن إعادة التدوير تنطوي على شعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الطبيعة وتجاه الأجيال القادمة. لا أعتقد أننا نحتاج أن نجذب الناس بقدر ما أن نلفت اهتمامهم إلى علاقتهم الأساسية مع أمهم الطبيعة. إعادة التدوير بهذا المعنى شكل من أشكال الوفاء لأمّنا التي انفصلنا عنها كثيراً، شخصيا لا أراهن على المؤثرات البصرية بقدر مراهنتي على الإنصات الذي يتحقق في عملية التدوير.
 

هناك ربط بين الجانب الثقافي الفنّي واستدامة البيئة، كيف يمكن تعزيز الجانبين عبر مشاريع ثقافية هادفة؟
 

أعتقد أن هناك مساحة كبيرة للعمل الثقافي هنا. لا ننس أن الثقافة في اللغة الفرنسية والإنجليزية تتقاطع مع الزراعة والزراعة اتصال أولي مع الأرض. هناك مساحة لمناقشة علاقة الإنسان بالطبيعة والمدارس الفلسفية المعاصرة التي جعلت من العلاقة مع الطبيعة مرتكزا أساسيا لها. ربما قد يكون أفضل ما نعمله ثقافيا هو أن نستعيد الاتصال بالطبيعة، أن تكون أنشطتنا في الهواء الطلق، أن نعمل سويّا في سقيا الأشجار والعناية بها، أن نلمس التراب ونتثاقف دون أن نشعر بالتناقض. 
 

من منظور فلسفي، بما أن الفلسفة انعكاس للذات، كيف يمكن أن تصبح الاستدامة البيئية الأقرب إلى الذات والآخر؟

فلسفة الذات شكل من أشكال الانفصال عن الطبيعة، وبالتالي فالفلسفة المتصلة بروح الاستدامة هي فلسفة الآخرية التي تنطلق من استقبال الآخر والترحيب به، تنطلق من فتح الذات بدلا من إغلاقها بالاندفاع للخارج والهيمنة عليه. الاستدامة البيئية بهذا المعنى تحدٍ لمنطق الأنانية والتمحور حول الذات، ومحاولة للاتصال بالطبيعة ليس من منظور رغباتنا واحتياجاتنا ولكن الاتصال بها من خارج هذا كله. 

هل ستتمكن الفلسفة بطابع بيئي من حل أزمات اجتماعية، عبر التواصل مع الآخر والوصول إلى منتجات ثقافية فنّية؟

فلسفة البيئة تساعد على إعادة الاعتبار الأخلاقي لعلاقة الإنسان بالطبيعة وبالتالي كل ما ينتج عن تلك العلاقة من أفعال ومواقف والتزامات وتعبيرات جمالية وفنيّة. فلسفة البيئة قد تساعدنا على طبيعة العلاقات التي تعبْر عنها الأعمال الفنيّة ومنها العلاقة مع البيئة. كيف تم تصوير الأرض والأشجار والماء والظمأ والقحط والمطر.. الخ. الأزمات الاجتماعية قد تجد متنفسّا جديداً من خلال استعادة العلاقات الأساسية في حياة الإنسان. العلاقة بالطبيعة ليست علاقة ثانوية أو هامشية بل أوّلية وربما تسبق كل علاقة، الطبيعة سابقة على وجود الذات. قد يكون تذكّر هذا الأمر والتأمل فيه مخرجاً للعلاقات الاجتماعية المسدودة بانغلاق الإنسان على ذاته ونسيانه خط الزمن الذي التحق به حين ولادته، نحتاج إلى استعادة حالة التناغم مع الطبيعة بعد أصبح وجودنا معها عزفاً منفرداً في أحسن أحواله.