الباب وما خلفه
وصية الوارث، 2023، بإذن من الفنانة ميساء شلدان
ميساء شلدان فنانة تشكيلية سعودية من أصول فلسطينية حائزة على منحة مسك لعام 2023، تحاول من خلال أعمالها الفنّية التعبير عن عمق الزمن، وتأثيراته النفسية والفلسفية. تتجسّد مواضيعها في استكشاف الموروث الثقافي والذاكرة المجتمعية، والتأثيرات البشرية والبيئية فيها. درست شلدان العلوم الإسلامية والماجستير في علم الإرشاد النفسي التربوي، كما عملت مستشارة تربوية وأسرية.
عندما تلقي نظرة على مشروعاتها الفنّية، وهي تحوّل القطع الحديدة الصدِئة وصفائح الخردة إلى أعمالٍ فنّية، ستجد نفسك في عالم من التركيبات التجريبية، حيث تنسج ميساء خيوط التجارب الحسية ببراعة عبر قطع معدنية مترابطة تمثّل النسيج الاجتماعي اللانهائي.
في حديثٍ شائق مع مجلة إثرائيات تصف ميساء بأنّ حبّها للفنّ بدأ منذ عمر صغير، حيث كانت تمارس الفنّ بطريقتها الخاصة والمختلفة عن أقرانها، وعلى الرغم من دراستها وعملها مستشارة تربوية وأسرية إلّا أنّها لم تفقد شغفها بالفنّ حيث تقول: "في الواقع لم يتركني شغفي بالفنون حتى قرّرت أن أقود هوايتي من ممارسة هاوية إلى احتراف ومعرفة والتزام، فدرست برنامج دبلوم الفنون البصرية من جامعة بكسهل عام 2015، والذي كان يقوم عليه حينها معهد الفنون والمهارات في الرياض. وكان قرارًا عظيمًا أهديته لنفسي في عمر الأربعين، أن أتوقّف قليلًا عن مهنتي مستشارة تربوية وتعليمية، وأدرس الفنّ، بذلك أظنّ أنّي أعطيت نفسي حقّها"

الفنانة ميساء شلدان


باب الخير، عمل مستلهم من مدينة الغردقة في مصر، بإذن من الفنانة ميساء شلدان.
تؤمن ميساء بأنّ الفنّ لا يمثّل جزءًا من حياتها، بل هو كلّ حياتها وأسلوب تفكيرها.. كما يمدّها بالإجابات على أسئلتها من خلال التأمّل. تقول:" الفنّ هو طريقتي لفهم من أكون، ولفهم العالم من حولي، هو النفَس الذي يدعم وجودي، والوقود الذي يشعل مخيلتي، فالفنّ يسمح لي بالتجربة والاستكشاف، ويسمح لي بالتعمّق في دهاليز هويتي، واستكشاف جوانب مختلفة من كياني، بل إنّه يتشابك مع حياتي بأكثر من طريقة، فأنا أبحث باستمرار عن طرق جديدة لتوسيع مداركي وآفاقي الفنّية، وأن أتعلّم وأنمو فنانة، أنا ممتنّة إلى الأبد لهبة الفنّ وتأثيرها العميق في حياتي".
وعلى الرغم من ضغوط الحياة إلّا أنّ الفنّ ينفض عن النفس غبار الحياة اليومية، ويجدّدها، لتصبح قادرة على تحمّل يوم جديد. تقول ميساء: "الفنّ قادر على التعبير عن المشاعر المعقّدة لدى الفرد، والتي يشعر بها، ولا يستطيع التعبير عنها، ممّا يعتبر منفذًا للتنفيس، ويمكن من خلاله أن يكتشف الشخص عالمه الداخلي مع اكتساب نظرة ثاقبة لأفكاره وعواطفه".
تتمتّع ميساء بأسلوبها الفنّي المبتكر إذ تستخدم وسائط فنّية غير تقليدية مثل المعادن والورق المُعدّ يدويًّا والجبس، والألوان الطبيعية، لما تعكسه هذه الموادّ من جماليات الأرض والطبيعة. وتصف اختيارها لهذه الموادّ بقولها: "هي أدوات أصيلة، وجِدَت في الأرض، أو أتت من رحمها، وتعود بي إلى اللحظة التي بدأ فيها الإنسان بالتعرّف على الأرض، والتأقلم معها متتبعًا تعايشه وتطوره الدائم والمستمرّ. أتعمّق في تحليل أصول هذه الموادّ والخامات بتفكيكها وتركيبها وإعادة بنائها وتأطيرها، من أجل عرض مفهوم آخر لها، وأستخدمها كرمزية لتعزيز هويتي السعودية، وأصولي الفلسطينية. والرمزيات التي تكوّن أعمالي مثل الصدأ والأشكال الهندسية والمسمار والحلقة والصور الذهنية المركّبة، جميعها تتحدّث عن الأصالة في الفكر الإنساني والموروث والأثر".
وأضافت: "كلّ أعمالي أقدّمها للمتلقّي في تفسير الحالات البينية للمفاهيم والأحداث والأشياء، كتفسير الحالة أو المنطقة بين نعم ولا. بين الباب وما خلفه، بين الحلم والأمل، بين الحلم واليقظة، بين الصلابة والمرونة، بين المحسوس وغير الموجود، بين المدرك واللا مدرك، بين الثبات والحركة، بين القديم والحديث، بين المكتسب والموروث، أو بين كلّ ما مضى وكلّ ما هو آت".

وصية الوارث، 2023، بإذن من الفنانة ميساء شلدان.


وصية الوارث، 2023، بإذن من الفنانة ميساء شلدان.

يأتي عمل (وصية الوارث) التركيبي المشارك في معرض منحة مسك 2023، محاولة لفهم المعاني الموجودة خلف الزخارف والنقوش التي تزيّن مجالس البيوت الطينية القديمة في المملكة العربية السعودية. استخدمت ميساء شلدان في هذا العمل قطعًا مترابطة ومرنة من الحديد المؤكسد، تميّزت هذه القطع بنقوش وزخارف تقليدية، وفي إشارة لأهمّية هذه النقوش تقول ميساء: "النقوش والزخارف الجصية هي إضافة فنّية تمّ استخدامها لفترة طويلة من الزمن، وذلك من أجل تخليد التقاليد المحلية ونقلها. يُمكن تشبيه هذه النقوش والزخارف باللغة، لكنّها لغة بدون كلمات. تزيّن الزخرفة الجصية مجالس الرجال ودور القهوة، كاشفةً عن الروايات الغنية والرمزية الثقافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، ممّا يجعلها جسرًا من التقاليد والتراث الحضاري بين الماضي والحاضر".
ويأتي هذا العمل كوصية للحفاظ على التراث والثروة الموروثة من العادات والتقاليد، التي تصِل إلى المتلقّي وهو يمشي خلال العمل.
وعن فكرة العمل أشارت شلدان أنّه ومن خلال عملها على رحلة البحث لهذا المشروع، لاحظت بأنّ الأجداد قاموا بصناعة منحوتات ثنائية الأبعاد، مستوحاة من الزخرفة النباتية، والخطّ العربي، والأشكال الهندسية، وابتعدوا عن صناعة المنحوتات الثلاثية الأبعاد، والتي نجدها في الثقافة الإغريقية واليونانية، وتحتوي على نحت لجسد الإنسان أو الحيوان، لأنّها منحوتات محكوم عليها بالإدانة والحرمانية حسب مرجعهم الديني، وبذلك اختاروا ما يتناسب مع معتقداتهم الدينية، وكأنّهم يتركون وصيتهم لنا بأن نأخذ من التطور ما يناسبنا ويلائمنا فكرًا ومعتقدًا، وما يُعزّز من هويتنا.
موضوع الباب كرمز أو رمزية كان قريبًا من أسلوب الفنانة الفريد، إذ تتضمّن أغلب أعمالها على أثر الباب، سواء بشكل واضح أو مستتر، وتحديدًا في تلاعبها بالشفافيات والظلال، وتفسير حالة البين وبين، وكلّ هذا يصبّ بشكلٍ ما في مفهوم الباب المفتوح، وما خلفه.
وعن عملها الفنّي (شرنقة) تقول ميساء: "صنعت هذه الشرنقة من ليف النخل، وتركتها كتجربة تفاعلية متعدّدة الحواس للمتلقّي، حيث يستطيع الدخول فيها والتأمّل قليلًا، أو لنقل أن يختبئ بداخلها، مثل فكرة الاختباء في رحم الأرض. وسيلة يستحدث بها لحظة البداية، يعود خلالها إلى ذاته الإنسانية مبتعدًا قليلًا عن صخب المدينة، والسرعة التي أصبحنا محكومين بها اليوم. واخترت الشرنقة تحديدًا، ففي داخلها تحدث أعظم التحولات الكونية الواضحة والصريحة، فالدودة تدخل، وهي زاحفة لتخرج من باب الشرنقة أجمل وأرق مخلوق طائر مليء بألوان البهجة. فتجربة دخول الشرنقة تُعطيك إحساس أنّك ترتدي الأرض، وهذه الأرض تحتضنك، فتخرج منها تشعر بمشاعر مختلفة عن تلك التي كانت قبل التجربة، أو لنقل بشكلٍ آخر"
كما تعكس بأعمالها موضوع العدد فتقول: "كان لعملي الفنّي هذا باب يفتح، ويغلق على كلّ من دخل فيه".


شرنقة، بإذن من الفنانة ميساء شلدان.


