ألحان من أمان
'تهويدة'، للفنان ألوار كاوِن. 1921. بإذن من المعرض الوطني الفنلندي.
حين يأتي الليل، وتظلم الدنيا تبدأ الأمّهات حول العالم بدندنة التهويدات لأبنائهنّ، فبعد يوم طويل، ترنيمة حنونة بصوت دافئ هو كلّ ما تحتاج إليه الأمّ وطفلها.
وللتهويدة أثر عميق؛ فهي ليست مجرد لحن يحفظه الطفل ليردّده يومًا ما لابنه، إنما هي رابطة روحية بين الأم وطفلها، وملاذ نفسي يُطمئنه قبل أن تكون وسيلة للنوم. منها ما هو متوارث ومعروف، ومنها ما يولد في اللحظة، تصوغه الأم بعفويتها ومحبتها.
فالأمّ وعلى الرغم من نفاذ طاقتها في نهاية اليوم، تصبح مؤلّفة فنانة في انتقاء الكلمات في سبيل أن يهدأ طفلها باندماجه في اللحن والأغنية، وأخيرًا الهدف المبتغى النوم.
نشرت إثرائيات في عدد سابق مقال: التهويدة.. أغنيات من حنان، ونواصل في عددنا هذا الإصغاء إلى التهويدات، ونستكمل في هذا العدد استعراض تهويدات من ثقافاتٍ متنوعة حول العالم.
ومهما اختلفت اللغات واللهجات، تبقى التهويدات متشابهة إلى حد ما في أغلب البلدان؛ فالنجوم والقمر، وأدعية تحصين الأطفال مذكورة عند الغالبية، وبعض التهويدات كالروسية مثلًا، لها طابع مخيف ومرعب:
نمْ، يا صغيري، نمْ بهدوء
لا تنمْ على طرفِ الفراش.. قد يأتي ذئبٌ صغيرٌ رمادي، ويأخذُك بعيدًا للغابة
تحتَ شجيرةٍ صغيرة
نمْ، يا صغيري، نمْ بهدوء
بينما التهويدة الصينية على العكس من ذلك تمامًا، ففيها دعوة للسكون وطمأنة الطفل:
القمرُ ساطع، والريحُ هادئة
أوراقُ الشجرِ تتدلّى فوقَ النافذة
يا صغيري، نمْ سريعًا،
نمْ، واحلمْ أحلامًا سعيدة
القمرُ ساطع، والريحُ هادئة
المهدُ يتحرّكُ برفق
يا صغيري، أغمضْ عينيك
نمْ، نمْ، واحلمْ أحلامًا سعيدة
هنا نستعرض الإيطالية التي ذكرتني بـ (دوها يادوها) الخليجية في تدرّجها بالكلام:
نجمةٌ صغيرة، نجمةٌ صغيرة، الليلُ يقترب،
اللهبُ يرفرف، البقرةُ في الإسطبل. البقرةُ والعجل،
الغنمُ والحمل، الدجاجةُ مع الصيصان، القطةُ مع القططِ الصغيرة،
والجميعُ يذهبُ للنوم، والجميعُ يذهبُ للنوم في قلبِ ماما
ولا ننسى الأغنية العربية الشهيرة التي غنّاها المصري محمد فوزي، وتستخدم من البعض كتهويدة، وفيها كثير من البهجة، وتغنّى باللهجة المصرية:
ماما زمانها جايه
جايه بعد شويه
جايبه ألعاب وحاجات
جايبه معاها شنطه
فيها بطة ووزه
بتقول: واك واك واك واك
وفي الختام تبقى التهويدات، مهما اختلفت كلماتها، هي أول لحن عذب ينساب في أعماقنا، ويردّده الأبناء جيلًا بعد جيل.

'أم وطفلها'، للفنان كريستيان كروغ. 1883. بإذن من المتحف الوطني للفن والعمارة والتصميم.


