إيكولوجيات التكييف: التبريد، التحكّم، والحياة غير المقصودة للماء
'خلل فنّي.' سعيد قمحاوي. 2024. تصوير آريا النومي والصورة بإذن من الفنان.
في عصرٍ يتسم بتسارع الاضطراب المناخي، تتجه الممارسات الفنّية بشكل متزايد نحو هذا الاختلال بوصفه حالةً ينبغي دراستها وفهمها. ننظر هنا إلى عملين تركيبيين معاصرين: "خلل فني" لقمحاوي، و"مكان منسي" لشونو.
عبر كلا العملين، يتحول جهاز التكييف، وهو أكثر الأجهزة التكنولوجية تحديدًا للحياة المعاصرة في المناطق الصحراوية الحارة، من عنصر وظيفي بحت إلى بطل مفاهيمي. في هذه الأعمال، لم يعد التكييف نظامًا محايدًا للراحة، بل أصبح مولّدًا لسرديات بيئية غير مقصودة. سواء أكان من خلال العطل أم النواتج الجانبية، يبرز الماء كعامل مركزي: يتجمّد إلى جليد غير مستقر في حالة، ويغذّي حياة نباتية هشّة في حالة أخرى. معًا تصوغ هذه الممارسات ما يسميه شونو "إيكولوجيات التكييف"، حيث تتحول بقايا تقنيات التبريد (المكثفات، الرطوبة الزائدة، الاختلال الحراري) إلى مواقع لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالمناخ، والبنية التحتية والحياة غير البشرية. لا ينشغل الفنانون هنا بعروض بيئية كبرى، بل بعمليات دقيقة وغالبًا مهملة: التنقيط، التجمّد، التسرّب. ومن خلال ذلك، يعيدون تموضع الفنّ البيئي بوصفه استقصاءً لأنظمة قائمة بالفعل، كاشفين كيف يمكن استخراج المعنى الإيكولوجي من هوامش الوظيفة التكنولوجية اليومية.

'خلل فني.' سعيد قمحاوي. 2024. تصوير آريا النومي والصورة بإذن من الفنان.
يقدّم قمحاوي في سلسلة "خلل فنّي" تجربة فنّية تقف عند تقاطع البحث البيئي، والتفاعل الحسّي، والممارسة التشكيلية، حيث يتخذ الماء موقعًا محوريًّا تُستكشف من خلاله أسئلة الذاكرة والندرة والإلحاح البيئي. وفي إطار أوسع لفنّ البيئة، يظهر الماء بوصفه حضورًا وغيابًا في آن، عنصرًا يصوغ الطبيعة والإنسان والتاريخ. يتكوّن العمل من ألواح تبريد من الألمنيوم، وأنابيب صناعية مثبتة على هيكل فولاذي، في محاكاة لتأثير التجمّد الناتج عن خلل في نظام تكييف الهواء، غير أنّ هذا المظهر التقني يخفي تأمّلًا عميقًا في اضطرابات المناخ، والتدخّل البشري، وهشاشة الدورات التي تنظّم الأنظمة الطبيعية.

'خلل فني.' سعيد قمحاوي. 2024. تصوير آريا النومي والصورة بإذن من الفنان.

'خلل فنّي.' سعيد قمحاوي. 2024. تصوير آريا النومي والصورة بإذن من الفنان.
في قلب العمل مفارقة لافتة: آلة صُمّمت لتنظيم الحرارة تتحول إلى مصدر لإنتاج الجليد بصورة غير مستقرّة وغير مألوفة. يتحول هذا "الخلل" إلى استعارة ومنهج في آن واحد، كما يعبّر عن ذلك بقوله: "الخلل الفنّي يتحول إلى استعارة لاختلال التوازن البيئي".
كما يفقد النظام المعطوب وظيفته الأساسية، تبدو أنظمة المناخ العالمية، المثقلة بالتلوّث والاستهلاك المفرط، وقد دخلت حالة من اللايقين. من هذا المنظور، يُعاد فهم ذوبان الجليد القطبي، وارتفاع مستويات البحار، والظواهر الجوية المتطرّفة بوصفها أعراضًا لخلل كوكبي أوسع تقوده الأنشطة البشرية.
يظهر الماء في العمل في حالة تحوّل دائم؛ يتجمّد، ويذوب، ويقطر، ثمّ يعاود التجمّد، في دورة زمنية مستمرّة. تبرز هذه التحولات مقاومته للسيطرة، إذ يفلت من الإطار الصناعي الصارم الذي يسعى إلى احتوائه، مؤكّدًا حضوره عبر الحركة والتغيّر. ويعكس هذا التوتّر بين الاحتواء والسيولة إشكاليات بيئية معاصرة، حيث تحاول الأنظمة التكنولوجية إدارة الموارد الطبيعية، لكنّها كثيرًا ما تسهم في استنزافها، أو تشويهها.
أمّا البعد الحسّي فيشكّل عنصرًا أساسيًّا في تجربة "خلل فني". فالعمل لا يقتصر على البعد البصري، بل يمتدّ إلى السمعي، حيث تسمع صوت قطرات الماء بهدوء داخل الفضاء. يمنح هذا الإيقاع المنتظم العمل بعدًا زمنيًّا، كأنّه نبض بيئي يقيس مرور الوقت، ويستحضر معاني الندرة والهشاشة والفقد.
يرتبط تعامل قمحاوي مع الماء أيضًا ببعد شخصي وتاريخي، فقد استلهم العمل جزئيًّا من افتتان ابنته بالثلج، وهي صورة تحمل في سياق المملكة العربية السعودية قدرًا من الدهشة والتباين. فالثلج، الذي كان نادرًا في المنطقة، بات أكثر حضورًا مع التحولات المناخية، ما يفتح باب التأمّل في التغير البيئي، وتأثيره في الأجيال القادمة. ويتعمّق هذا البعد عبر استحضار الذاكرة التاريخية لشبه الجزيرة العربية بوصفها أرضًا خضراء في الماضي، وهو ما تدعمه شواهد بيئية وأثرية، ليغدو الماء رمزًا يجمع بين الفقد والاستمرارية، كما يعبّر قمحاوي: "الماء يجمع بين الفقد والاستمرارية، بين ما كان، وما قد يكون".
ينهل العمل من تقارير بيئية ووثائقيات ونقاشات مناخية عالمية، ما يمنحه وعيًا نقديًّا بالقضايا المعاصرة، دون أن يقدّم إجابات مباشرة. يظلّ "خلل فني" مفتوحًا على التأويل، كما يشير الفنان: "العمل مفتوح للتأويل، داعيًا لإعادة التفكير في علاقتنا بالطبيعة".
كما يتردّد صدى العمل مع تاريخ العيش في المنطقة، حيث ارتبطت الحركة والبقاء بالسعي وراء الماء. تعزّز قصص قمحاوي العائلية، عن التنقل بحثًا عن هذا المورد الحيوي، حضور العمل في ذاكرة جماعية تسبق البنية التحتية الحديثة، فيبني بذلك جسرًا بين الماضي والحاضر، ويربط المعرفة المتوارثة بالأزمة البيئية الراهنة.
وباعتباره جزءًا من سلسلة مستمرّة، يعكس "خلل فني" انشغال قمحاوي المتواصل بالماء، كموضوع ومادّة، وتغدو كلّ نسخة من العمل محاولة جديدة لملامسة فكرة اللااستقرار، واستكشاف تقاطعات المادّة والبيئة والفكرة في عالم يتزايد فيه التحول.
يعمل عمل مهند شونو "مكان منسي" (2024) الذي أُنجز بتكليف من GCDN والسركال ضمن برنامج التكليف العالمي، من خلال الملاحظة الدقيقة، والانتباه لما يتمّ تجاهله. يبدأ العمل من ظاهرة بسيطة، لكنّها مستمرّة: تقاطر مياه التكثّف من وحدات التكييف. في منطقة يهيمن عليها شحّ المياه، يُنظر عادةً إلى هذا الناتج بوصفه مخلفات مهملة، إلّا أنّ شونو يعيد تأطيره كمورد، وهو توجّه يتقاطع مع ما يشير إليه القيّم تيرون باستيان، إذ يقول: "يعيد هؤلاء الفنانون تخيّل شروط الفنّ العام في مواجهة تغيّر المناخ من خلال إنتاج أعمال مرتبطة بالموقع ليست جذابة جماليًّا فحسب، بل وظيفية ومولِّدة أيضًا".
يتكوّن العمل من شبكة من الأنابيب المعلّقة داخل هيكل فولاذي، تقوم بتوجيه مياه التكثّف إلى منطقة من تربة مستصلحة، وتحتضن هذه المنطقة نباتات برّية، وهي أنواع تنمو دون زراعة، غالبًا في هوامش البيئات الحضرية. بدلًا من إنشاء حديقة، يكشف شونو عن عملية بيئية قائمة، ويدعمها، وهو ما يعكس اهتمامه بما يسمّيه "تجلّيات متمرّدة للخيال".
يتقاطع هذا التوجّه مع مفهوم" إيكولوجيات التكييف"، الذي يشير إلى الأنظمة البيئية غير المقصودة الناتجة عن تقنيات التبريد، وهو ما يصفه شونو بأنّه "يمثّل قدرة الطبيعة على الصمود والتكيّف مع التغيّر المناخي المتمركز حول الإنسان". تنشأ هذه الإيكولوجيات في المساحات المهملة، على الأرصفة، وتحت المباني، وداخل فجوات البنية التحتية، وتتحدّى مبادئ التصميم الحضري السائدة التي تفضّل السيطرة والتجانس والتنظيم الجمالي الصارم.
تقاوم النباتات التي تعيش على مياه التكثّف هذا المنطق، فهي تنمو بشكل غير متوقّع في ظروف ليست طبيعية بالكامل، ولا صناعية بالكامل، لتشكّل نظامًا بيئيًّا "ما بعد طبيعي" يتشكّل بفعل النشاط البشري دون أن يخضع له كليًّا، ويعكس العمل واقعًا بيئيًّا أوسع، حيث تتلاشى الحدود بين الطبيعي والمصطنع بشكل متزايد.
يؤدّي الماء هنا دور الوسيط الرابط، إذ يتناقض إيقاع تقاطره البطيء مع التدخّلات واسعة النطاق مثل تحلية المياه والاستمطار الصناعي التي تهيمن على إدارة المياه في الخليج. ومن خلال التركيز على التدفّقات الصغيرة والتراكم التدريجي، يقترح شونو طريقة بديلة للتفكير في الاستدامة، تقوم على الانتباه للعمليات الدقيقة.
يمتدّ مفهوم المشروع ليعزّز هذا المنظور، فبعد أن كان يُفهم تقليديًّا بوصفه موارد مشتركة للبشر، يُعاد تخيّله ليشمل كائنات غير بشرية، النباتات، والكائنات الدقيقة، والأنظمة البيئية، التي تشارك في الحياة الحضرية. يصبح العمل موقعًا للتعايش، حيث تدعم البنية التحتية، بشكل غير مقصود، أشكالًا أخرى من الحياة.
وهذا يطرح تحدّيًا لفكرة أنّ الطبيعة يجب أن تكون مُدارة ومضبوطة، ففي البيئات الحضرية شديدة التنظيم، يتمّ اختيار النباتات وصيانتها وفق معايير بصرية وبيئية صارمة، أمّا النموّ غير المخطّط في "مكان منسي" فيقوّض هذا المنطق، مبرزًا الصمود والتكيّف والاعتماد المتبادل كقيم بديلة.
يقترح شونو مبادئ قائمة على إعادة التوزيع بدلًا من الاستخراج، فمن خلال استثمار ما يُنتج بالفعل، ولو بشكل غير مقصود، يشير إلى إمكان العمل مع الأنظمة القائمة بدلًا من مقاومتها.
كما يحمل العمل بُعدًا سيكوجغرافيًّا، فمع تنقّل الزوار داخله، يصبحون أكثر وعيًا بعمليات عادة ما تظلّ غير مرئية: حركة الماء من الآلة إلى التربة، والنموّ التدريجي للنباتات، والأثر التبريدي الخفيف للرطوبة في بيئة قاحلة. وهكذا يُعاد تخيّل المدينة بوصفها شبكة مسامية وديناميكية من العلاقات بين البشر وغير البشر.
تتحدّى النباتات التي تُرعى هنا، والتي غالبًا ما تُهمَّش بوصفها أعشابًا ضارّة، التسلسلات الهرمية التي تحدّد أشكال الحياة التي تستحقّ التقدير. ومن خلال إبرازها، يشير شونو إلى أنّ الصمود والقدرة على التكيّف قد يكونان معيارين أكثر أهمّية للقيمة البيئية من الكمال الجمالي.
يوسّع" مكان منسي" تعريف الاستدامة، متجاوزًا مفاهيم الكفاءة والحفاظ، ليشمل الإدراك والرعاية والتعايش. ومن خلال العمل بما هو موجود بالفعل، يحوّل شونو الهدر إلى إمكانية، كاشفًا كيف يمكن حتى لأصغر نواتج الحياة الحضرية أن تدعم علاقات بيئية ذات معنى.
سيرة الفنانَين:
سعيد قمحاوي (مواليد 1972، الباحة) هو فنان سعودي معاصر، تمتدّ ممارساته بين الأعمال التركيبية والرسم والمقاربات المفاهيمية؛ وهو أحد المؤسّسين المشاركين لمركز تسامي للفنون البصرية في جدّة، ومؤسّس استوديو رصيف في الرياض. عرض أعماله على نطاق واسع محليًّا ودوليًّا، ومثّل المملكة العربية السعودية في أوروبا، والشرق الأوسط، كما شارك في منصّات كبرى مثل متحف اللوفر، ونور الرياض، وأسبوع مسك للفنون. تستكشف ممارساته العلاقة بين الأنظمة الصناعية، والظروف البيئية من خلال تركيبات غامرة ومتغيرة، يوظّف فيها موادّ مثل الماء والضوء والفحم والمعادن، مستلهمًا في كثير من الأحيان واقع ندرة المياه، والبنية التحتية في المملكة العربية السعودية لفحص موضوعات التكيّف والاعتماد المتبادل والتوازن الهشّ بين التكنولوجيا والعالم الطبيعي. وفي الوقت ذاته، تعكس أعماله وعيًا عميقًا بالقيم الاجتماعية، والاختلافات الثقافية، داعيةً إلى الحفاظ على الإرث الأخلاقي والثقافي، مع تسليط الضوء على تفاصيل الحياة اليومية، أو واقع اجتماعي مشوَّه بشكل طفيف، بما يبرز الحاجة إلى التغيير.
مهند شونو (مواليد 1977، الرياض) هو فنان سعودي معاصر، تمتدّ ممارساته متعدّدة التخصّصات بين الرسم والنحت والأعمال التركيبية واسعة النطاق. تستكشف أعماله غالبًا موضوعات التحوّل والذاكرة والعلاقة بين الإنسان وبيئته. وقد مثّل المملكة العربية السعودية في معارض دولية كبرى، من بينها بينالي البندقية 2022 حيث شارك بعمله التركيبي "منطق الشجر"، كما شارك في منصّات عالمية مثل "نور الرياض" وعدد من البيناليات والمعارض المؤسّسية الدولية. تتميّز ممارسة شونو بحساسية عالية تجاه الظواهر المُهملة، سواء كانت بيئية أو مكانية أو نفسية، حيث يدعو الجمهور إلى إعادة النظر في افتراضاتهم حول العالم من حولهم. ومن خلال مشاريع مثل "مكان منسي" يسهم في إثراء النقاشات النقدية حول تغيّر المناخ والاستدامة، ودور الفنّ في تخيّل مستقبلات أكثر شمولًا وتعدّدًا للكائنات.
غيداء المقرن قيّمة فنيّة.






