الماء: الذاكرة والأسطورة
'الكهف الأزرق، جزيرة كابري- إيطاليا'، طباعة ميكانيكية ضوئية: فوتوكروم ملونة. المصدر: مكتبة الكونجرس.
أغرقني البحر ذات نهار، في غفلة منّي، وضعت قدمي في رماله، أحكم قبضته، وسحبني لأعماقه، وأدخل ماءه في فمي، وأنقذني الصيادون من هذا الغرق، ولكنّ الماء انتدبني من ذاك الحين، أخذ صوتي لأدافع عنه، ثمّ جعلني لسنوات أتبعه، كما يفعل أهل جزيرتي، نتبع الماء بوفاء، وكلما ولّى وجهه وابتعد كنّا نلحقه.
قادني هذا الهوس في أثناء كتابة روايتي الثانية "المنسيون بين ماءين" لاكتشاف علاقة الماء بالمكان. نبشت في ذاكرتي الأولى عن علاقتي به، كانت جدّاتي يطبخن سمك الصافي مع الرز المحمّر بالسكر، يسحبنني معهنّ للعين وسط حقول النخيل، ليرمين نذورهنّ فيها، ووالدتي علّمتني زراعة (الحيّة بيّة)؛ وهي نبتة تزرع من شعير أو ماش في سلّة خوص، ثمّ نرميها للبحر في العيد الكبير، ليأخذ أضحيته، فهو الذي حين يُحرم منها يأخذ البشر أضاحي، كنت أراقبه صباحًا حين يمدّ ماءه ليأخذ الحيّة بيّة التي اخضرّ الساحل بسببها.
أساطير وحكايات ربطتني بالماء، فأهل هذه الجزيرة تبدأ ذاكرتهم بالماءين، أكانت ماء عين عذبة، أو ماء البحر. "من الذي عكس نفسه لترى ما لا يرى؟ من الذي عرفك مَن تكون؟" أليس هو الماء في أسطورة نرسيس، حين اكتشف الإنسان ملامحه، وتأمّل بزهو ذاته؟ وكشف الماء له هويته؟ فأدرك مَن يكون؟
لم يجد الإنسان في محاولته لفهم الماء وعطائه إلا أن يمنحه روحًا وقدسية، يخشاه، ويتودّد إليه بالنذور، يحوك من علاقته به أساطير وطقوسًا، فلطالما كان الماء هو مرآة لمَن يعيش بقربه.
حضر الماء في كلّ الأديان، وتكرّرت سيرته في الأساطير، لأنّ العقل الجمعي يشترك في رمزيات الماء؛ فالماء الذي حمل موسى لمصيره هو نفسه الماء الذي حمل رومولوس وريموس في روما الذين ربّتهما ذئبة، والسومريون مع سرجون الأكادي ارتبطوا بنهر الفرات. وفي العادات المتوارثة في الصين ترمي الأمّهات أطفالهنّ غير الشرعيين على صفحة النهر حتى لا يقتلهم الزوج، فالماء هنا يقود مصير الإنسان، والأمّهات على اختلاف الحضارات كنّ يسلّمن أطفالهنّ للماء، فالرجل رأى الماء شرًّا، وخاف منه، وآمنتِ الأمّهات بأنّه الحامي للأطفال، وهو الذي سيقرّر مصيرهم.
تتكرّر طقوس النذور في عدّة ثقافات، ففي البحرين يرمي الأطفال (الحيّة بيّة) ليلة العيد الكبير، كما تتواصل النسوة من خلال لفح الشعر مع ماء البحر حين لا يعيد الغائبين، ولكلّ عين ماء أو بحيرة أو مسطّح مائي روح خاصة به، وحارس يحميه. ونرى أنّ للمرأة في كلّ الثقافات علاقة خاصة بالماء، فهي الأضحية، وهي الحورية الحارسة له، وهي المخاطبة له، وهو الذكر الذي تستغيث به، وكما شاع في بعض ثقافات الشعوب والأساطير اليونانية، فالماء المالح يرمز للذكر، والماء العذب يرمز للمرأة لأنها رمز الخصوبة والعطاء. ومن ملوحة البحر نبعت هذه العذوبة، كما تقول الأسطورة السومرية، وهذا ما انتبهت له حين زرت عدّة مناطق في المملكة، كم تتشابه حكايات عيون الماء مع أسمائها، إذ كُن فيما مضى نساءّ ثمّ تحوّلن إلى ماء.
وتتكرّر هذه العلاقة مع النسوة اللواتي كنّ يغنّين على أطراف الساب، ويتبع الماء أصواتهنّ إلى الحقول في فترة الجفاف، ففي اليونان كان الطوفان يأخذ جُزرًا بأكملها، فترى النساء يرقصن بالرمز المسمّى (greek key)، ويُدَوِّرونه بأيديهنّ، ليُحذّرن أهل الجزر والسواحل بأنّ الماء قادم، ليأخذ حقّه في المكان. وأقرب مثال لهذا في البحرين، حين تجفّ أشجار الجزيرة، ويعود الماء ليأخذ اليابسة كما حدث في عدّة جزر، وأشهرها: المزروعية، و(فشت الجارم) التي كانت جزيرة بأكملها في فترة دلمون.
وهذه العلاقة مع الماء جعلت الإنسان الذي يخشاه، يتودّد له بالقرابين، كان أهل البيوت في الدرعية يتركون طبقة من الطين على الجدران والأسطح، تسمّى التضحية، فحين يأتي السيل يأخذها، ولا يؤذي أهل البيوت. أمّا في البحرين فرجاؤنا أن ينحسر الماء، ويترك لنا أرضًا نقيم عليها، فنقتطع من أحجارها، ونبني أسس البيوت، وحين يعود المدّ، يشمّ البحر رائحته في الأحجار، فيترك الأرض لنا، ويحدّد لنفسه حدودًا جديدة يقف عندها. أمّا في الشارقة، فوقفت أمام قناة تأتي من البحر، لم أرَ النوارس، فالماء هو الذي منحها ذاكرة المكان، اكتشفت فيما بعد أنّها قناة صناعية، والبحر لم يكن هنا، مثلما دلّتني عصافير الدرعية على الوادي، وبيّنت لي حدوده.

'وحش البحر.' دانا أبو خليل. الأردن. 2024. وسائط مختلفة على قماش. هذا العمل الفني من مجموعة المقتنيات الدائمة في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة.
وفي محاولة من الإنسان لفهم الماء وقدرته على إعادة الحياة، خلق أسطورة الماء المقدّس، فكان شرب الماء من نبع معيّن يمنح الخلود، لذلك جاء جلجامش إلى دلمون بحثًا عن زهرة الخلود التي يقال إنّها زهرة مضيئة في البحر، ولكن الرائي لماء (الجواجب)، أي الينابيع العذبة المتدفّقة من أعماق البحر المالح، سيرى أنّ هذا الماء يضيء حين يسقط عليه نور القمر، فسمّته العرب كوكبًا كما كانت تسمّي أيّ شيء يضيء كوكبًا. جاء جلجامش ليبحث عن هذه الينابيع العذبة التي حين يشرب منها سيمنح الخلود، ولاحقًا سمّيت جزيرة البحرين بهذا الاسم، نسبة إلى الماءين: العذب والمالح.
اليابان بلد لا يؤمن بالموت، فحين وقفت أمام النبع المتدفّق من أعلى قمة الجبل في معبد كيوميزو، وأشجار الخريف المضيئة أوراقها تحت الشمس من حولي، تكرّرت أمامي أسطورة جلجامش! كان هناك نوع من القدسية التي منحها الماء للمكان؛ فأمامي ثلاثة مصبات وعليّ أن أمسك المغرفة الكبيرة، وأختار جهة منها: الثراء، الصحّة، أو الحظّ، ومن يطمع، ويشرب منها ثلاثتها تصيبه اللعنة، فالماء يكره الجشع. تذوقت ماء الحظّ العذب، ثمّ لفتني أكبر توري، والتوري هو الفاصل بين عالم البشر وعالم الآلهة، فحين تعبره تتنقل بين العوالم بسهولة، كان التوري الضخم أمام البحر في منظر مهيب. أليس الماء هو طريق العبور نحو المصير؟ وهو الذاكرة، وهو الذي أفنى الإنسان حياته وهو يتبعه؟ ألم يُخلق الإنسان من ماء دافق؟ ألم يكن أول نموّ لهذه الحياة في ماء الرحم، وإذ تدفّقه حملك معه لعالم آخر؟ أليس حين يقترب الإنسان من أواخر العمر، ينبع الماء من عينيه، فلا يبصر إلّا من خلاله؟
ليلى المطوع روائية وصحفية بحرينية.

'حاملات الماء 5/1.' شارلوتا سبير. السويد. 2017. طباعة جيكلية فوتوغرافية. هذا العمل الفني من مجموعة المقتنيات الدائمة في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة.


