دمعة المحارة، ومسحة الفرشاة
'الأرنب الصغير.' ألبرت دورر. 1502. يُعَدّ الفنان دورر أول رسّام ألوان مائية شهير تعامل مع هذا الوسيط الفنّي الرقيق بجدّية حقيقية. باستخدام فُرَش دقيقة للغاية للتفاصيل، رسم بعناية كلّ شعرة من الفراء، وكلّ شارب وخيط شعر على حدة، لذا اشتهر هذا العمل بواقعيته الفوتوغرافية المدهشة. بإذن من متحف ألبرتينا.
القرّاء الأعزاء،
تحمل حبّة رمل واحدة ذاكرة الجبال، وتحمل قطرة من الماء حكايات المحيطات، كما دموع الغيوم، وتنهّدات الأنهار.
في هذا العدد الخاص من مجلة "إثرائيات"، نتأمل ملامح ذلك المكوّن المتواضع في ظاهره، والعظيم في عمقه: الماء، فهو شريان الحياة الذي يحوك كلّ قصة على هذه الأرض، من الأنهار القديمة إلى قطرات الندى الصباحية على أوراق الصحراء.
الماء لا يكتفي بالجريان، بل قادر على أن يحفر في ذاكرته؛ فمنه تتشكّل السواحل والثقافات، وعليه تتغذّى المعتقدات، وبغيابه تتجرّأ المجاعات على الامتداد، وبه يتألّق الفنّ بألوانه الناطقة. ومن الجدير أن نعود إلى أوائل القرن السادس عشر، حين كان الفنان ألبرت دورر يُعدّ على نطاق واسع أول فنان قدير تعامل مع الألوان المائية بوصفها وسيطًا فنيًّا جديرًا بالاهتمام، يمسك بفرشاته، ويمنح الفنّ حياةً بدقّة متناهية. وقبل هذا الألماني الرسّام والطبّاع والمنظّر في عصر النهضة الألمانية، لم تكن الألوان المائية تتجاوز كونها رسومًا تمهيدية، إلا أنّه ومع تجربته، تحول الماء وألوانه إلى معلّم وأداة في الوقت نفسه، فغدت رقعة الطحالب، أو كتلة الصخر، أو خصلة الفراء روائع مدهشة.
ومحاكاةً لضربات فرشاة ألبرت دورر، تسعى قصصنا - في هذا العدد - إلى التقاط ما هو عابر، لكنّه أبدي، من أناشيد البحار التي تنشدها الحيتان المهيبة، إلى قطرات المطر الخفيفة على أراضٍ عطشى، وصولًا إلى المغامرات العظيمة في العواصف الخارجية والداخلية. نحتفي بجميع الكائنات والأشياء التي تعتمد على أثمن مواردنا، وأكثرها ارتباطًا بحياتنا: الماء.
وفي بعض هذه المياه، حين تتحوّل الاستثارة إلى دعوة، وتتحوّل حبّة الرمل، بعد أن تُغلَّف طبقةً فوق طبقة من عِرق اللؤلؤ، إلى لؤلؤة، فما بدأ كجسم دخيل انتهى ببريق متلألئ. ذلك هو أقدم سحرٍ شعري للماء: أن يأخذ ما هو خام وغامض، ثمّ يجعله ناعمًا وبرّاقًا.
لحظة تأمّل نستمتع فيها بإحدى أشهر اللوحات في عالم الفنّ، وهي لوحة: الفتاة ذات القرط اللؤلؤي (1665) للفنان يوهانس فيرمير. هذه التحفة الأيقونية، التي أبدعها رسّام العصر الذهبي الهولندي، تأسر الأنظار بما تحتويه من جمالٍ رقيق لفتاةٍ تتزيّن بهدية الماء: اللؤلؤ المتشكّل من العمل البطيء والخفيّ لمحارة.
داخل صفحات هذا العدد، تعرّفوا على تلك الكيمياء الفريدة للماء؛ العنصر الذي يوصل، ويفصل، ويخلق، ويدوم، ويزيّن.
الماء بدوره يتحدث دائمًا، وإذا أنصتنا إليه جيدًا فقد نسمع أقدم حكاية عرفها العالم.
كل الشكر والتقدير،
ريم الغزال
رئيس التحرير

'الفتاة ذات القرط اللؤلؤي.' يوهانس فيرمير. 1665. تُعدّ هذه اللوحة أشهر أعماله، كان بارعًا في توظيف الضوء، كما يظهر في نعومة ملامح وجه الفتاة، واللمعان الخافت على شفتيها، والبريق المتألّق للؤلؤة البارزة. حقوق الصورة: متحف ماورتشهاوس، لاهاي.


