تحوّلات الماء في الفن: من المياه الراكدة إلى البحار الهائجة
'زهرة الليلي المائية.' كلود مونيه. 1899. المصدر: متحف متروبوليتان للفن.
من الممتع استكشاف دلالات حضور الماء بتجلّياته المتعدّدة؛ في البحار والأنهار والينابيع والبحيرات والأمطار والثلوج داخل تكوينات اللوحات العالميّة وبنيتها الفنيّة الفلسفية.
في كثير من الأعمال التشكيليّة، يتجاوز حضور الماء حدود التمثيل البصري ليغدو أداة لإنتاج المعنى. فعبر تاريخه في الفن، يتحوّل إلى فضاء سردي تتكوّن داخله الحكاية، وتُعاد من خلاله صياغة العلاقة بين الزمن والصورة، وبين الجسد والغياب، وبين الطبيعة والتجربة الإنسانية. ويمكن مقاربة هذا الحضور بوصفه بنية دلالية مرنة تتبدّل وظائفها تبعًا للسياق الفني، مع احتفاظها بقدرتها على تحويل المشهد إلى أفق مفتوح أمام تأويلات متعددة.
يقول كلود مونيه، في إشارة إلى أعماله الأخيرة التي استلهم فيها المناظر المائية من حديقة في جيفيرني بين سنة 1897 إلى سنة وفاته 1926: "لحظة واحدة، ومنحى واحد من الطبيعة يحتويان على كل شيء".
بنيت هذه الأعمال فوق مواضيع معاصرة متنوعة للوحات رسمها في سبعينيات القرن التاسع عشر وحتى تسعينياته، لتشكِّل لديه موضوعًا مهمًا: "زنابق الماء". وهي لوحة ضمن سلسلة لوحات عكست حديقة الزهور المحبّبة لدى الفنان، والتي ضمّت بركة مائية عليها جسر ياباني للمشاة.
رسم مونيه بيئة البركة، بنباتاتها وجسرها وأشجارها، مقسمة بدقة بوساطة أفق ثابت. مع مرور الوقت، أصبح الفنان أقل اهتمامًا بالفضاء التصويري التقليدي. ففي لوحته "زنابق الماء"، عمل على زرع الغموض المكاني فاستغنى عن خط الأفق، مركزًا نظره على سطح البركة فقط، مع مجموعة نباتات تطفو وسط انعكاس السماء والأشجار، دمج بها صورة سطح أفقي على سطح رأسي تجعل الماء في تلك اللحظة فضاءً زمنيًّا مفتوحًا.
وهنا تحوّل الماء إلى ما يمكن تسميته "ذاكرة الضوء". فالماء لا يحتفظ بشكل الأشياء، بل بأثر مرورها، ولا يقدم صورة مستقرة للعالم، بل سلسلة من التحولات اللحظية التي تعيد تعريف العلاقة بين الزمن والرؤية، بحيث تصبح اللوحة تسجيلًا لتجربة الإدراك لا تمثيلًا لموضوع خارجي.

'زنابق الماء.' كلود مونيه. 1915. المصدر: متحف مارموتان مونيه.
نفّذ جون إيفريت ميليه لوحة "أوفيليا" عبر مرحلتين منفصلتين؛ إذ بدأ بتصوير المنظر الطبيعي، ثم عاد لاحقًا ليضيف شخصية أوفيليا. وبعد أن اختار الموقع الملائم، أمضى وقتًا طويلًا على ضفاف نهر هوجسميل، حيث كان يعمل قرابة إحدى عشرة ساعة يوميًّا، ستة أيام في الأسبوع، طوال خمسة أشهر سنة1851.
في هذه اللوحة، يفصل الماء بين عالمين؛ فالشخصية مستمدةٌ من مسرحية هاملت لويليام شكسبير، وهي زوجة الأمير هاملت، والتي أصابها الجنون بسبب تصرفاته، تصعد على شجرة الصفصاف، أغصانها متدلية فوق جدول ماء، ينكسر الغصن تحت قدميها وتسقط لتغرق فيه.
إنّ أوفيليا في هذه اللوحة لا تُقدَّم هنا بوصفها جسدًا غارقًا فحسب، بل بوصفها ذاتًا معلّقة في لحظة انتقال بين الحياة والموت. إذ يتحول النهر إلى فضاء عبور وجودي (البرزخ)، وتغدو الطبيعة المحيطة امتدادًا للحدث لا إطارًا له، فالماء هو الحدث نفسه، لا مجرد موقع للحدث.

'أوفيليا.' جون إيفريت ميليه. 1851. المصدر: جالاري تات.
تُظهر لوحة "الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا" للفنان كاتسوشيكا هوكوساي، ثلاثة قوارب صيد تتلاعب بها أمواج بحر هائج، وتوشك موجة عاتية على ابتلاعها، فيما تلوح من بعيد قمة الجبل المقدّس ساكنةً ومنعزلة.
الماء في حضوره السردي ينعكس بوصفه قوة درامية مستقلة. فالموجة لا تعمل كخلفية بحرية، بل كفاعل بصري يهدد بإعادة تشكيل المشهد بأكمله، إذ تتقابل قوة الطبيعة مع هشاشة الوجود الإنساني. وتتحول اللحظة المرسومة إلى زمن معلّق يسبق الكارثة، وكأن اللوحة تحفظ التوتر قبل الانفجار، لا الانفجار ذاته، ما يمنح الماء هنا بعدًا قدريًّا يتجاوز التمثيل الطبيعي.

'الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا.' هوكوساي كاتسوشيكا. 1832. من سلسلة ستة وثلاثون مشهدًا لجبل فوجي. طباعة أوكييو إي الخشبية. المصدر: متحف سوميدا هوكوساي.
تستحضر الأسطورة الإغريقية حكاية الشاب نرسيسوس، الذي لمح انعكاس وجهه في ماء بئر، فاستبدّ به الإعجاب وظلّ مأخوذًا بصورته حتى فقد توازنه وسقط غارقًا. وتروي الحكاية أنّ البئر جفّت بعد ذلك، ونبتت فيها زهرة عُرفت باسم "النرجس".
في هذه اللوحة، يظهر الماء بوظيفة مختلفة تمامًا؛ إذ يتحوّل إلى سطح عاكس ينغلق على الذات، فلا يعكس العالم بقدر ما يعكس انحباس الهوية داخل صورتها. وهكذا يغدو فضاءً داخليًّا دائريًّا، يقوم على التكرار والالتفاف حول الأنا، ليتحوّل من عنصر طبيعي إلى مرآة وجودية تكشف هشاشة الوعي بالذات وحدوده.

'النرجسية.' كارافاجيو، 1597. المصدر: جالاري باربريني كورسيني الوطني.
تبدو لوحة وليم تيرنر "صيادو السمك في البحر" أشبه بتجسيد بصري لصرخة البحر كما تتبدّى في رواية "العجوز والبحر" لأرنست همنغواي، غير أنّها هنا لا تُصاغ بالكلمات، بل تتجلّى عبر توتر الضوء والظلّ، وارتعاش اللون فوق سطح القماش. وفي هذا الفضاء المضطرب، لا شيء يثبت على حاله؛ السحب تتكاثف في مسار تصادمي، والبحر ينفجر في هيجان لا يخضع للسيطرة، أمواجه تتصاعد كأنها إعلان دائم عن تمرّد الطبيعة، ويتأرجح القارب الصغير ككائن هشّ أُلقي في المصير المجهول داخل هذا الاضطراب.
يضع تيرنر الإنسان في مواجهة غير متكافئة مع الكون: مصباح صغير يتوهّج داخل المركب يقابل نور قمرٍ غارق في ضباب أسود كثيف، وكأنّه انعكاس لقوى خفيّة كامنة في العتمة. وهكذا يتجاوز الصراع حدود الطبيعة ذاتها ليصبح مواجهة بين وجود إنساني عابر وبين قوة كونية هائلة لا يُجابهها إلا بومضة ضوء واهنة.
وفي لحظة تأمّل، يبدو أنّ المقارنة تميل إلى المستحيل؛ فالقارب بكل هشاشته يظلّ معلقًا بين احتمالين متناقضين: أن ترفعه موجة نحو النجاة، أو أن تبتلعه أخرى في قاعٍ لا عودة منه، حيث ينتهي كل شيء إلى صمت البحر المطلق.

'صيادو السمك في البحر.' جوزيف تيرنر. 1796. المصدر: جالاري تات.
تكشف هذه المقاربات مجتمعة، أنّ الماء في اللوحة العالمية ليس عنصرًا موضوعيًّا ثابتًا، بل بنية سردية متحولة تتعدد وظائفها بين العبور والتأمل والذروة والانعكاس والقوة. وبهذا المعنى، يغدو الماء أحد أهم العناصر التي أعادت تشكيل مفهوم الصورة الفنية، بحيث لم تعد اللوحة تمثيلًا للعالم بقدر ما أصبحت فضاءً لتجربة الزمن والمعنى والوجود.
صباح ديبي ناقدة وكاتبة.
المراجع:
- حكاية الفن، إيه. إتش. جومبريج. فايدون بريس. نيويورك.
- مونيه في القرن العشرين، شارلز ستاكي، أبولو مجلة عالمية في الفن، عدد فبراير، 1999، ص 20.
- Berger, S. (2020). From Narcissus to narcosis: Vision and self-reflection in Caravaggio’s Narcissus. Art History, Volume 43, Issue 3, June 2020, Pages 612–639.
- تيرنر والبحر، كريستين رايدينغ وريشارد جونز، ثاميس اند هودسون، 2013.


