البحث عن الماء في بينالي الدرعية
'موطن الأبدية.' تيو ميرسييه. 2026. رمل، تراب، طين (بنتونيت)، ومعدن. في هذا العمل الفني الضخم، يحوّل ميرسييه مساحة العرض إلى مشهدٍ سرياليٍّ واسع، تتلاقى فيه أشياءٌ بأحجامٍ مختلفة. ترتفع أربع منحوتاتٍ متراصة من أرضٍ رمليةٍ رخوة، تُحاكي تلال النمل الأبيض، والصخور الصحراوية الضخمة، والأحافير، والأصداف، والتكوينات المعمارية التي نحتتها الرياح عبر الزمن. تحمل هذه الأشكال الجيولوجية بصمةً مزدوجةً للطبيعة والثقافة، إذ شكّلتها عوامل التعرية والتدخل البشري في آنٍ واحد. بإذنٍ من مؤسسة بينالي الدرعية.
أتى الإصدار الثالث من بينالي الدرعية للفنون المعاصرة 2026 بوصفه معرضًا لرحلةٍ تتكشّف باستمرار؛ رحلة لا تتتبع الحركة كمسار خطّي، بل كسلسلة من التوقّفات والمراجعات والتحولات. تحت عنوان في الحلّ والترحال، وبإشراف المديرين الفنيين نورا رازيان، وصبيح أحمد، يستلهم البينالي من التاريخ العميق للهجرات عبر العالم العربي، ويستحضر أنظمة المعرفة لدى البدو والرحّل، حيث كان البقاء يعتمد على قراءة الرياح والنجوم، والأهمّ من ذلك الجغرافية الخفية للماء.
في هذا السياق لا يُعدّ الماء عنصرًا ثابتًا، بل وجهة وذاكرة وقوة تدفع البشر إلى الحركة. عبر الصحاري والقارات شكّل البحث عن الماء مسارات التجارة والحجّ والهجرة، وحدّد أين تستقرّ المجتمعات، وأين تضطرّ إلى الرحيل. ويعكس مفهوم "المواكب" الذي يتبنّاه البينالي هذه الحقيقة المستمرّة، فالإنسان في حالة حركة دائمة، غالبًا ما تقوده وعود الماء أو ندرته، وهكذا يغدو الماء ضرورة مادّية، وفي الوقت ذاته تيارًا سرديًّا يحمل الحكايات عبر الزمن.
من بين الأعمال التي تجسّد هذا المفهوم، يبرز عمل المنبع للفنانة أغوستينا وودغيت كتدخّل هادئ، لكنّه جذري. يتخذ العمل شكل نوافير مياه للشرب، لكنّه يكشف البنى التحتية الخفية التي تتحكّم في الوصول إلى الماء. الأنابيب والخزانات ومسارات الريّ، التي غالبًا ما تكون مدفونة أو محجوبة، تُعرض هنا بوضوح، لتحوّل فعل الشرب البسيط إلى مواجهة مع أنظمة التحكّم والتوزيع. ومن خلال استلهامها من شبكات الريّ التاريخية في الأحساء، تربط وودغيت بين سياسات المياه المعاصرة، وتقاليد إدارة الموارد الجماعية التي تمتدّ لأكثر من ألفي عام. هنا لا يُستهلك الماء فحسب، بل يُتفاوض عليه، ويُتقاسم، وكان دومًا محلّ صراع تاريخي، في تذكير بأنّ الوصول إليه مسألة أخلاق جماعية بقدر ما هو مسألة هندسية.
وإذا كانت وودغيت تنشغل بالبنية التحتية، فإنّ كاران شريستا يتناول الماء كتجربة كونية وحسّية. يتمحور عمله حول بئر خماسية الشكل، تفتح فضاءً تأمّليًّا تتقاطع فيه الهندسة والصوت والحركة. يتدفّق الماء باستمرار، ليُقاطع بين حين وآخر بمنحوتة حركية من أجراس نحاسية تتساقط، وترتفع. هذا الإيقاع، بين الموسيقى والانقطاع، يستحضر هشاشة التوازن بين الوفرة والندرة، ومن خلال مفهوم "الماندالا" يقدّم شريستا الماء كحدّ ووسيط في آنٍ واحد، يشكّل العوالم الروحية والمادّية، كما تتداخل في العمل الحكايات الشفوية والأساطير والمعرفة البيئية، في إشارة إلى أنّ الماء حامل للذاكرة الثقافية بقدر ما هو مصدر للحياة.
أمّا لدى تشونغ كونغ تونغ فيتخذ الماء بعدًا بيئيًّا وأسطوريًّا، يحوّل عمله القرع المجوّف، وهو وعاء تقليدي للماء، إلى نظام حيّ من التدفّق. تتصل العناصر عبر أنابيب دقيقة، يتدفّق فيها الماء، ويفيض، ويتبخّر، في شبكة تحاكي أنظمة الريّ كما تستدعي أساطير الطوفان. يتأرجح العمل بين العطاء والكارثة، حيث يصبح الماء قوة للحياة والانقطاع معًا، عاكسًا هشاشة التوازن الذي تعيشه مجتمعات تعتمد على بيئات متغيّرة باستمرار، وتغمر التجربة الحسّية، برائحة الرمل الرطب، وأصوات الانسياب، وتحوّل الملمس، الزائر في نظام بيئي دائم التبدّل، لا يعرف الثبات.

'المنبع.' أغوستينا وودجيت. 2026. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.

'حالة الغياب... أصوات من الخارج.' تشونغ كونغ تونغ. 2020 - مستمر. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.

'حالة الغياب... أصوات من الخارج.' تشونغ كونغ تونغ. 2020 - مستمر. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.
وتستمرّ هذه التأمّلات في أعمال أخرى داخل البينالي، بطرق أكثر تشتّتًا، لكنّها لا تقلّ عمقًا. تستعيد الفنانة رند عبد الجبار سردية الطوفان في ملحمة جلجامش (2100 قبل الميلاد)، متأمّلة دورات الفناء والتجدّد، فيما تستحضر الفنانة دينيو سيشي بوبابي الأبعاد الصوتية والطقسية للماء عبر تسجيلات وإيماءات مرتبطة بالأرض والمطر، وتفكّك آلانا هنت العنف الكامن في بنى السدود، بينما تعيد الفنانة شادية عالم تخيّل الأنهار المفقودة، والأرواح الأنثوية الأسطورية كقوى قابلة للعودة.
في مجملها تقترح هذه الأعمال أنّ الماء ليس مجرد مورد، بل مجال علائقي يربط الإنسان بالأرض، وبالآخرين، وبالتواريخ التي ترفض أنْ تستقرّ.
غيداء المقرن قيّمة فنية.
استمتعوا بالمزيد من الأعمال الفنية اللافتة:

'ماتريسيز: ثيلّيتجانغ: سيديبينغ، تأتي مع المطر.' دينيو سيشي بوپابي (رايسيبي). 2016-2026. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.

'ما قبل الطوفان.' رند عبدالجبار. 2026. عمل فني تركيبي باستخدام قوالب خشبية وصلصال وفحم على قماش. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.

'ما قبل الطوفان.' رند عبدالجبار. 2026. عمل فني تركيبي باستخدام قوالب خشبية وصلصال وفحم على قماش. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.

'جنّيات لار.' شادية عالم. 2026/2000. 12 طبعة رقمية على الورق. 61×61 سم كل طبعة. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.

'جنّيات لار.' شادية عالم. 2026/2000. 12 طبعة رقمية على الورق. 61×61 سم كل طبعة. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.

'الإيمان بكومة من الحجارة.' ألانا هانت. 2018. طباعة رقمية لصورة فوتوغرافية من فيلم 35 مم، هيكل خشبي. 240×360 سم. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.

'موطن الأبدية.' تيو ميرسييه. 2026. رمل، تراب، طين (بنتونيت)، ومعدن. في هذا العمل الفني الضخم، يحوّل ميرسييه مساحة العرض إلى مشهدٍ سرياليٍّ واسع، تتلاقى فيه أشياء بأحجامٍ مختلفة. ترتفع أربع منحوتاتٍ متراصة من أرضٍ رمليةٍ رخوة، تُحاكي تلال النمل الأبيض، والصخور الصحراوية الضخمة، والأحافير، والأصداف، والتكوينات المعمارية التي نحتتها الرياح عبر الزمن. تحمل هذه الأشكال الجيولوجية بصمةً مزدوجةً للطبيعة والثقافة، إذ شكّلتها عوامل التعرية والتدخل البشري في آنٍ واحد. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.

'مياه عذبة مرتفعة.' كاران شريستا. 2026. خشب، وخشب رقائقي، وحبر على ورق وأجزاء معدنية وأجراس نحاسية ومحركات. 65×265×265 سم. يتوسع عمل شريستا الفني في فكرة الماء كحلقة وصل وناقل. شكل خماسي خشبي، منحوت من جميع جوانبه الخمسة، يُحاكي البئر، داعيًا الزوار للجلوس حول الماء. وبإعاقة تدفق الماء، تسقط منحوتة حركية (سحابة من الأجراس النحاسية) في البئر، لتطفو مجددًا بشكل دوري، مُصدرةً رنينًا وصوتًا خفيفًا وقطرات ماء. حلقة مجوفة، تُشير إلى ثعبان ومخلوقات أسطورية أخرى، تُبقي الماء متدفقًا في الداخل. بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية.


