الفنّ مثل الماء يتكيف مع الوعاء الذي يحتويه
'اللحظة الخالدة 2 (وجوه ما بعد الصدمة).' فيصل سمره. 2024. بإذن من الفنان.
يُعدّ الفنان السعودي فيصل سمره أحد أبرز رواد الفنّ المفاهيمي في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وشخصية فنّية مؤثّرة تتجاوز أعمالها الحدود الجغرافية والثقافية. ولد بن سمره في البحرين 1955، وتخرج من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس عام 1980، ومنذ ذلك الحين، تنوّعت ممارساته الفنّية لتشمل التصوير، والرسم، والنحت، والفيديو، وفنون الأداء. تُعرض أعماله في متاحف ومجموعات فنّية مرموقة حول العالم.
يشتهر بن سمره بمنهجه الفكري العميق الذي يتناول قضايا الوجود، والذاكرة، وتجربة الإنسان، مع تركيز خاص على تفكيك عناصر الرمزية الشعبية والدعاية، دون مباشرة.

'اللحظة الخالدة 2 (مخلوقات ما بعد الصدمة).' فيصل سمره. 2023. بإذن من الفنان.
يأخذنا الفنان فيصل سمره في هذا الحوار إلى رحلة فكرية عبر مسيرته الفنّية والشخصية، مستعرضًا تأثير نشأته المتعدّدة الثقافات بين السعودية، والبحرين، وفرنسا في تشكيل هويته. ويتحدّث عن مفهومه للماء كجوهر ثابت يتغيّر شكله، وعن اللحظات المفصلية في حياته، مثل اكتشافه لأعمال مايكل أنجلو في سنّ مبكرة، وكيف أثّرت هذه التجارب في رؤيته الفنّ، إلى جوار فلسفته حول العلاقة بين الجسد والكساء، ودور الأقنعة في الكشف والإخفاء.
يقول بن سمره إنّ التنوع الثقافي بين ولادته لأب سعودي وأمّ بحرينية منحه وعيًا عميقًا بهويته الخاصة. وقد دفعه هذا الوضع إلى تكثيف أدواته في السفر عبر المكان والزمان. يقول: "حتى على المستوى الحرفي، حقيبة سفري دائمًا مكثّفة، أحمل فيها الضروريات فقط، دون إثقالها بما لا أحتاجه، وينعكس هذا النهج في عملي الفنّي أيضًا، حيث أستخدم أدوات متقشّفة جدًّا، تؤدّي المطلوب بدقّة".

'اللحظة الخالدة 3 (مخلوقات ما بعد الصدمة 02).' فيصل سمره. 2026. بإذن من الفنان.
ويشير بن سمره إلى أنّ "الماء يبقى ماءً مهما تغيّر الوعاء الذي يحتويه"، إذ يميل لاستخدام هذا التوصيف، الجوهر يبقى محتفظًا بحقيقته، بينما تتغيّر الأشكال التي يظهر بها، لأنّ الظاهر متغيّر بطبيعته. المفاهيم الأساسية في الحياة ثابتة، ولكن مظهرها الخارجي يتغيّر عبر الزمان والمكان: "أطبّق القاعدة نفسها في عملي الفنّي منذ البداية؛ فجوهر العمل الفنّي ثابت، وهو يدور ببساطة حول الإنسان، وعلاقته بنفسه، وبالبيئة المحيطة به، وتفاعله مع ما حوله. هذا هو الجوهر الأساسي في فنّي".
ويتذكّر حدثًا مفصليًّا في حياته، وقع عام 1968، عندما كان في الثالثة عشر من عمره بعد تلقّي كتاب عن مايكل أنجلو هدية من شخص عاد من لندن: "لم تكن تلك صدمة بالمعنى الحرفي بقدر ما كانت فتحًا لعيوني على رؤية مختلفة على كيفية الرسم". كان الكتاب يتناول تخطيطات مايكل أنجلو، ومفهوم التعامل مع الورقة كفضاء في أثناء تشكيل الرسم، أو الخطوط داخل هذا الفضاء: "من خلال الرسم، أتحكّم وأشكّل عبر الظلّ، فقلمي يصبح هو الظلّ في هذه الكتلة الضوئية لاستخراج أشكال معيّنة، أو لرسم النموذج".
هذا الكتاب كان مهمًّا جدًّا لمسيرته، لكنّه لم يشكّل صدمة بقدر ما كان تنويرًا لشيء لم يكن مدركًا له، بحسب قوله، ثمّ جاءت الصدمة الثانية التي أثّرت فيه عند ركوب الطائرة للمرة الأولى مسافرًا من البحرين إلى السعودية، يقول: "كان عمري حوالي ست سنوات، ورأيت الصحراء من الأعلى بالطائرة، والمساحات الشاسعة والمنظر العلوي، لكن الصدمات التي تؤثّر، وتترك أثرًا هي الأحداث المعيشة، سواء كانت بصرية أو نفسية".
في العلاقة بين الجسد والكساء، يستحضر بن سمره مشروعًا عن الطيات نفّذه في عام 1990، حيث يرى أنّ الطيات هي في الأساس معيار لتراكم زمني معيّن. الطية بحدّ ذاتها فعل، توثق زمن طي هذه الورقة، أو هذا القماش. فهذه الطية هي ما يتبقّى من زمن فعل الطي. أمّا الأقنعة فلها دلالة مختلفة. الأقنعة أو الأحجبة، وقد ظهرت بشكل كبير في مشروع (واقع محرف)، تخفي، وتكشف عن شيء آخر:" إنّها تكشف عمّا بداخلنا، وما ننوي فعله. القناع يغطّي وجوهنا، لكنّه يكشف أنّنا نغطّي شيئًا معيّنًا، ونتنكّر له. نحن نرتدي الأقنعة طوال الوقت، صنعت عمل فيديو يوضّح كيف أنّنا من كثرة ارتدائنا للأقنعة نسينا وجهنا الحقيقي، وأصبح القناع هو الوجه الحقيقي لنا".

'اللحظة الخالدة 3 (مخلوقات ما بعد الصدمة 02).' فيصل سمره. 2026. بأبعاد 6x4.5م. معرض بينالي الدرعية للفن المعاصر. بإذن من الفنان.
ويتحدّث عن التفكيك في أعماله الفنّية: "أنا أفكّك، ولكنّني أفكّك الموضوع الذي أعمل عليه. إذا كان هناك موضوع معيّن، أحاول تفكيكه، وإعادة صياغته وتركيبه حسب رؤيتي البصرية، وحسب طريقتي في التعامل مع العمل الفنّي، كما حدث في معظم مشاريعي. التفكيك يجعل الأشياء أكثر وضوحًا، ويؤدّي إلى التماهي والإفصاح. عندما نفكّك الأشياء، تبدأ في الإفصاح عن نفسها أكثر برأيي".
ويؤكّد تجنّب المباشرة والسقوط في فخاخها: "لا أقع في المباشرة أبدًا، بالعكس، من خلال التفكيك وإعادة الصياغة، أدخل في مستويات مختلفة أكثر عمقًا في المعالجة، وتحتوي على عدّة مستويات: من المستوى البصري الأول، ثمّ المستوى الذهني، والمستوى الحسّي، وغيرها. فالعمل الفنّي عندي يحتمل دائمًا عدّة مستويات، ولكنّه يبدأ بالمستوى البصري. أولًا، لا أبوح بجميع المستويات. أعطي البداية فقط في المستوى البصري التشكيلي الذي يفرض نفسه، ثمّ إذا أردنا أن نبحث عن مستويات أخرى مفاهيمية، وذهنية، وفلسفية، وغيرها، فهي موجودة، ويمكننا الوصول إليها في العمل".
ويرى بن سمره في الصحراء "الفراغ المنقذ"، فهي بالنسبة له المكان الذي يجد فيه الهدوء والصفاء بعيدًا عن صخب الحياة المدنية، وتكدّس الصور: "في الصحراء، يتسنّى لي أن أرى الأشياء بوضوح أكبر، وأن أستمع إلى صوتي الداخلي دون تشويش. إنّها مساحة للتأمّل والتفكير العميق، حيث تتجلّى البساطة والجمال في أبهى صورهما، هي ملاذ روحي يجدّد طاقتي، ويشحذ بصيرتي الفنّية".

‘النقطة صحراءx العلا.’ فيصل سمره. 2024. بعدسة الفنان.
يعتقد بن سمره أن لا يقين في الفنّ، وأنّه تشكيك وتجريب وبحث مستمرّ، ويرى أنّ المقاومة، بشكل عام ومطلق، لها أشكال كثيرة، والفنّ أحدها: "أعتقد أنّ الفنّ يشبه المادّة الطيعة التي يمكن تشكيلها، والفنان هو الذي يحدّد ما هيتها. يمكن أن يكون الفنّ وسيلة لتوصيل أفكار دعائية معيّنة، أو دعاية لأسلوب سياسي، مثل الفنون التي كانت تستخدم في الاتحاد السوفيتي للترويج للنظام في وقتها، أو حتى من نواحٍ أخرى، كما في الرأسمالية. فالفنّ سيال وقابل للاستخدام في أوجه عدّة، يجد طريقه حيث يسير كالماء، والفنّ الحقيقي المستقلّ هو الذي لا يوظّف لشيء معيّن، بل للفنان وللإنسان في كلّ مكان وزمان".
لم يكن بعد العودة من فرنسا في عام 1980، ليجد الوسط الفنّي الذي يريده، والذي يفكّر، ويطرح الأسئلة، ويحرّض عليها، كان موجودًا، لكنّه نادر بحسب قوله: "كنت وحيدًا تقريبًا في تلك الأيام، أمّا الآن فأنظر إلى هذه العائلة الفنّية الضخمة التي تفكّر، وتطرح الأسئلة، وتحاول الدخول إلى أعماق مختلفة، إنّها الفنان الناجح الآن في العالم، وليس فقط في المملكة. الفنان الموجود في جميع التجمّعات الفنّية والمتاحف وغيرها".
ويختتم بن سمره بأنّ الأحداث في حياته تؤثّر بشكل غير مباشر في اللاوعي، وتختزن، ثمّ تخرج بأشكال مختلفة فنّيًّا: "أنا ملتصق جدًّا بواقعي، لذلك، إذا أردنا الصدق في العمل الفنّي، يجب أن نكون صادقين. ننتج عملًا فنيًّا لأنّه ضروري، ليس شيئًا ثانويًّا أو للتسلية وتزجية الوقت. الفنّ ضرورة داخلية، كما قال كاندينسكي".
معتز قطينة كاتب ومستشار في الثقافة والإعلام.


