أنشودة البحار المندثرة
'أو، الحوت.' جوس سانسيس. 2019-2020. يعرض هذا الجزء مقدّمة العمل للحوت المهيب ويبلغ قياسها تقريبًا 4×15.5 مترًا (119 لوحة، 5 × 7.5 سم). بإذن من الفنان.

'قلادة على هيئة حورية بحر.' يُرجّح أنّها مستوحاة من تصميم رينهولد فاسترز. 1870-1895 تقريبًا. لؤلؤة باروكية مرصّعة بإطارات من الذهب المطلي بالمينا، مرصّعة بالألماس، مع لآلئ متدلّية. الارتفاع: 12.4سم. المصدر: مجموعة جاك وبيل لينسكي، 1982، متحف متروبوليتان للفنون.

'قلادة على هيئة حورية بحر.' يُرجّح أنّها مستوحاة من تصميم رينهولد فاسترز. 1870-1895 تقريبًا. لؤلؤة باروكية مرصّعة بإطارات من الذهب المطلي بالمينا، مرصّعة بالألماس، مع لآلئ متدلّية. الارتفاع: 12.4سم. المصدر: مجموعة جاك وبيل لينسكي، 1982، متحف متروبوليتان للفنون.
تأمَّلنا البحر لأول مرة؛ فاستوقفنا بعظمته وهيبته وخباياه، وما كان إلّا أن عكفت البشرية على ملازمته بدافع الحبّ والفضول، وبدافع أكبر هو الحاجة. ولطالما اعتمدت المجتمعات على خيراته الثمينة: على لآلئه للتجارة، وعلى أسماكه للغذاء، وعلى أعشابه البحرية للتداوي، وعلى أحجاره وشعابه المرجانية في بناء المنازل، حتى أصدافه الفارغة استُخدمت للزينة والحُلي، وأحيانًا كإناء تُرضع به الأمّهات أطفالهنّ.
لا حدّ لعطايا مياهنا الثمينة، فهي تُنعش الروح وتداويها، إلى جانب ما تزخر به من خيرات.
في الوقت نفسه، ظلّ البحر مكانًا يحفُّه الغموض، مُلهمًا أساطير وحكايات عن حوريات جميلات، ووحوش بحرية لا تهدأ، وسفن أشباح يُقال إنّها تواصل الإبحار بلا هوادة. وروى البحّارة القدماء حكايات السلخي (قوم الفقمة) في شمال الأطلسي، وهي كائنات تشبه الفقمات، تستطيع خلع جلودها، والسير على اليابسة، كما تحدّثوا عن الكراكن المخيف (الحبّار العملاق) الذي يُعتقد أنّه يخرج من الأعماق ليُغرق السفن. هذه الحكايات التي تناقلتها الشعوب البحرية، كانت نهجَهم في فهم العالم المحجوب تحت سطح الماء.
ومع ذلك، يبقى الحوت الذي اشتهر بأغانيه أكثر الكائنات غموضًا وعمقًا، فأصواته الرنانة، وصفيره، ونبضات نداءاته، ونقراته، تعينه على الإبحار في العتمات. وعبر ملايين السنين، تطوّرت هذه السيمفونية البحرية، مُمكِّنةً عمالقة المحيط من التواصل عبر مسافات شاسعة تمتدّ في قِيعان البحار. أمّا اليوم فيتصاعد من الأعماق ضجيجٌ جديد وقاسٍ؛ صخبٌ بشريّ صناعيّ مدمّر، يعكّر موسيقى البحر، ويُخفت أصوات الحيتان وسائر الكائنات البحرية، مُربكًا الإيقاعات العتيقة للحياة على الأرض وفي مياهها.
إنّ عجز هذه الكائنات المهيبة عن التواصل بشكل سليم يؤدّي إلى ضياعها، ويجعل منها رمزًا لعالمٍ نسي كيف يتعايش مع الطبيعة وكائناتها، وراح يفرض هيمنته على باقي الأنواع.

'أو، الحوت.' جوس سانسيس. 2019–2020. عمل فنّي ضخم يجسّد حوتًا مهيبًا ويبلغ قياسها تقريبًا 4×15.5 مترًا (119 لوحة، 5×7.5 سم). بإذن من الفنان.
تكريمًا لهذا العملاق الجميل الوديع، ولكلّ ما يمثّله، يأتي هذا العمل الجداري البانورامي "أو، الحوت" للفنان الأمريكي جوس سانسيس، والمنفذ بتقنية الحفر (Scratchboard). وُلد سانسيس عام 1952، واشتهر بأعماله في الطباعة، والجداريات الخزفية، والفنّ العام، على مدى أكثر من 45 عامًا. حقّق العديد من الإنجازات وكان من أبرزها مشاركته في تأسيس "ميشن غرافيكا" عام 1980 في المركز الثقافي لحي ميشن بمدينة سان فرانسيسكو، قبل أن يؤسّس مَشغل الطباعة الحريرية "ألاينس غرافيكس" في بيركلي، كاليفورنيا.
ويُعدّ هذا العمل الجداري من أبرز إنجازاته، إذ يحيل إلى العنوان الفرعي لرواية موبي ديك (1851) للكاتب هيرمان ملڤل: "أو، الحوت". ومع ذلك، فإنّه يبتعد عن هوس القبطان آخاب بمطاردة الحوت، من خلال منح الأولوية للحوت ذاته بوصفه كائنًا من كائنات الطبيعة.
على جسد هذا الكائن الهائل، ينقش الفنان سانسيس سردًا بصريًّا متنوّعًا بالكائنات والتفاصيل، لينتقد فيها محاولة القبطان آخاب المهووس بالانتقام بسبب مطاردته للطبيعة.
وفي حوار له مع مجلة إثرائيات، يصرّح الفنان قائلًا: "لقد اخترت الحوت لأنّه يرمز إلى العالم الطبيعي في شكله النقي دون تدخّل بشري".
ويضيف قائلًا: "باعتبارها أكبر الثدييات على كوكب الأرض، فقد عاشت الحيتان منذ نحو 50 مليون سنة، أي قبل الإنسان بزمن طويل. كما أنّ الحوت يرمز إلى جسد العالم المهدّد اليوم؛ عالم تُستنزف فيه الشعوب والموارد الطبيعية، ومع ذلك يظلّ جماله وكرامته حاضرين على الرغم ممّا يواجهه من قمع وكوارث بيئية".
على مدى التاريخ، استمرّ صيد الحيتان وملاحقتها حتى يومنا هذا، وعلى الرغم من أنّها مهدّدة بالانقراض، ولها دورها المهمّ في استمرار حياة المحيطات، فالحوت معروف بأنه "بستاني البحر" و"مهندس أنظمة البيئة".

الفنان الأمريكي جوس سانسيس. بإذن من الفنان.
يقول سانسيس: "إنّ الحيتان تلعب دورًا مهمًّا في الحفاظ على توازن المحيطات، فحركتها تساعد على توزيع المغذّيات التي تدعم نموّ العوالق البحرية، وهذه العوالق تنتج جزءًا كبيرًا من الأوكسجين الذي نستنشقه، لذلك فإنّ نقص الحيتان لا يعني فقدان نوع من الكائنات فقط، بل يؤثّر في نظام كامل، تعتمد عليه حياة الإنسان، ويؤكّد أنّ تدهور المحيطات يضرّ في النهاية بكلّ أشكال الحياة على الأرض".
بدأت فكرة العمل الفني "أو، الحوت" من تجربة جوس سانسيس مع الحيتان في مياه تودوس سانتوس في باها كاليفورنيا، وهو مكان يزوره باستمرار منذ عام 2014، أحيانًا مع عائلته، وأحيانًا لتدريس ورش فنّية في "تودوس آرت"، وإنجازه أعمالًا محلّية. إنّ مشاهدة الحيتان عن قرب من قوارب الصيادين الصغيرة كانت تجربة مؤثّرة غيّرت نظرته، وعمّقت ارتباطه بالطبيعة، وألهمته أعمالًا في الطباعة والخزف، تحتفي بالبحر ومحيطه.
تؤكّد الأبحاث أيضًا أهمّية هذا الدور، إذ تشير إلى أنّه عندما يتلوث المحيط، تتوقّف الحيتان عن الغناء، ومع هذا الصمت المقلق نفقد جزءًا من أنفسنا ومن عالمنا.
ويؤكّد سانسيس قائلًا: "إنّ الأمل موجود بناء على بعض الأمثلة الناجحة، فهناك حيتان ارتفع أعدادها مثل الحيتان الحدباء بعد أن طوّقت بعناية مشدّدة، وهذا يثبت أنّ التدخّل الجادّ يمكن أن يُحدث فارقًا".
ولعلّنا نتأمل نِعمَ الماء بكل أشكاله، ونستمع للحكايات التي يخبئها في جعبته، فكل كلمة قيلت بقربه لها أثرها الإيجابي أو السلبي عليه، من صفاء أو اعتكار.
رجاؤنا أن يكون الماء صافيًا هادئًا دومًا، ليعيد استقبال الألحان الشافية لكل الكائنات الحية.

'أو، الحوت.' جوس سانسيس. 2019–2020. يعرض هذا القسم نهاية العمل الفنّي الضخم الذي يجسّد الحوت المهيب ويبلغ قياسها تقريبًا 4×15.5 مترًا (119 لوحة، 5 × 7.5 سم). بإذن من الفنان.


