نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

أوجه عديدة للشيء نفسه
فنان الغلاف:

أوجه عديدة للشيء نفسه

أوجه عديدة للشيء نفسه

'صيد غير معاش 29.' محمد بنوي. 2026. ألياف زجاجية وخشب، 140x140سم. بإذن من الفنان.
 

بقلم روان طلال
June 30th, 2026
"سطح الماء ليس سطحًا هادئًا كما يبدو، بل طبقة حساسة بين الحاضر والذاكرة، مكان يمكن أن يطفو فيه ما ظنّناه مفقودًا، أو ما لم نعد قادرين على تسميته".
– الفنان محمد بنوي

 

لطالما كان للماء في الثقافات الإنسانية معانٍ وأوجه مختلفة، فهو أصل الحياة، ووسيلة للتطهير في النصوص الدينية والفلسفات القديمة، ورمز للتحوّل المستمرّ في الفيزياء والفلسفة، ومادّة خام للتأمّل وإعادة تشكيل المعنى في الفنون. وتتجلّى طبيعة الماء المتحوّلة ما بين مقولة هيراقليطس الشهيرة: "لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين"، وأعمال الفنان المصري محمد بنوي، التي لا يظهر فيها الماء بوصفه عنصرًا بصريًّا فحسب، بل حالة من التدفّق المستمرّ بين الذاكرة والمتخيّل. 

في هذا الحوار نقترب من تجربة الفنان التشكيلي محمد بنوي، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة، والأستاذ بكلية الفنون الجميلة، لنكتشف عالمه الفنّي وفلسفته، وما يعنيه الماء داخل أعماله. 

محمد بنوي. بإذن من الفنان. 
س1: ماذا يمثّل لك الفنّ؟

لا يعدو الفنّ أن يكون محاولة لاختزال العالم؛ إنّه اللغة البديلة التي نتحدّث بها حين تعجز الكلمات عن الوصف والتعبير، الجسر العابر للقارات والثقافات، والذي يمنح كلّ إنسان الحقّ في صياغة روايته الخاصة للعالم.

يتحرّك الفنّ بين الإحساس، والخيال، والحرّية. فهو تارةً سيمفونية، وتارةً لوحة أو حتى ومضة فكرية، لكنّه في جوهره يظلّ صدى لما نعيشه، وانعكاسًا لما نشعر به.

وهو الملاذ الآمن الذي نلوذ به هربًا من رتابة الواقع وقسوته، وأداة مواجهة تمكّننا من تحدّي الحقيقة، وفهم أعماق النفس البشرية. مرآة سحرية لا تعيد عرض صورنا كما هي، بل تجعلنا نرى أنفسنا والعالم من زوايا لم نكن لنتخيّلها أبدًا.
 

'تفصيل 1 من صيد غير معاش 24.' محمد بنوي. بإذن من الفنان. 
س2: كيف تصف أسلوبك الفنّي؟

أسلوبي الفنّي قائم على التجريب الحرّ والتشكيل المستمرّ، حيث يشكّل التجريب جزءًا أساسيًّا من عملي، سواء على مستوى الشكل أو التقنية. أعمل على تفكيك العلاقات التقليدية بين الموادّ، وإعادة تركيبها، ما يمنح كلّ عمل طابعًا جديدًا ناتجًا عن تفاعل الخامات مع الفكرة. بالنسبة لي، العمل الفنّي ليس نتيجة نهائية بقدر ما هو عملية مستمرّة من الاكتشاف والتطوير.

 

'صيد غير معاش 14.' محمد بنوي. 2026. ألياف زجاجية وخشب، 130x150سم. بإذن من الفنان. 
س3: ما بين الفسيفساء والنحت المجسّم، كيف تحدّد الوسيط المناسب لكلّ فكرة؟ وهل تشعر أنّ أحدهما يعبّر عنك أكثر من الآخر؟

إذا كانت الفكرة قائمة على التفكيك والتركيب، والزمن، أو تعددية الرؤية، فالفسيفساء تصبح خيارًا قويًّا. لأنّها بطبيعتها مبنية من أجزاء صغيرة تتجمّع لتكوين معنى أكبر، وفيها إحساس بالتراكم والصبر، وأحيانًا الذاكرة. أمّا إذا كانت الفكرة تتطلّب حضورًا جسديًّا مباشرًا، كتلة، ظلًّا، وعلاقة مع الفراغ، فالنحت المجسّم يكون الأنسب. النحت يفرض نفسه في المكان، ويمكن للمشاهد أن يدور حوله، ويختبره من زوايا متعدّدة.

هناك أيضًا جانب حسّي مهمّ: الفسيفساء أقرب إلى العمل السطحي، حتى لو كانت بارزة قليلًا، وتعتمد كثيرًا على الضوء واللون. النحت المجسّم يعتمد على الحجم والوزن والملمس، وعلى الحوار بين الكتلة والفراغ. أمّا عن التعبير الشخصي فأنا لا ألتزم بوسيط واحد بشكل دائم.

لكن الأهمّ ليس السؤال "أيّهما يعبّر عنّي أكثر؟" بقدر ما هو "أيّهما يخدم هذه الفكرة الآن؟" أحيانًا الفكرة نفسها تفرض وسيطها، وأحيانًا التجريب هو الذي يكشف الطريق.

وعندما أفكّر في الاختيار بين الفسيفساء والنحت المجسّم، لا أتعامل معهما كخيارين متكافئين تمامًا، لأنّني أشعر بانجذاب عميق نحو الفسيفساء. بالنسبة لي، ليست مجرد تقنية، بل طريقة لرؤية العالم نفسه. الفسيفساء أقرب إلى لغتي الفنّية، لأنّها تقوم على فكرة أنّ المعنى لا يولد من عنصر واحد، بل من اجتماع أجزاء متفرّقة قد تبدو بسيطة، لكنّها حين تتجاور تخلق صورة أكثر عمقًا وتعقيدًا. أنا لا أضع القطع فقط، بل أحاول أن أستعيد هذا النظام الكوني، كيف تتجاور الاختلافات، وكيف يصنع التناقض انسجامًا. مع ذلك، لا أرى النحت المجسّم كخيار بعيد عنّي، بل ألجأ إليه عندما تتطلّب الرؤية حضورًا مجسّدًا مباشرًا، أو عندما تحتاج الفكرة إلى كتلة تشغل الفراغ، وتدخل في حوار حيّ مع المكان والمتلقّي. في هذه اللحظات، يصبح النحت ضرورة، لا مجرد بديل.
 

'صيد غير معاش 16.' محمد بنوي. 2026. ألياف زجاجية وخشب، 141x149سم. بإذن من الفنان. 
س4: ماذا يعني لك الماء؟ ولماذا يحضر بشكل واضح في أعمالك الفنّية الأخيرة؟

الماء بالنسبة لي ليس مجرد عنصر طبيعي، بل حالة شعورية، وفكرة مفتوحة، تجمع بين التغيّر والاستمرارية، وبين الصفاء والعمق المجهول.

حضوره في أعمالي الأخيرة مرتبط بقدرته على التعبير عن حالات داخلية، وعلى فتح مفاهيم مثل الذوبان، والتلاشي، والانبعاث، بما يعكس فكرة الهوية المتحوّلة.

بصريًّا، يمنح الماء العمل حياة متحرّكة، كأنّه يبقي الصورة في حالة تدفّق مستمرّ. باختصار، الماء في هذه المرحلة ليس موضوعًا، بل لغة. الماء بالنسبة لي ليس مجرد عنصر طبيعي، بل هو سطح للرؤية قبل أن يكون مادّة، ومساحة مفتوحة بين الذاكرة والغياب.
 

'صيد غير معاش 26.' محمد بنوي. 2026. ألياف زجاجية وخشب. 140x100سم. بإذن من الفنان. 
س5: في معرضك (رحلات صيد لم أعشها)، يبدو العنوان محمّلًا بمفارقة بين التجربة والخيال. حدّثنا عن هذا المعرض.

في معرضي الأخير (رحلات صيد لم أعشها) من سطح الماء انطلقت الرحلة على متن مركب، بحثًا عمّا فقدناه، أو عن إمكانية استعادة اتصال بالماضي عبر الحركة فوق الماء. هذا السطح ليس ثابتًا، بل يتحول إلى مجال تتقاطع فيه الذاكرة مع التخييل، وكأنّ كلّ عبور هو محاولة للقبض على أثرٍ بعيد مفقود عن حلم لم يُعش.

على هذا السطح تظهر عناصر مرصّعة فيه كفسيفساء هندسية لأشكال مجردة؛ تتشكّل أحيانًا في سياق وقالب أقرب للفسيفساء الإسلامية، او كأسراب أسماك، أو كأحجار كريمة، أو شظايا ذهب، لكنّها تبقى معلّقة بين الواقع والإيحاء، كعلامات لشيء يتكشّف، ولا يُحسم.

بهذا المعنى، يصبح سطح الماء في أعمالي ليس مجرد موضوع بصري، بل بنية للبحث عن الغياب، وعمّا يمكن أن يطفو من الذاكرة إلى الضوء.

الماء حاضر في أعمالي بوصفه مساحة للغياب بقدر ما هو حضور. في معرضي الأخير، عدت إلى البحر لا كصيّاد، بل كمستمع. فشلت محاولاتي المتكرّرة في الصيد، ولم أملك الوقت الكافي لأخوض التجربة كما ينبغي، فبقيت على الهامش أجمع الحكايات.

رحلات الصيد التي لم أشارك فيها، عشتها من خلال روايات الأهل والأصدقاء؛ تفاصيل تُنقل، ذاكرة مُعارة، وصور تتشكّل في الذهن أكثر ممّا تُرى. بهذا المعنى، لم يكن البحر مكانًا، بل سردًا يتكوّن من أصوات الآخرين.

أعمالي تحاول أن تلتقط هذا التوتّر بين التجربة والخيال، بين ما يُعاش وما يُروى. الماء هنا ليس موضوعًا بصريًّا فقط، بل وسيطًا للإنصات، ومرآة لذاكرة لم تكن لي بالكامل، لكنّها أصبحت جزءًا منّي.
 

'تفصيل 1 من على الشاطئ 19.' محمد بنوي. بإذن من الفنان. 
س6: ما بين تدريس الفنّ وممارسته، كيف يؤثّر كلّ منهما في الآخر؟ وهل غيّرت تجربة التعليم نظرتك لدور الفنان؟

بين التدريس وممارسة الفنّ توجد علاقة تبادلية أكثر من كونها مسارين منفصلين. الممارسة تمنحني الأسئلة، بينما التدريس يجبرني على إعادة تفكيك هذه الأسئلة بصياغات أبسط، وأكثر وضوحًا، وكأنّني أعود إلى جوهر الفكرة كلّ مرة من زاوية مختلفة.

في الاستوديو، أشتغل بدافع حدسي وتجريبي، لكن في قاعة الدرس أضطرّ إلى شرح ما هو غير مرئي: لماذا تتشكّل الفكرة؟ وكيف تتحول إلى صورة؟ هذا يخلق مسافة نقدية مع العمل، ويزيد من وعيي بالقرارات البصرية والفكرية التي أتخذها.

بشكلٍ آخر، أستطيع القول إنّ تجربة التعليم غيّرت نظرتي لدور الفنان؛ فلم يعد مرتبطًا بالإنتاج فقط، بل بفتح طرق للرؤية والتفكير. 
 

'صيد غير معاش 3.' محمد بنوي. 2026. ألياف زجاجية مع خشب، 141x149سم. بإذن من الفنان. 
س7: نجد أنّ البيئة والثقافة المصرية حاضرة في أعمالك، فماذا أضافت لك؟ وكيف أثّرت في تجربتك؟

حضور البيئة والثقافة المصرية في أعمالي ليس عنصرًا إضافيًّا بقدر ما هو جزء من البنية البصرية والفكرية التي أعمل من خلالها. نحن – المصريين - مرتبطون بطبقات متعدّدة من التاريخ والثقافة، من الحضارة المصرية القديمة إلى تنوع البيئة المعاصرة، وهذا الامتداد ينعكس بشكل طبيعي في طريقة التفكير والتشكيل الفنّي.

في أعمالي يظهر هذا الارتباط كنوع من إعادة قراءة لاستخدام الرموز، وليس استنساخها، لأنّني لا أتعامل مع هذا الإرث كمرجع تاريخي مغلق، بل كمساحة مفتوحة للتأويل وإعادة البناء، حيث تمتزج الرموز القديمة بحسّ بصري معاصر، لتكوين لغة شخصية تستفيد من العمق الحضاري دون أن تتقيّد به.



 

'تفصيل 1 من صيد غير معاش 16.' محمد بنوي. بإذن من الفنان. 
س8: ما الذي لا يستطيع الفنّ قوله بالنسبة لك؟

الفنّ قوي فيما يمكن أن يلمّح إليه، أو يتركه مفتوحًا، لكنّه لا يستطيع أن يقول الحقيقة بشكل مباشر أو نهائي. هو لا يقدّم إجابة مكتملة، بل يخلق حالة من الاقتراب من المعنى دون امتلاكه بالكامل.

هناك أيضًا أشياء يظلّ الفنّ عاجزًا عن الإمساك بها بشكل كامل، مثل التجربة الداخلية الخالصة، يمكنه أن يحاول ترجمتها، أن يفتح لها شكلًا بصريًّا أو شعوريًّا، لكنّه لا ينقلها كما هي.

هو مساحة للغموض أكثر من كونه مساحة للتصريح. هو لا يقول كلّ شيء، بل يترك ما لا يمكن قوله حاضرًا بشكل غير مباشر، وهذا الصمت أو النقص المقصود هو جزء أساسي من قوته.
 

'على الشاطئ 11.' محمد بنوي. 2021. ألياف زجاجية وخشب، 150×140سم. بإذن من الفنان. 
س9: ماذا تأمل أن يرى، أو يشعر به الجمهور عند مشاهدة أعمالك؟

أتمنّى ألّا يتعامل الجمهور مع الأعمال كمنظر بحري، أو مشهد جميل فقط، بل كمساحة دخول إلى حالة بحث داخلية، أن يشعروا أنّ سطح الماء ليس سطحًا هادئًا كما يبدو، بل طبقة حساسة بين الحاضر والذاكرة. مكان يمكن أن يطفو فيه ما ظنّناه مفقودًا، أو ما لم نعد قادرين على تسميته. أريدهم أن يتبعوا إحساس “الرحلة” أكثر من فكرة الوصول؛ كأنّهم على متن مركب يتحرّك فوق شيء غير ثابت، لكن مألوف في الوقت نفسه.

كما أتمنّى أن تثير العناصر التي تظهر كفسيفساء هندسية، تلك الأشكال التي تتأرجح بين كونها أسماكًا أو أحجارًا كريمة أو كنوزًا، نوعًا من التردّد البصري: هل هي أشياء حقيقية أم آثار ذاكرة؟ هذا التردّد هو جوهر التجربة بالنسبة لي.

في النهاية، ما أطمح إليه هو أن يخرج المشاهد بشعور بأنّ الماء ليس خارج اللوحة فقط، بل داخلها أيضًا: كحالة تفكير، وكمكان محتمل لاستعادة ما لا يمكن استعادته بشكل مباشر، بل عبر الإحساس.
 

'صيد غير معاش 24.' محمد بنوي. 2026. ألياف زجاجية مع خشب، 120x120سم. بإذن من الفنان. 
استمتعوا بالمزيد من أعمال الفنان محمد بنوي الرائعة:
إعادة تعيين الألوان