جوهر الماء في الأدب
'فن الحيوان الزخرفي [Das Thier in der Dekorativen Kunst]'، أنطون سيدر. 1896. المصدر: مراجعة الملكية العامة.
لعلّ أقدم إيقاعات الأدب نشأت من عمق صلتنا بالماء، إذ تمثّل ترانيم الاستمطار أقدم الأشكال الأدبية المسجَّلة، فالعديد من أناشيد وقصائد مصر القديمة وبلاد الرافدين كانت تناشد الآلهة أملًا في أن تجود عليهم بالمطر.
ويبدو أنّ الحكايات الأولى انتقلت على سطح الماء، فالبحّارة نقلوا القصص من مجتمع إلى آخر. ومن اللافت أنّ اثنتين من أشهر السرديات المتخيَّلة "روبنسون كروزو" لدانيال ديفو، و"حي بن يقظان" لابن طفيل، تدوران حول جزيرةٍ معزولة.
وقد شكّل كلٌّ من البحر والمطر خلفيةً صوتيةً للعديد من الأعمال الأدبية العظيمة، من مسرحية "الليلة الثانية عشرة" لشكسبير في القرن السابع عشر، التي تكرّر عبارة: "مع هيه، هوه، الريح والمطر"، إلى "أنشودة المطر" لبدر شاكر السياب في القرن العشرين، حيث يعود إلى اللازمة: "مطر / مطر / مطر".
إضافة إلى ذلك، يلعب الماء دورًا جديدًا في أدب القرن الحادي والعشرين، في ظل ما يفرضه تغيّر المناخ من تهديدات متزايدة سواء أكان من الفيضانات أم من الجفاف. ومن هنا، نرتحل عبر المشهد المائي، من المطر المنهمر من السماء إلى وحشة الأعماق السحيقة للمحيط.
محطّتنا الأولى هي نظرةٌ علمية إلى الحياة البحرية. على الرغم من أنّ كثيرين منّا يعرفون أنّ المحيطات تغطّي نحو 70% من سطح الأرض، فإنّ هذا الكتاب يذكّرنا بأنّ أكثر من 99% من الحيّز الصالح للعيش في العالم يقع تحت الماء. مع ذلك يظلّ هذا العالم، بالنسبة لأولئك الذين يعيشون فوق السطح، لغزًا إلى حدٍّ بعيد.
هذا الكتاب حلقة من سلسلة "مقدّمة قصيرة جدًّا" الصادرة عن مطبعة جامعة أكسفورد، يقدّم عرضًا واضحًا وضروريًّا لأشكال الحياة المتنوّعة في المحيطات والبحار، إضافة إلى الكيفية التي ترتبط بها أعماق المحيط بحياتنا اليومية.

على الرغم من أنّ المحيطات "لطالما شكّلت حياة البشر" - كما كتبت هيلين سكيلز - فإنّ معرفتنا تبقى هزيلة حول أعماقها، فحتى وقتٍ غير بعيد، كان الإنسان يعتقد أنّه لا وجود للحياة في الأعماق السحيقة تحت سطح البحر، أمّا اليوم فقد بات من المعروف أنّ أعماق البحار المظلمة تُؤوي "عددًا لا يُحصى من أشكال الحياة التي تفوق الخيال".
وتقدّم سكيلز مدخلًا مبسّطًا إلى هذه الكائنات، بكلّ غرابتها التي تبدو أقرب إلى عوالم أخرى، إلى جانب نظرةٍ في الكيفية التي تؤثّر بها هذه المنظومات النائية في حياتنا اليومية.

يمكنك أن تسمع إيقاع قطرات المطر في كلّ زاوية من هذا الكتاب الصادر عام 2025، "مختارات المطر". تستعرض هذه المجموعة التحوّل السحري الذي يميّز المطر: "حين يتحوّل الهواء إلى ماء، والماء إلى هواء". هنا نرى المطر في تجلّياته المتعدّدة، ونشعر بمزيجٍ من الدهشة، والشغف العلمي، كما في القصيدة التي تحمل عنوان الكتاب، حيث تطارد قطرات المطر بعضها بعضًا نحو الأرض: "في مرور قطرةٍ واحدة / تكتسب سرعة، قطرة / تطارد أخرى، تسابقها".

تُعدّ "أنشودة المطر" لبدر شاكر السيّاب، التي نُشرت لأول مرة عام 1960، واحدةً من أعظم قصائد القرن العشرين. فهي تمزج الأسطورة بالغناء، وتستوعب إيقاعات المطر، ودورات الحياة الإنسانية. وتستدعي اللازمة "مطر، مطر، مطر" أهازيج الفلّاحين الشعبية، كما تعكس في الوقت ذاته دوامات الحزن:
أتعلمينَ أيَّ حُزْنٍ يبعثُ المَطَرْ؟
وَكَيْفَ تَنْشجُ المزاريبُ إذا انْهَمَرْ؟
وكيفَ يَشْعُرُ الوَحِيدُ فِيهِ بِالضّيَاعِ؟
بِلا انْتِهَاءٍ كَالدَّمِ الْمُرَاقِ، كَالْجِياعِ،
كَالْحُبِّ، كَالأطْفَالِ، كَالْمَوْتَى هُوَ الْمَطَرْ!

على الصعيد العالمي، شهدت علاقتنا بالبحر تحوّلًا جذريًّا خلال القرن الماضي. وتُرينا رواية "النجدي" كيف انعكست هذه التغيّرات على الكويت على وجه الخصوص.
تدور الحكاية الأساسية في فبراير 1979، حين خرج بطل الرواية، القبطان المسنّ علي النجدي، في رحلة صيدٍ مع أصدقائه، ليجد نفسه في خضمّ عاصفةٍ مميتة. لكن الرواية تعود بنا أيضًا عبر ذاكرته إلى بدايات القرن العشرين، حيث تقارن بين مباني الكويت الإسمنتية في أواخر السبعينيات، وحياة النجدي البحرية المفعمة بالمغامرة في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته.

يُعدّ الروائي العُماني زهران القاسمي أحد أبرز المؤرّخين الأدبيين لقوة حضور الماء في حياة الإنسان والمجتمعات. هذه الرواية - الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2023 - مشبعة بتاريخ "الأفلاج"، وهو نظام ريٍّ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة القروية في عُمان.
بطل هذه الرواية ذو حسٍّ إنساني رقيق، يتتبّع مصادر الماء في أعماق الأرض، وخلال ذلك يكتشف أنّ الماء لا يمنح الحياة فحسب، بل يسلبها أيضًا.

رواية أخرى للروائي العُماني زهران القاسمي، يحتلّ النحل صدارة المشهد، عزّان (وهو مُربّي نحل في ريف عُمان)، يربّي النحل، ويتتبّع مساراته في البرّية.
ومع مرافقتنا له عبر هذه اللوحة الرقيقة من المشاهد الطبيعية العُمانية، نتلمّس قوة الماء، سواء في العواصف المطرية العنيفة التي تجرف مناحله، أو في البرك الجبلية التي تجذبها، وتستقطبها.

تقدّم لنا هذه الرواية علاقةً معقّدة بين الماء والعنف، حيث يتخطّى النهر الطبيعة ليصبح فضاءً مشبعًا بآثار الحرب وندوبها. وتكشف الرواية، من خلال منظورها الإنساني الحادّ، كيف تتقاطع حياة الناس اليومية مع تحوّلات العنف السياسي والاجتماعي، وكيف يمكن للماء أن يحمل في طيّاته ذاكرة الفقدان والنجاة في آنٍ معًا.
تدور أحداث هذه الرواية الواقعية السحرية في ثمانينيات القرن الماضي، خلال حرب إيران والعراق، حيث تأخذنا إلى جنوب شرق العراق، على ضفاف شطّ العرب. هناك، وبسبب جيوش الحرب المتحاربة، ذبلت أشجار النخيل، وهجر الناس والحيوانات المكان. مع ذلك تبقى امرأة عجوز تُدعى أمّ قاسم، برفقة حمارها الوفي "بشارة الخير"، هي من تخاطر بحياتها لإصلاح مجرى النهر، وإنقاذ بقعة من أشجار النخيل، ومجتمع من الضفادع، وكائنات أخرى عطشى. هنا يتبدّى لنا أنّ الماء يتجاوز كونه مجرد حاجةٍ بشرية إلى كونه شرطًا لحياة منظومةٍ كاملة من الكائنات.

في هذا السرد النادر الشبيه بالسيرة الذاتية، لمهاجرٍ يعبر البحر المتوسّط، يروي قصة رجلٍ جزائري يتظاهر بأنّه من الجنسية السورية محاولًا الوصول إلى حياةٍ جديدة، ومسارٍ مهنيّ في أوروبا. يقدّم كتابه وصفًا تفصيليًّا لتجربته، إذ ينجو من أهوالٍ متعدّدة في البحر: من الأحوال الجوّية العنيفة، وجشع المهرّبين، إلى قسوة الشرطة وتعاملها اللّا إنساني.

تسرد هذه الرواية البديعة والمروّعة في آنٍ واحد مسار مهاجرٍ إريتري يُدعى عبدار، يبدأ أولًا بعبور "بحر" الصحراء الكبرى، وهو بحرٌ من نوعٍ آخر، تتجلّى خطورته في غياب الماء نفسه، ثمّ يعبر البحر الأبيض المتوسّط، حيث تكمن الخطورة في وفرة الماء لا في ندرتِه.
رواية تسرد الإيقاع السريع، والانتظار القَلِق في وقت واحد؛ نلازم عبدار في رحلته، وهو يتأرجح بين الأمل والرعب، بين الاندفاع والتروّي. كأنّها تذكيرٌ صارخ مفاده أنّ عبور البحر في بعض حالات عصرنا الحديث لا يقلّ خطورة عمّا كان عليه قبل ألف عام.

في هذا العدد، يحضر البحر بوصفه فضاءً للمتعة، ومسرحًا لعنف صادم في الوقت ذاته. وإلى جانب نصوصٍ شعرية وسردية معاصرة تتناول الحياة على البحر وبجانبه، يضمّ العدد نماذج من شعر الملحون المغربي الذي يتغنّى به البحّارة، ومجموعة من مفردات لغة القراصنة الكلاسيكية، إضافة إلى قراءة في حضور البحر في أدب الطفل العربي الكلاسيكي.
كما يتضمّن قصائد لكلٍّ من رامي العاشق، ونازك الملائكة، ووديع سعادة، وغيرهم، إلى جانب أعمال سردية لمحمد الحاج، وطالب الرفاعي، ونجوى بن شتوان.

المطر نعمةٌ ونقمة، ومنبع للرزق والجمال كما هو مصدرٌ للخطر والبؤس. يحتفي هذا العدد بالوجوه المتعدّدة للمطر، وبإيقاعاته وقوّته لدى الشعراء، وكتّاب القصة القصيرة، والكتّاب المجهولين.
في محور العدد، تعود سلمى هارلند بالقرّاء إلى أقدم طبقات الأدب العربي في مقالها "الاستمطار: آلهة المطر في الجزيرة العربية قبل الإسلام". في المقابل يتناول طيفٌ واسع من الروائيين والشعراء القوة الدافعة للمطر، من بينهم الشاعرة المغربية-الهولندية نسرين مباركي، والشاعران السعوديان محمد التركي وأشجان هندي، والشاعر البحريني وائل المهدي الذي يكتب عن "أنشودة المطر" الخالدة لبدر شاكر السيّاب، وما أثارته من حضورٍ شعري لا يُنسى.

لقراءة المزيد من الكتب، يرجى زيارة مكتبة إثراء، وموقع أراب لِت.


