نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

سلطانة البحار: أول بعثة دبلوماسية عربية في العالم الجديد
إسقاطات فنيّة:

سلطانة البحار: أول بعثة دبلوماسية عربية في العالم الجديد

سلطانة البحار: أول بعثة دبلوماسية عربية في العالم الجديد

'بورتريه لأحمد بن نعمان.' إدوارد ل. موني. 1840. ألوان زيتية على الكانفاس. بإذن من متحف بيبودي إسيكس (PEM).

 

بقلم حسن الباذر
June 30th, 2026
"منذ يوم الخميس الماضي، وصلت إلينا – نحن الأمريكيين – أعجوبة حقيقية في هيئة سفينة عربية... ترسو عند شارع ريكتور... وعند مرساها ازدحم الرصيف بالناس المتشوقين والمتدافعين لإلقاء نظرة على البحارة العرب، والخيول العربية على متنها، وكان الحشد كبيرًا إلى درجة استدعت وجود رجال الشرطة للحفاظ على النظام".
- جريدة نيويورك مورنينغ هيرالد، 5 مايو 1840.

في 30 أبريل 1840، احتشد سكان نيويورك على حافة الميناء، في انتظار مشهد غير مألوف. سفينة تقترب ببطء، ترفع رايات عربية، وتصل إلى شاطئ العالم الجديد. هكذا ظهرت "السلطانة" في الأفق بعدما تكبّدت عناء رحلة طويلة، لكن الترقّب سرعان ما تحوّل إلى مشهد لافت، حشود تتدافع نحو الأرصفة، بل صعد بعضهم على متن المركب المهترئ، رغبةً في رؤية البحّارة وهيئاتهم وملابسهم غير المعهودة.

على متن السفينة كان أحمد بن نعمان الكعبي (1784 – 1869)، مبعوث السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي (1791 – 1856)، سلطان مسقط وعُمان وزنجبار. رجلٌ بملامح هادئة، ونظرات حادّة تنبئ عن ثقله وكياسته، يظهر بعمامة زاهية، وقفطان داكن، تلمع على أطرافه خيوط الذهب. وما إن وطئت قدماه ميناء نيويورك حتى أعلن، بلغةٍ واضحة، أنّ ما وصلت به السفينة ليست مجرد تجارة عابرة، بل هي مهمّة دبلوماسية رسمية من سلطنة عُمان إلى الولايات المتحدة.

جاءت هذه المهمّة في سياق تعزيز العلاقات، وذلك عقب معاهدة الصداقة والتجارة بين الولايات المتحدة وعُمان التي عقدت في عام 1833، وهي من أقدم الاتفاقيات التي جمعت الولايات المتحدة بدولة عربية. غير أنّ جذور العلاقة أقدم من ذلك، إذ بدأت في البحر حين أسهمت قوات عُمانية في نجدة سفينة أمريكية قرب أحد سواحل المحيط الهندي، فمهّد ذلك لمرحلة من التفاهم والتبادل. وقد منحت المعاهدة لاحقًا التجار الأمريكيين امتيازات جمركية تفضيلية في الموانئ العُمانية الممتدّة من السواحل العربية إلى شرق إفريقيا.

لم تكن رحلة "السلطانة" وليدة المصادفة، فقد أبحرت السفينة، وهي ثلاثية الصواري، وعلى متنها أكثر من خمسين رجلًا، من مسقط أواخر عام 1839 بعد إعادة تجهيزها في بومباي، وتوقّفت في زنجبار لتحميل مزيد من البضائع قبل أن تمضي عبر المحيط المفتوح.، وكانت حمولتها تعكس اتساع شبكة التجارة العُمانية: قرنفل زنجبار، وعاج شرق إفريقيا، وتمور عُمانية، وبُنّ يمني، ومنسوجات فارسية.

ولأنّ قناة السويس لم تُفتتح إلّا بعد الرحلة بعقود في عام 1869، اضطرّت السفينة إلى الإبحار حول رأس الرجاء الصالح، متوقفةً في سانت هيلينا، لتصل إلى نيويورك بعد رحلة استغرقت 87 يومًا. وقد أثار وصولها اهتمامًا واسعًا؛ فمع تناقل الصحف أخبارها، تزايدت أعداد المتجمهرين، وتحول الميناء إلى ساحة لقاء تتجاور فيها الدهشة مع حضور دبلوماسي رصين.

لم تصل "السلطانة" فارغة اليدين، فقد حملت هدايا موجّهة إلى مارتن فان بيورين، رئيس الولايات المتحدة الثامن، شملت خيولًا عربية ولآلئ من الخليج، وسجادًا فارسيًّا فاخرًا. كانت هذه الهدايا تعبيرًا عن المكانة والسيادة، وتقديمًا بروتوكوليًّا من قوة بحرية إلى أخرى. وقد أثار استقبالها نقاشًا في الكونغرس الأمريكي، حيث اصطدمت هذه المظاهر بتقاليد جمهورية تتحفّظ إزاء الرمزية الملكية.

أمّا مصير هذه الهدايا فيكشف مسارًا آخر، فقد عُرض عدد منها في «المعهد الوطني» بواشنطن، حيث جذبت اهتمام الجمهور بوصفها قادمة من بلاط بعيد وموغلٍ في التاريخ. ثمّ بيع بعضها في المزاد، فيما تعرّض بعضها الآخر- ومنها عقد اللؤلؤ - للسرقة قبل أن يُستعاد لاحقًا، ليستقرّ في نهاية المطاف ضمن مقتنيات مؤسّسة سميثسونيان.، وحتى بعد حفظها، ظلّت تحمل أثر الرحلة التي جاءت بها.

استُقبل المبعوث العُماني بحفاوة رسمية، وخضعت السفينة لأعمال صيانة قبل عودتها، وفي المقابل أُرسلت هدايا إلى السلطان سعيد، لتكتمل بذلك دائرة التبادل الدبلوماسي عبر البحار.
ربما خفّ حضور هذه القصة مع الزمن، لكنّها تذكّر بأنّ القرن التاسع عشر لم يكن حكرًا على التوسّع الأوروبي، بل شهد أيضًا حضورًا بحريًّا عربيًّا فاعلًا، فقد ربطت هذه الشبكات مسقط بزنجبار، والهند بشرق إفريقيا، وامتدّت حتى بلغت سواحل نيويورك. وفي عام 1840 لم تكن "السلطانة" مجرد سفينة عبرت المحيط، بل شكّلت لحظة لقاء بين عالمين، أدرك كلٌّ منهما امتداد الآخر.
 

إعادة تعيين الألوان