نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

ثنائية الخصب والجفاف: تجربة الإنسان في شبه الجزيرة العربية
ضيف العامود:

ثنائية الخصب والجفاف: تجربة الإنسان في شبه الجزيرة العربية

ثنائية الخصب والجفاف: تجربة الإنسان في شبه الجزيرة العربية

الصرخة الهادئة للمراكب الشراعية المستدامة في مواجهة المدن المتنامية من الطوب والإسمنت، فيما ينتظر أحد المراكب ترميمه في ساحة خردة السفن الشراعية بالمحرّق. تصوير: هشام العمال، بإذن من الفنان. 

 

بقلم زهران القاسمي
June 30th, 2026

 

في هذا الامتداد الصحراوي الجافّ، عاش بشر ما زالوا منذ القدم يتشبّثون بالمكان، على الرغم من قسوة الحياة فيه، مكان قاحل على مدار السنة، تصل درجات حرارته في الصيف إلى ما فوق الخمسين درجة مئوية أحيانًا، إلّا أنّ الإنسان استطاع أن يتأقلم مع هذه الظروف، وأن يستغلّها في صالحه. تتوقّف الأمطار أحيانًا لسنوات طويلة، تغيض الينابيع، ويقلّ منسوب تدفّقها تدريجيًّا، إلى أن تجفّ، وتتراجع مظاهر الحياة من حولها.

إنّ الناظر من أعلى إلى المكان الصحراوي يخيّل إليه أنّه لا توجد حياة في هذا الامتداد العظيم من الرمال الذهبية، أو تلك السلاسل الجبلية السوداء الصلدة والقاسية، لكن ما إنْ يتعمّق في تفاصيل المكان حتى تتغيّر لديه تلك القناعات، ليجد أنّه حتى في أكثر الأماكن قسوة على ظهر الأرض، هناك كائنات تعيش وقد تكيّفت معه.
 

تميّزت البحرين، عند انخفاض المدّ، بوجود أراضٍ رطبة ضحلة تزخر بالحياة البحرية، إلى جانب ينابيع المياه العذبة. تصوير: هشام العمال، بإذن من الفنان.  

 

ماذا لو جفّ النبع؟ ما الذي سيحدث للبشر المحيطين به؟ كيف ستكون حياتهم، ما الذي يحدث للنباتات والأشجار والحشرات والكائنات التي ارتبطت بذلك النبع؟ كلّ هذه الأسئلة تتكرّر دائمًا في سنوات الجفاف الشديدة، وعلى الرغم من ذلك نجد أنّ البشر ظلّوا يقاومون بضراوة أملًا في قدوم المطر وعودة الينابيع.

إنّ الهجرات الكبيرة التي حدثت تاريخيًّا من مناطق الجفاف إلى مناطق الخصب، أخذت معها أيضًا ثقافة الناس، وارتباطهم بتلك الأمكنة التي عاشوها، لذلك نجد أنّهم يطلقون على الأمكنة الجديدة التي يستقرّون فيها أسماء تلك الأمكنة والقرى والمرابع، حنينًا إلى تلك الذاكرة التي تشكّلت فيها حياتهم منذ القدم.

استطاع الإنسان أن يبحث عن الينابيع في الأرض القاحلة بما تعلّمه خلال السنين، حفر الكثير من الآبار في وسط الصحاري، وشقّ القنوات المائية والأفلاج، وأقام حولها القرى التي عاش فيها، واستمرّ يبحث في المخزون الجوفي للمياه مستعينًا بمعرفته البسيطة بتضاريس الأرض وطبقاتها، حتى طوّع ذلك المخزون لصالحه، وجلبه من أكثر الأماكن صعوبة إلى سطح الأرض، وصار يتدفّق سيالًا عذبًا، تشرب منه الكائنات، ويتغنّى به الشعراء متذكّرين حبيباتهم وهنّ يردْن الماء تحت نور القمر.
 

تُخلف مشاريع ردم البحر مساحاتٍ فارغة بالكامل، فيما تُلحق في الوقت ذاته ضررًا بالغًا بالنظم البيئية الهشّة والكائنات البحرية. تصوير: هشام العمال، بإذن من الفنان.  

 

الماء ليس موردًا للسقي فقط، إنّما نظام اجتماعي وثقافي يرتبط بعاداته وسلوكياته وأمانيه وأحلامه وطريقة عيشه، وتكوين المجتمع بطبقاته المختلفة. فالماء هو المكان، وهو الزمان، وهو الذي يحدّد أحوال العباد وأعيادهم ورخاءهم وشدّتهم، يرتبط بطقوسهم وأحزانهم، فهو نسغ الحياة والاستمرار.

في روايته (النهايات) يشرح عبد الرحمن منيف نفسية الإنسان البدوي المرتبط بقطيعه، وكيف تتغيّر سلوكياته بين وقت الخصب، ووقت الجفاف، فهو في أوقات الخصب يكون رجلًا مضيافًا كريمًا مكتفيًا، ولا يبيع شيئًا من قطيعه إلّا بالثمن الذي يقرّره هو، لأنّ لديه وفرة كبيرة من القطيع، وقد بدت عليه آثار النعمة واكتناز الأجسام، وترى الرجل يصرف بسخاء كلما ذهب إلى أحد الأسواق، وإذ تتغيّر الأحوال حتى تتبدّل الحال عليه، فيصير قلقًا ومتحفظًا، يبيع قطيعه بأيّ ثمن حتى لا يموت أمام عينيه من العطش وقلّة المرعى.

وعندما نطبّق ما ذكره منيف على التجربة الثقافية للإنسان في شبه الجزيرة العربية، سنلاحظ ذلك تاريخيًّا، حيث ازدهرت المدارس الفكرية والمعرفية في سنوات الخصب والوفرة، إذ تكثر التجارب والمدارس، ويزيد الوعي في الناس، بينما في سنوات القحط تكثر الخرافات، وينتشر الجهل، ويركن الإنسان إلى الاستسلام للموت، وتكثر الهجرات، وتموت الأمكنة مع معارفها السابقة.
 

التناقض بين الحداثة وخشب مركب شراعي يحتضر وهو يعود بهدوءٍ إلى البحر. تصوير: هشام العمال، بإذن من الفنان.  

من خلال الدراسات الأنثروبولوجية للبشر الذين عاشوا في هذه المنطقة، وكونوا حضارات عظيمة لم تعد تذكر الآن بسبب انهيارها، نجد أنّ البشر بعد أن عاشوا حياة الرخاء استطاعوا أن يتجاوزوا أيضًا حياة الشظف والقحط، لأنّهم يحملون في جيناتهم الطرق التي يمكن من خلالها أن يتحولوا سلوكيًّا ومعيشيًّا وثقافيًّا من هذه الحال إلى تلك، على الرغم من أنّ هذه التحولات تأخذ في طريقها الكثير والكثير من البشر، وما أنتجوا أيضًا، لكنّ القلّة الباقية تستطيع أن تبدأ من جديد لتستمرّ الحياة، ويبقى الإنسان على هامش تلك الحياة القاحلة منتظرًا ذلك الانهمار الذي سيملأ الأرض ثانية بماء الحياة، ليعود، ويعمّر ما دمّرته السنون، وكلما طالت فترة الخصب تناسى الإنسان ما حلّ به في سنوات القحط والموت.

 

شكر خاص للمصور الفوتوغرافي البحريني هشام العمال، الذي رافقتنا صوره في هذا المقال، والذي تستكشف أعماله التحولات الاجتماعية والبيئية والثقافية من خلال تقنيات تجريبية تناظرية وعمليات فوتوغرافية تاريخية. تتناول مشاريعه مفاهيم الأصالة والحداثة والقدرة على التكيّف، إلى جانب العلاقة المتشابكة بين المجتمع والبيئة في منطقة الخليج العربي.

زهران القاسمي شاعر وروائي عماني.

إعادة تعيين الألوان