نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

تجلّيات الماء في الشعر
كنوز عربية:

تجلّيات الماء في الشعر

تجلّيات الماء في الشعر

'بلا عنوان.' محمد ناجي، مصر. ألوان زيتية على كانفاس. هذا العمل الفني من مجموعة المقتنيات الدائمة في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة
 

بقلم عبير الديب
June 30th, 2026

يبرز الماء كسمة متكرّرة في شتى فروع الآداب والفنون، فإضافة إلى كونه عنصرًا من عناصر الطبيعة لا تستوي الحياة من دونه ولا تكون، فهو رمز متعدّد الدلالات والأبعاد في مختلف الثقافات والحضارات، ورمز للخصب والنماء، وفي حالات كثيرة يكون رمزًا للفناء والغرق. وقد استُخدم في حالاته الفيزيائية المختلفة، فهو النهر والبحر والغيم والمطر والثلج والجليد وغيرها الكثير. هذه الأبعاد الدلالية العميقة والمتعدّدة للماء جعلت منه معينًا لا ينضب للشعراء، وهو ما يتّضح من خلال أمثلة وشواهد كثيرة في الشعر العربي والعالمي.
 

حضور الماء في الشعر العربي

لطالما ارتبط العرب بالماء ارتباطًا وجوديًّا في ظلّ ظروف الصحراء القاسية، ويعدّ المطر والسحب التي تحمله أيقونة الماء في ثقافتهم وشعرهم، إلى حدّ استخدامه دعاء في حالات الحزن والفرح، ومنه قول النابغة الذبياني:

سَقى الغَيثُ قَبرًا بَينَ بُصرى وَجاسِمٍ       بِغَيثٍ مِنَ الوَسمِيِّ قَطرٌ وَوابِلُ
وَلا زالَ رَيحانٌ وَمِسكٌ وَعَنبَرٌ          عَلى مُنتَهاهُ ديمَةٌ ثُمَّ هاطِلُ

 كما استُخدم الظمأ لوصف الشوق الشديد للمحبوبة، ومنه أبيات تُنسب لقيس بن الملوّح في وصف ظمئه لمحبوبته:
 
كأَنّي غَداةَ البَينِ مَيِّت جوبَة     أَخو ظَمَأٍ سُدَّتْ عَلَيهِ المَشارِعُ
 تَخَلَّسَ مِن أَوشالِ ماءٍ صُبابَةً       فَلا الشُّربُ يرويهِ وَلا هُوَ ناقِعُ

 

وتكاد لا تخلو قصيدة في العصر الجاهلي، أو في صدر الإسلام إلّا واستخدم فيها الماء كرمز متعدّد الأغراض يأتي بحسب ما يريد الشاعر له أن يكون.

'رجل مع حصان يقفان بالقرب من البحر الميت.' بإذن من مكتبة الكونجرس. 
الماء مقابل النار

ومع تقدّم الزمن وتطور الدلالات اللغوية بقي الماء محافظًا على مركز الصدارة في الاستخدام ضمن قصائد الغزل، كقول الشاعر أحمد الكيواني في قصيدته العذبة: بالذي أسكرَ مِنْ عَذْبِ اللمى، واصفًا يد حبيبته بالماء الذي يطفئ لهب الشوق:

ضَعْ على صدريَ يمناكَ فما         أجــدرَ الماءَ بإطفاءِ اللهبْ

ثمّ قول أدونيس في سياق آخر من المقابلة بين الماء والنار في قصيدة بعنوان "لون الماء": 

لونُكَ لونُ الماءِ يا جَسَدَ الكَلامْ
حينَ يكونُ الماءْ خميرةً أو صاعقًا أو نارْ
وَاشْتعَلَ الماءُ وصارَ صاعقًا وصارْ.. خميرةً ونارْ
 

تجلّيات الماء في الشعر العربي الحديث

في الشعر العربي الحديث والمعاصر يتجاوز الماء كونه عنصرًا من عناصر الطبيعة، ليتحول إلى نسيج معقّد ومرآة تعكس أعماق الذات الإنسانية، إذ يحمّله الشعراء دلالات وجودية ونفسية ووطنية ثرية، ويقدّمون من خلاله حالة داخلية يعبّرون فيها عمّا يمور به وجدانهم من حزن أو حنين أو ألم وضياع، كقول بدر شاكر السياب في قصيدته أنشودة المطر:

أتعلمينَ أيَّ حُزْنٍ يبعثُ المَطَرْ؟
وَكَيْفَ تَنْشجُ المزاريبُ إذا انْهَمَرْ؟
وكيفَ يَشْعُرُ الوَحِيدُ فِيهِ بِالضّيَاعِ؟

 

أمّا محمود درويش فيستحضر في قصيدته "نهر يموت من العطش" معاناة الإنسان الذي أنهكه الاغتراب والقلق الوجودي من خلال مفارقة مؤلمة، فالنهر، أحد رموز الخصب والحياة، يموت عطشًا في أرضه نتيجة اختلال ميزان العدل، فيقول:  

كانَ نهرًا لهُ ضفّتان.. وأُمٌّ سماويّةٌ أرضعتهُ السحابَ المُقَطَّر
لكنهم خطفوا أُمَّه... فأصيبَ بسكتةِ ماء
وماتَ.. على مهله عطشًا 

'خليج أوري، برونين.' جون سينجر سارجنت. 1870. بإذن من متحف متروبوليتان للفنون. 


وعند قاسم حداد يصبح الماء عنوانًا لقصيدة يقول فيها مجسّدًا الغياب الذي يتركه تائهًا في صحراء الانتظار: 

اتكأَ على تعبِ الانتظار. لا المطرُ لهُ ولا النهر. 

جسدٌ أكثرُ رهافةً من الولع...

اتكأتُ على ماءٍ. تعبتُ، انتظرتُ، وتعبتُ. تعبتُ..

. يا سيدَ التيهِ تُهتُ.

 

وفي حين يستسلم سعدي يوسف للماء في قصيدته "الرحلة" التي يقول فيها: 

سيأخذُني الماءُ.. تأخذُني، مثلَ ما أتَمَنّى، السماءُ. سأمضي إلى حيثُ لا أنتهي...


نجد أنّ نزار قباني يحاول مقاومة تيار الحبّ الجارف الذي يصوّره غرقًا في "رسالة من تحت الماء" فيقول: 

 لو أنّي أعرفُ أنّ البحر عميقٌ جدًّا ما أبحرتْ         لو أنّي أعرفُ خاتمتي ما كنتُ بدأتْ.

 

ولو أردنا جمع القصائد التي تنطوي على ثيمة الماء في الشعر العربي؛ قديمه وحديثه، لما استطعنا إحصاءها، ولا كفتنا مجلّدات لحصرها.
 

ثيمة أصيلة في الشعر العالمي

سيجد الباحث في الشعر العالمي حضور الماء كثيمة أصيلة في العديد من قصائد الشعراء الغربيين، فها هو الشاعر الإنكليزي صمويل تايلور كولريدج يقدّم في قصيدته الملحمية "أنشودة البحار العجوز"، مقطعًا يعبّر فيه عن العذاب وسط الوفرة، فيقول:  

ماء، ماء في كلِّ مكان / وكلّ لوحٍ على المركبِ قد جفّ وانكمش / ماء، ماء في كلّ مكان / ولا قطرةٌ واحدةٌ للشرب.

في حين يستذكر الشاعر الأميركي رالف والدو إيمرسون طفولته وملامح النهر الذي كان يلعب على ضفافه، وقد بقي النهر شابًّا، وبقيت الطبيعة حوله فتية في حين كبر البشر الذين عرفوه، ومضوا إلى خواتيمهم، عبر قصيدة بعنوان "النهر" يقول في مطلعها: 

وها أنا ذا أُبصرُ من جديد... مرابعي القديمةَ الحميمة؛ هنا النهرُ الأزرق، الأعجوبة الزرقاء ذاتها التي بهرت عينيّ في المهد... وأتساءل بحكمة طفولية: من أينَ أتى هذا المسافر؟

وتأتي ملحمة "الأرض اليباب" لـ ت.إس. إليوت التي يهيمن فيها غياب الماء كاستعارة للجدب الروحي الذي يعانيه الإنسان المعاصر، لتقول: 
لا ماءَ هنا بل مجردُ صخر/ صخر ولا ماء والطريق الرملي
الطريق المتلوّي صعدًا بين الجبالِ التي هي جبال صخر بلا ماء
لو كان ثمَّة ماء لوقفنا وشربنا... لو كان ثمَّة ماء بين الصخر
فم جبلي ميت بأسنان نخرة لا يستطيع أنْ يبصق…


لا نبالغ إن قلنا إنّ الماء كائن شعري بامتياز، يتخطّى حدود كونه عنصرًا طبيعيًّا، إلى مفازات وأبعاد شاسعة تتسابق فيها المعاني لترسم صورًا مختلفة الألوان والطبقات، تجعل منه حاضرًا في عوالم الشعر، وفي صوت المطر، وتكسُّر الجليد، ورقرقة الجداول، وهدير الموج.

 

عبير الديب شاعرة .

'خليج أوري، برونين.' جون سينجر سارجنت. 1870. بإذن من متحف متروبوليتان للفنون.  
إعادة تعيين الألوان