عن الزمن وعملي الفني
لوحة "غفوة" (1981)، بإذن من الفنان عبد الرحمن السليمان.
اللوحة هي تثبيت للحظة، وللصورة والمشهد معها. تمرّ اللحظات، لكن زمنها يبقى في اللوحة ثابتًا، فالحياة ترتبط بصورها التي تحفظ زمنها، وربما تتجاوزه لتخلق تحوّلاتٍ تنبني عليها صورٌ جديدة، ومتتاليات من المعاني.
تحمل صورنا دلالاتِها من خلال علاقتنا بها؛ سواء أكانت مشهدًا، أو حدثًا، أو مكانًا، أو حتى مجرّد تصوّر، فالعمل الفني يتشكّل وفق راهن الفنان، إحساسه، وسعيه للتعبير عن فكرة ما. وقد تختلف الوسائط والاختيارات بين المادّي والمحسوس والمعنوي، غير أنّ المادّة — أو الخامة — تظلّ دائمًا معينًا على التعبير.
تتحوّل الصورة من الذهن إلى سطح اللوحة عبر علاقاتٍ تتكوّن بين دواخل الفنان ومشاعره، وبين التأثيرات التي بقيت حاضرة في ذاكرته، وربما متجدّدة فيها، فاللوحة قد تستعيد زمنًا مضى، أو تُعيد رسم لحظته وحينه. تتراكم الأزمان لتُنتج عملًا، وتتبعثر لتشكّل أزمنةً أخرى، لكلّ زمن حالته وأحداثه. وإن تلاقت الأحداث، أو تقاطعت، فهي تمتدّ إلى الإحساس باللحظة: فرحًا كان أو حزنًا، جمالًا أو قبحًا، ضوءًا أو عتمة.
وفي كلّ إنجازٍ فنّي، نسقط لحظتنا عليه — لحظة التلقّي والإحساس والتفاعل، تلك التي تشكّل دور المتلقّي في استشفاف العمل واكتشافه.
خلال تجربتي الفنية، تستعيد ذاكرتي الكثير من الصور وملامحها، تلك التي انحفرت عميقًا، أو بقيت كامنة لا يقدر الزمن ولا الأحداث على كشفها، وهي في الوقت ذاته دفعتني إلى البحث عن لحظةٍ شاردة، غيّبتها سحب الأيام، وركام السنين، فكلّ انفتاح على لحظةٍ عشتها قد يفضي إلى عملٍ جديد، أو فكرةٍ تتكوّن في لحظات خاطفة، مثل حلمٍ مزدحمٍ بالأحداث، لكنّه لا يستغرق إلّا ثواني قليلة.
أنا في تلك اللحظات كمَن يحلم، غير أنّ حلمي هو امتدادٌ لوجودي، لعلاقتي بما حولي وما في داخلي. ذاكرتي تسترجع عقودًا من التجارب، تقتنص ما تبقّى ممّا كان، وما سيكون.
من بين تلك الأعمال لوحة «غفوة» التي تعود جذورها إلى عام 1965، بينما رُسمت فعليًّا عام 1981 في لحظةٍ شديدة الألم — ألم لم يغب، ولم يُمحَ، بل ترسّخ كجزءٍ من الذاكرة، وأثرٍ باقٍ قد يقترب، أو يبتعد، لكنّه لا يغيب.
عملٌ آخر هو «مسحة على رأس يتيم» رسمته عام 1980، لكنّه كفكرة يعود في جذوره إلى منتصف الستينيات، يشترك مع العمل الأول في الحدث ذاته، غير أنّ لكلٍّ منهما تفاصيله الخاصة ورؤيته.
إنّ لحظات الرسم والإنجاز تستدعي ما يمكن استعادته من الذاكرة، لكنّنا في الوقت نفسه نحتفظ بالكثير ممّا لا يُقال. شخصيًّا لا أميل إلى فكرة الفصل بين لحظة الرسم ولحظة الإنجاز، بقدر ما أبحث عن الإحساس بالحدث ذاته.
أسعى في أعمالي إلى التلخيص والاختزال، إلى تكثيف المعنى بما ينسجم مع المسار الفني الذي أتحرّك فيه، فالإيجاز والزهد هما سمتان أساسيتان في ما أقدّمه، حيث أعمل على بناء الفكرة من خلال عناصر بسيطة ووحدات تتآلف، لتخدم الفكرة ذاتها.
الفكرة، في النهاية، هي الأثر، لكنّها تسير جنبًا إلى جنب مع الأداء الفني الذي أحرص أن يحمل تأثيره الخاص، واختلافه المتفرّد.
لوحة "مسحة على رأس يتيم" (1980)، بإذن من الفنان عبد الرحمن السليمان.


