فهم الزمن
صورة من متحف المتروبوليتان، للخطاط فَرُّخ بن عبد اللطيف
إنَّ أولى الأدوات التي استخدمها الإنسان لقياس الوقت كانت الساعات الشمسية، والساعات المائية التي ظهرت قبل نحو 3,500 عام. لكن قبل ذلك بكثير، منذ ما يقارب 40,000 عام، نقش البشر خطوطًا على ما يسمّيه المؤرخون "عظام التقويم" في محاولة لتسجيل الزمن، وقبل آلاف السنين من ظهور الكتابة، نظّم الناس قصص حياتهم وفق وحدات زمنية.
وفي الوقت الراهن، وجدنا نحن البشر أنفسنا نستخدم وحدات زمنية أصغر فأصغر، فبعد أن اعتمد أسلافنا على الفصول ومنازل القمر، انتقلنا إلى دقّة متزايدة في قياس الوقت. واليوم يستخدم العلماء وحدات بالغة القصر مثل "الزيبتو ثانية"، وهي جزء من واحد سكستليون (واحد وأمامه 21 صفرًا) من الثانية، أي الزمن الذي يستغرقه فوتون واحد لعبور جزيء الهيدروجين.
ومع ذلك، فإنّ قياس الزمن لم يكن يومًا مجرد شأن علمي بحت، فهو يظلّ مرتبطًا بالسرد والحكاية، كما تشير ريبيكا ستراذرز في عملها الحائز على جوائز، والذي يجمع بين المذكّرات والتاريخ: عقارب الساعة (Hands of Time). فما زلنا نصِفُ حياتنا بعبارات مثل "قبل جائحة كورونا"، و"بعد جائحة كورونا"، ونؤرّخ لأحداثنا الشخصية بالقول للأطفال: "ذلك حدث قبل أن تولدوا". في الواقع، فإنّ جميع الكتب التالية - سواء أكانت تاريخية أم روائية أم علمية - فإنها توظّف الحكايات والسرد لمساعدتنا على فهم الزمن.
إذا كنت مهتمًّا بالساعات الأولى فإنّ هذا العمل من القرن الثالث عشر لابن الرزاز الجزري (1136–1206) يمنحك تصورًا مدهشًا عن الساعات في العصور الوسطى، سواء كانت حقيقية أم متخيّلة، فقد كان الجزري عالم رياضيات ومخترعًا ومهندسًا وفنانًا، ودوّن بتفصيل دقيق آليات عمل العديد من الأجهزة المدهشة لقياس الوقت. من بين هذه الأجهزة "ساعة القلعة المائية، وساعة الطبالين المائية، وساعة القارب المائية، وساعة الطواويس المائية"، وربما أشهر ابتكاراته على الإطلاق "ساعة الفيل" التي تظهر في الصورة هنا.

كتاب في معرفة الحيل الهندسية، ابن الرزاز الجزري
من السهل أن نتخيّل صانعة الساعات في القرن الحادي والعشرين ريبيكا سترذرز، وهي تجد متعة في مشاركة صانع الساعات في القرن الثاني عشر والثالث عشر ابن الرزاز الجزري. ففي كتابها "عقارب الساعة" تتجول ستراذرز بنا عبر تاريخ (قياس الزمن) برؤية حرفية عالية المهارة، فهي لا تكتفي باستعراض الأنواع المدهشة للساعات ما قبل الحديثة، بل تكشف أيضًا كيف جرى تكييف هذه الساعات لتلائم حاجات المجتمعات والثقافات المختلفة، بل وكيف أسهمت أحيانًا في تغييرها.

عقارب الساعة: تاريخ الزمن، ريبيكا ستراذرز
مسرحية أهل الكهف للكاتب المصري الكبير توفيق الحكيم (1898–1987)، مستوحاة ممّا ورد في سورة الكهف من القرآن الكريم. تدور أحداثها حول مجموعة من المؤمنين يلوذون بالكهف، وعندما يخرجون منه، يظنّون أنّهم غابوا يومًا واحدًا فقط، بينما قد مضى في الواقع ثلاثمئة عام. في مسرحية الحكيم يلجأ إلى الكهف اثنان من الحاشية، وراعٍ، وكلب، خلال فترة يُضطهد فيها المسيحيون. وعندما يستيقظون بعد ثلاثمئة عام، يكون المسيحيون قد انتصروا، لكنْ عائلاتهم وأصدقائهم قد ماتوا، ولم يعودوا يُعاملون كبشر، بل كقديسين وأساطير. وعلى الرغم من أنّ الجماهير لم تتفاعل مع هذا التأمّل في الزمن عند عرضه على المسرح، فهو قراءة ممتازة ومليئة بالتفكير العميق.
أهل الكهف، توفيق الحكيم
العنوان الإنجليزي لهذه الرواية "رحلات بائع المخللات والحلويات عبر الزمن" يوحي بأنّها ستكون عملًا في الخيال العلمي، لكن لا وجود لآلات زمنية، أو أجهزة مستقبلية في رواية شلبي، فكما في "يانكي في بلاط الملك آرثر" لمارك توين، تتشابك هنا أحداث الحاضر والماضي. لكن، على عكس الرواية الأمريكية، يكون التقدّم في هذه الرواية أكثر تقلبًا، فبائع المخللات والحلويات المصري، على الرغم من أنّه يحمل تقنيات القرن العشرين إلى الماضي، يجد نفسه عاجزًا عن إقناع خليفة من القرن الثاني عشر، وخاصة عندما تنفد بطارياته. تأمّل ساحر في مسار التاريخ والأشياء التي تظلّ على حالها.

رحلات الطرشجي الحلوجي، خيري شلبي
يتفق الرياضيون والروائيون المعاصرون على شيء واحد: الزمن نسبي. لكن كيف وصلنا إلى هذا الاستنتاج حول نسبية الزمن؟ يروي بيتر جاليسون (العالم في هارفارد) في كتابه، كيف شكّلت الساعات والقطارات والخرائط والبرقيات الأساس الملهم لاكتشافات القرن العشرين الكبرى لألبرت أينشتاين، وهنري بوانكاريه، وكيف تؤثّر التغيّرات على فهمنا للزمان والمكان في حياتنا اليوم.

ساعات أينشتاين، خرائط بوانكاريه: إمبراطوريات الزمن، بيتر جاليسون
بطريقة ما يبدو أنّ الزمن خارجنا. نلقي نظرة على هواتفنا، نرفع أعيننا نحو الساعات، ونتنقل بين "مناطق" زمنية مختلفة. لكن في هذا الكتاب يستكشف عالم الأعصاب دين بونومانو كيفية عمل الزمن داخلنا. يبدأ بونومانو أولًا بتفكيك المعاني المتعدّدة التي نعنيها عندما نقول "الزمن"، ثمّ يطرح أسئلة مثل: كيف يعالج دماغنا الزمن، ويتتبعه؟ لماذا الزمن مهمّ جدًّا لنا؟ ماذا يعني أن "يمرّ" الزمن، أو "يتدفّق"؟ والأهمّ من ذلك: كيف يخلق العقل البشري الزمن؟
لاكتشاف المزيد من الأعمال الأدبية الإبداعية، يمكنكم الاطلاع على عدد FOLK issue.
لقراءة المزيد من الكتب، يرجى زيارة مكتبة إثراء وموقع أراب لِت.

عقلك آلة زمن، دين بونومانو


