نحن نعد شيئًا رائعًا من أجلك.

كيف غيّر الزمن ملامح الموضة؟ أوروبا أنموذجًا
زوايا ثقافية:

كيف غيّر الزمن ملامح الموضة؟ أوروبا أنموذجًا

كيف غيّر الزمن ملامح الموضة؟ أوروبا أنموذجًا

مجلة du Bon Ton، العدد رقم 7، سنة 1920 – اللوحة رقم: XXXV، ويوييه (1920) من رسم فرناند سيميون. المصدر: ملكية عامة Artvee.
 

بقلم وجدان المالكي
December 30th, 2025

الزمن هو العنصر الأكثر خفاءً وتأثيرًا في صناعة الموضة. لا يمكن فصل تغيّر الذوق عن تغيّر الإيقاع الزمني؛ فكلّ حقبة تُعيد تشكيل فكرة الجمال وفق ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. في هذا السياق، تمثّل أوروبا نموذجًا مثاليًّا لدراسة العلاقة بين الزمن والموضة، ليس لأنّها وحدها موطن التحول، بل لأنّها تمتلك أرشيفًا غنيًّا يوثّق بوضوح كيف غيّرت الحروب، والاقتصاد، والحركات الثقافية ملامح المظهر الإنساني عبر القرن العشرين.

في مطلع القرن العشرين كانت الموضة الأوروبية انعكاسًا لهرم اجتماعي صارم. الثياب الطويلة، والمشدّات كانت تحدّد الجسد، وتفرض صورة محدّدة للأنوثة، لكنْ بعد الحرب العالمية الأولى تغيّر كلّ شيء تحت ضغط الواقع الجديد الذي فرض أولويات مختلفة على الأناقة. دخول النساء إلى سوق العمل غيّر المعادلة، فظهرت فساتين flapper بخطوط مستقيمة، وتراجعت فكرة الخصر بوصفه مركز الجمال. كان ذلك ردًّا هندسيًّا على قرون من تصميم الأنوثة من الخارج.

أزياء العشرينيات لم تمثّل ثورة صريحة بقدر ما كانت تجربة انتقالية لإعادة توزيع التوازن بين الحرّية والبنية. تسريحات الشعر القصيرة، والأقمشة الخفيفة، والأحذية العملية، كلّها كانت دلائل على أنّ الإيقاع العام للحياة بدأ يتسارع، وأنّ صورة المرأة يجب أن تتلاءم مع هذا الإيقاع الجديد. وفي الوقت نفسه لم تختفِ الزخرفة، بل أعيد توجيهها: المجوهرات أصبحت أخفّ، ومساحيق التجميل تميل إلى البساطة بعد الإفراط السابق، شكّلت أزياء العشرينيات مساحة اختبار جديدة لما يمكن أن تكون عليه الأنوثة في عالم يتغيّر.

مع دخول الثلاثينيات، ومع الأزمة الاقتصادية الكبرى، عادت الموضة إلى أشكال أكثر تحفّظًا بعد عقد من التجريب. القصّات الأنثوية المقوّسة، والأقمشة البسيطة عكست رغبة المجتمع في استعادة توازنه النفسي والاقتصادي وسط الفوضى المالية. كانت العشرينيات مرحلة بحث عن الحرّية، بينما جاءت الثلاثينيات محاولة لتثبيت هذا التوازن بعد صدمة الحرب، والانهيار الاقتصادي.
 

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في الأربعينيات الميلادية، فُرض التقشّف على صناعة الأزياء. المصانع خُصّصت للإنتاج العسكري، والملابس صارت أقرب إلى الزيّ الوظيفي. كانت الأناقة رفاهية مؤجّلة. لكن بعد انتهاء الحرب، احتاج المجتمع إلى تعويض نفسي وجمالي. في عام 1947 قدّم كريستيان ديور مجموعته الشهيرة New Look، بخصر نحيف، وتنّورة واسعة، كإعلان عن عودة الحياة الطبيعية، والرخاء الاقتصادي. هذا التحول مثّل بداية مرحلة اعتمدت فيها الموضة على الرفاهية المادّية كمؤشّر للتعافي الجماعي.

أمّا الستينيات فكانت نقطة تحوّل رئيسية في علاقة الموضة بالزمن. الجيل الشاب أصبح قوة اقتصادية وثقافية قادرة على تحديد الذوق العام. ظهرت التنّورة القصيرة والألوان الصارخة، والخامات الاصطناعية كرموز للحداثة والمساواة بين الجنسين والطبقات. كانت الموضة في هذه المرحلة وسيلة للتعبير السياسي والاجتماعي أكثر من كونها ترفًا شكليًّا.

وفي السبعينيات تحوّل المزاج العام نحو البساطة والطبيعة مع صعود حركة hippie أو البوهيمية. أقمشة قطنية، وألوان ترابية، وأنماط مستوحاة من الثقافات الشرقية. هذا التحول كان نتيجة مباشرة لتعب جماعي من الاستهلاك السريع والمركزية الغربية، ورغبة في العودة إلى الإيقاع الأبطأ للحياة.

في الثمانينيات دخلت النساء بقوة إلى مواقع العمل والإدارة، وظهرت ظاهرة power dressing بوصفها انعكاسًا لثقافة الشركات. البِدل ذات الأكتاف العريضة جسّدت رمزية السيطرة والثقة في بيئة مهنية تنافسية. الموضة في هذا العقد كانت لغة سلطة واقتصاد، تعبّر عن قيم الصعود المهني، والنجاح الفردي.
 

رسم أزياء نسائية لعام 1932 من تصميم ماغي روف. المصدر: Public Domain Review، Rawpixel

أمّا في التسعينيات فحدث انقلاب كامل، انتشرت موجة grunge fashion، بملابس بسيطة ومهترئة، وألوان محايدة، وميل واضح إلى الراحة على حساب الشكل. بعد عقدٍ من المظاهر المبالغ فيها، أصبح الصدق والبساطة شكلًا جديدًا من التعبير عن الذات. كانت الموضة هنا تمثّل "انسحابًا من التظاهر"، لا من الذوق.

مع الألفية الجديدة تغيّر مفهوم الزمن في صناعة الأزياء، ظهرت الموضة السريعة، فاختُزلت دورة الموضة من مواسم إلى أسابيع، وأصبحت السوق تعتمد على التبدّل المستمرّ. انتقلت العلاقة بين المستهلك والملابس من الاقتناء إلى الاستهلاك الفوري. لم يعد الهدف امتلاك القطعة، بل عرضها ثمّ استبدال أخرى بها.  هذا التحول غيّر سلوك الأفراد جذريًّا؛ ففكرة تكرار اللبس أصبحت شبه مرفوضة اجتماعيًّا، خصوصًا مع صعود وسائل التواصل التي جعلت الصورة أهمّ من الاستخدام. ارتفع معدّل الشراء، وعدد القطع المنتجة إلى مستويات غير مسبوقة، وتضاعفت أرباح العلامات التجارية الكبرى نتيجة هذا الإيقاع السريع. بلغت صناعة الأزياء ذروة النمو، لكنّها في الوقت ذاته بلغت ذروة الهدر البيئي. ومع تضخّم الإنتاج، وازدياد النفايات، بدأ يظهر وعي جديد يدعو إلى التباطؤ. ظهرت الموضة البطيئة بوصفها ردّة فعل على الاستهلاك المفرط، تركّز على عمر القطعة ومصدرها وعدالتها البيئية. تحاول هذه الحركة إعادة تعريف القيمة، ليس وفق عدد المجموعات الموسمية، بل وفق الاستدامة، وجودة التصميم.

يقدّم التاريخ الأوروبي في الأزياء أنموذجًا واضحًا لكيفية تحوّل الموضة إلى مرآة دقيقة لوعي الشعوب ونفسياتها، فالأزياء تكشف البنية الاجتماعية، والظروف الاقتصادية، والتحولات الثقافية التي تمرّ بها المجتمعات. من ثوب العمل إلى فستان الاحتفال، ومن مشدّ الخصر إلى القصّات العملية، ظلّ اللباس وسيلة تواصل غير منطوقة، تُعبّر عمّا يفكّر به الإنسان أكثر ممّا ينطق به، لذلك فإنّ دراسة الموضة هي قراءة في الذاكرة الجماعية، وفي تفاعل الإنسان مع زمنه. الأزياء بهذا المعنى سجلّ ثقافي ونفسي، يرصد التبدّلات في الذوق والقيم، ويقدّم مقياسًا صامتًا لحركة المجتمع بين التقليد والتجديد.
 

أزياء نسائية من زمن العشرينيات الكلاسيكية. المصدر:Public Domain Pictures 

* وجدان المالكي، كاتبة في مجال الأزياء، ومؤسّسة منصّة منسوج. وهي: منصّة سعودية لإثراء المحتوى المعرفي في الأزياء. 

إعادة تعيين الألوان