حادثة تصيب قاطف التَّمر
من منّا لا يعشقُ الطّعام؟
هو ليس ضرورة أساسية للحفاظ على طاقة أجسامنا فحسب، إنما يمكنه مدّنا بلذة لا حدود لها. قد يكون أيضًا بمثابة علاج، خاصة عندما نتقاسمه مع من نحب.
الكثير منا في الغالب يستمتع بطعامه بشكل كبير، متغافلاً عن العواقب السلبية التي ستقع على أجسامنا وصحتنا، بل وربما على أرضنا. تصوروا أن هذه اللوحة المرهفة لها قصة أخلاقية، تحذرنا من أخطار الهوس بتناول الطعام.
اللوحة مستقاة من كتاب (البستان) لمؤلفه السعدي، وهي تضم عبارات شهيرة مأخوذة من أعماله الشعرية المجمعة كاملًا. تتألّف هذه الأبيات من حكايات متنوعة تثير الفكر، وغرضها تذكير المسلمين بالحاجة إلى العدالة والتسامح والتواضع والقناعة.
وقد صوّر الرسام قصة الشرهين وهفواتهم؛ يخبرنا السعدي عن زيارته لبستان التمور في البصرة، بصحبة مجموعة من الصوفيين المتجولين، أحد مرافقيهم كان شرهًا وجشعًا يبحث باستمرار عن الطعام، وإذ رأى أشجار النخيل السامقة محملة بالتمور، التقط ثوبه وتسلق إحداها لقطف ثمارها، لكنه سقط على رأسه ومات في لحظتها.
ولمّا جاء رئيس القرية ورأى الرجل ميتًا، طالب بمعرفة القاتل، فأخبره السعدي عن معدة الرجل الشرهة، التي جرّته نحو حتفه؛ منبهّا الحاضرين نحو مغزى: رغبات معدة المرء تجلب له المشكلات، وتخفف من ورعه.
اعتنى السعدي بمغزى قصصه؛ كان يستخدم الطعام كاستعارة تخدم غرضه بشكل لافت. يخبرنا الشاعر في إطلالته أنه راغب من خلال قصائده الشعرية والأدبية مشاركة خبراته الحياتية التي راكمها خلال أسفاره طوال حياته في معظم أنحاء بلاد المسلمين، بعد نزوحه في أعقاب الغزوات المغولية في أوائل القرن الثالث عشر.
تلك الخبرات التي اكتسبها السعدي في حياته أثناء ترحاله، رغب في أن يهدي تجاربها ويتشاركها مع غيره، كشأن المسافرين عند عودتهم من رحلاتهم، محمّلين بالطيبات والحلوى لأصدقائهم.
يقارن السعدي أبياته بالتمر، بالنواة الصلبة المغطاة بالسكر، كاستعارة لنواة الحكمة والبصيرة والحقيقة، التي يتم الكشف عنها في داخل التمرة عند شقّها.
بقلم ضيف خاص:
الدكتورة أولريك الخميس، المدير التنفيذي لمتحف الآغا خان في تورنتو.
في كل عدد من المجلة، نعرض كنزًا خاصًا من متحف (آغا خان) حيث يسرد حكاية ويعرض إلهامًا ويفتح أفقًا للتواصل.




































