حديثُ الرُّوح على مسرحِ الجوع
نَسِيرُ إلَى بَلَدٍ لَيْسَ مِنْ لَحْمِنَا، لَيْسَ مِنْ عَظْمِنَا شَجَرُ الكسْتَنَا
وَلَيْسَتْ حِجَارَتُهُ مَاعِزاً فِي نَشِيِد الجِبَالِ. وَلَيْسَتْ عُيُونُ الحَصَى سَوْسَنَا
نَسِيرُ إلَى بَلَدٍ لَا يُعلّقُ شَمْساً خُصُوصِيَّةً فَوْقَنَا
تُصَفِّقُ مِنْ أَجْلنَا سَيِّدَاتُ الأَسَاطِيرِ: بَحْرٌ عَلَيْنا وَبَحْرٌ لَنَا
إذَا انْقَطَعَ القَمْحُ وَالمَاءُ عَنْكُم، كُلُوا حُبَّنَا واشْرَبُوا دَمْعَنَا
مَنَادِيلُ سَوْدَاءُ لِلشُّعَرَاءِ، وَصَفُّ تماثِيلَ مِنْ مَرْمَرٍ سَوْفَ تَرْفَعُ أَصْواتنَا
محمود درويش-
تركن الأمثال إلى أضدادها. الأكل النَّقي، صفاءُ العيش، ذاك الغذاء الذي خُلق المرء كي يتذوَّقه، وجدَ في الجوع غايتهُ واقتاتَ على لهواتها.
يبدأ محمود درويش – شاعر الجُرح الفلسطيني وأحد روَّاد الشِّعر العربي المعاصر – قصيدته بالرَّحيل، ومن ثمّ يُلبِسهُ مِعطف الجوع ، فيقول: "إذَا انْقَطَعَ القَمْحُ وَالمَاءُ عَنْكُم، كُلُوا حُبَّنَا واشْرَبُوا دَمْعَنَا".
الأكل هو فعلٌ يقوم به الحيوان غريزيًّا، ويهيم في جوهره الإنسان . تساءل الإنسان البدائي ماذا آكل؟ وكيف؟ وما هذا الضَّعف الذي يعتريني عندما ينقطع الطَّعام عني، واللذة التي تتملكني عندما أجتنيه؟ ويتساءل الإنسان الحديث؛ كيف أجوع؟ وما معنى الأكل؟ هل أستطيع أكل الحُبَّ واجتراع الدُّموع؟ ألا يقتصر الأكل على الطَّعام والشَّراب؟ يجيب درويش بسطرٍ واحد على كل تلك التَّساؤلات قائلًا بأنَّ انقطاع الأكل هو السَّبيل إلى حديث الرُّوح. تلك الرُّوح التي تتمرَّد عندما تكابد الجوع وآلامه بمرارة الصَّبر والتَّضورحتى تجد ما يشبعها ويهدِّئ روعها، أما إذا ألقى الجوع بظلاله على أعزَّاءها وأقربائها، وشعرت الرُّوح بالعجز أمامه؛ فليس لها سوى أن تلوك الحُبَّ وتشرب الدَّمع. فلا تبتل عروقها برشف الظِّلال ولا تُتْخمُ عندما تقتاتُ على المعنى.
محمود درويش، شاعر فلسطيني، يُعتبر شاعر المقاومة الفلسطينية، أحد أهم الشُّعراء العرب في العصر الحديث ممن ساهموا في تطوير الشِّعر العربي وإدخال الرَّمزية فيه، ففي شعره أصبحت فلسطين خارطة الرُّوح البشرية؛ كما حاز درويش على عدد من الجوائز الأدبية المرموقة من قبيل جائزة لوتس (اتحاد كُتَّاب آسيا وأفريقيا) في عام 1969م، وجائزة البحر المتوسط في المركز الثقافي المتوسطي في إيطاليا في عام 1980م، و درع الثورة الفلسطينية من منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1981م وغيرها الكثير.




































