موائدُ الماضي
آمل أن أكون قادرة على تنمية المزيد والمزيد من الفضول حول الصلات اللانهائية التي يربطنا بها الطَّعام، وكيف أنَّه في الآن نفسه يحكي قصصنا الفريدة والمتنوعة
سلمى سيري
وثائق أرشيفيَّة من مشروع بحثيٍّ عن تاريخ الطَّعام المصري في القرن العشرين، بإذن من سلمى سيري.
يعد الطعام إحدى أهم الممارسات المؤثرة والمعبرة عن الثقافة.
يمكن للشعوب أن تروي من خلاله قصصها، ونستطيع فهم تاريخها وتقاليدها وتطورها الاقتصادي والاجتماعي بشكل أفضل.
سلمى سيري، الباحثة المصرية في تاريخ الطعام، وصانعة الأفلام، عملت على توثيق مئة عام من تراث الطهو المتروك في جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا. شغفها بالطَّعام نشأ منذ طفولتها، واحتفظت بأجمل الذكريات صحبة جدتها في المطبخ وهي تحضّر أطباقًا شهية مستوحاة من كتيِّبات الطَّبخ في الستينيات.
خصصت سلمى مكتبة لتاريخ الطعام الحديث في المنطقة عبر حسابها في الانستغرام (@Sufra_archive)، وهو يضم مجموعة تزيد عن 600 كتاب من كتب الطبخ العربية والتاريخية وأدوات الطهو. يركز نهجها على وضع التاريخ والمحفوظات والذاكرة في سياقها الصحيح، لتسليط الضوء على جوانب الطعام المسيَّسة من خلال السرديات المنسية أو المهمشة أو المتنازع عليها، والتي تكاد تختفي أمام هيمنة المأكولات الوطنيَّة وسياسات الهويَّة. غالبًا ما تكون نتيجة عملها تحقيقًا كتابيًّا أو تصويريّا (فيلمًا)، تتناول فيه التباسات الطَّعام بسبب السياسة والهجرة.
يختصُّ حسابها بكل ما يتعلَّق بأطعمة الشرق الأوسط، بدءًا من الستينيَّات وحتى نهاية التسعينيَّات، بما في ذلك كتب الطَّبخ وقوائم الطعام، والمجلات والإعلانات والوصفات المكتوبة. وهي تسعى في أبحاثها إلى استعادة قصص المجتمعات المهمَّشة في المنطقة، وإلقاء الضوء على تاريخ طعامها ووصفاتها التي يتمّ تجاهلها.
في حديثنا مع سلمى سيري، نتعرف على أهمية توثيق تاريخ الطَّعام وأرشفته، وكيف يمكن لكتب الطَّبخ هذه أن تخبرنا الكثير عن تشكيل هويَّتنا وتطوُّرها عبر الزَّمن.

كتاب طبخ عتيق. بإذن من سلمى سيري.

أطباق سريعة واقتصادية (1977)، إعداد نظيرة نقولا. بإذن من سلمى سيري.

بإذن من سلمى سيري.
حدثينا عن نفسك، وأخبرينا كيف بدأتِ هذا المشروع!
بدأتُ بجمع كتب الطَّبخ منذ أن كنتُ في التَّاسعة من عمري، نشأتُ في منزل يقدّر الطَّهو والضِّيافة والاحتفاء بالطَّعام. كان منزل والديّ المكان المعتاد لاجتماع العائلة والأصدقاء، وكان الطَّعام هو المحور الذي تدور حوله تجمُّعاتهم. مع الزمن، نما عشقي لكتب الطَّبخ القديمة، وخاصَّة مجموعة جدَّتي. بدأت أيضًا في استكشاف تاريخ الطعام، وكنت أبحث عن كتب الطبخ القديمة، والمطبوعات التي تروي تاريخ مطابخ البلدان التي زرتها. وبشكل عفوي، انتقل الطعام إلى أعمالي الفنية والسينمائية، حيث أدرجته في الوثائقيات القصيرة، وحولت قصص الطعام إلى أفلام خيالية. أصبح الطعام جزءًا من رحلتي الإبداعية بسبب تاريخه الثقافي وقدرته على التواصل المعرفي.
أخبرينا عن صفحتك في الانستغرام (@sufra_archive)، لماذا بدأتِ هذا المشروع، وماذا سيستفيد الناس ويتعلموا من خلاله؟
نشأت صفحة (@sufra_archive) من رغبتي في استكشاف تاريخنا المرتبط مع الطعام. وفي أثناء تقديمي رسالة الماجستير في علم الطهو، أدركت مدى إهمال وتجاهل الأدبيات المتعلِّقة بالطَّعام وكتب الطَّبخ والذكريات المتعلقة به.
على الرَّغم من القيمة الهائلة لهذه الكتب بالنِّسبة للباحثين والمؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع، إلا أنَّه للأسف؛ غالبًا ما يتمُّ الاحتفاظ بكتب الطَّبخ القديمة بعيدًا في غرف التخزين المتربة، أو تباع في أسواق السِّلع المستعملة. ونادرًا ما يمكن الوصول إليها أو تتوفر في المكتبات أو دور المحفوظات. كنت أرغب في إنشاء مشروع ما، يقدّر المعرفة والقصص التي تحتويها هذه النوادر. لأنها تساعدنا على فهم أسباب تناول الطعام بالطَّريقة التي نقوم بها، وكيف تغيَّر ذوق المجتمع بمرور الوقت، وكيف يرتبط طعامنا ارتباطًا جوهريًا بجميع التَّطورات الاجتماعية والثَّقافية والسِّياسية والاقتصاديَّة التي حدثت في الماضي. رغبت في جمع كل هذه الأشياء التي يمكن للناس أن يتعلموا منها.
ما الاكتشاف المذهل الذي لفت انتباهكِ أثناء جمعك للمواد وأرشفتها؟
كان من المدهش أن نرى من خلال الصور الصحفية القديمة كيف أصبح الطعام جزءًا أساسيًّا في الحفاظ على بعض مظاهر الحياة العادية خلال الحرب الأهلية اللبنانية في الثمانينيَّات. حيث اعتمد الناس على الطعام في خضمِّ الفوضى. تغيَّرت قوائم المآدب الملكية والرئاسية في مصر من المأكولات الأوروبية والتركية إلى المصريَّة، مما يعكس انتشار القوميَّة والمشاعر المعادية للغرب. وفي الوقت نفسه، احتوت كتب الطَّبخ القديمة من المملكة العربية السعودية على أقسام هائلة مخصَّصة لوصفات الأرز، وتؤكد بالطبع مدى حبِّ السعوديين لهذه الأطباق!

مجموعة من كتب الطبخ. بإذن من سلمى سيري.

مجلة المصور المصرية، 27 مايو 1955، عدد العيد.
الطعام يشكل جزءًا أساسيًّا من هويَّة أيَّة ثقافة، كيف يمكن للحفاظ على كتب الطَّبخ أن يساعدنا على سرد قصتنا بشكل أفضل؟
لا يمكن فصل الطَّعام عن الثقافة، فهو جزء لا يتجزأ من الحياة نفسها، ولكنه أيضًا يروي الكثير بما يتجاوز الجانب الثقافي للمجتمع. من خلال النَّظر إلى كتب الطَّبخ القديمة، يمكن للمرء أن يفهم علاقتها بأنظمة المعرفة واللغة والهياكل السِّياسية والنوع الاجتماعي وطبقاته، وأنماط كالهجرة، وأحداث كالحروب والمجاعات.
هل هناك طبق معين تشعرين أنَّه مشترك بين كل العرب؟
يحبُّ معظم العرب فكرة قلي قطع صغيرة من العجين وغمرها في قطر السُّكر الحلو. تجدون منها عدَّة أشكال لذيذة ومتنوعة في أماكن مختلفة: لقمة القاضي في العراق ومصر، ولقيمات في الإمارات والسعودية، وعوامة في بلاد الشام، وكلها قريبة من السفنج المغربي في فكرتها، والمشبك والشبكية والزلابية التي يتم الاستمتاع بها في جميع أنحاء المنطقة أيضًا.
ما خططك للمحافظة على تأثير المشاريع وضمان استمراريتها في المستقبل؟
بفضل الدَّعم السخي من الصَّندوق العربي للثَّقافة والفنون، والمجلس العربي للعلوم الاجتماعية، أعمل على مشروع يركز على الأرشفة والرَّقمنة وإتاحة أكبر مجموعة من كتب الطَّبخ العربية ومذكرات الطَّهي للباحثين. يأتي ذلك مع بعض التَّحديات، مثل مراعاة حقوق التأليف والنَّشر والحفاظ على بعض العناصر القديمة المهملة. إنه أمر يثير التحدي، وأنا أقدِّر كل الدَّعم الرائع الذي أحصل عليه من المجتمع المحيط بي. أبحث دائمًا عن مصادر للتمويل وفرص تدعم الجهود الثَّقافية لهذا المشروع. التعاون والشراكات تعدّ أمرًا أساسيًّا للحفاظ على فعّالية المشاريع ومشاركتها مع جماهير أوسع.
ما طبقك المفضل؟ طبق يجلب لك ذكريات جميلة؟
بالتأكيد (دولما)! أستمتع بإعدادها وحشوها وطهيها وتقديمها في الحفلات! الجميع يحب الدولما وأعتقد أنَّ إعدادها وخاصة الأنواع التي تتطلب لف أوراقها (مثل ورق العنب أو الملفوف أو السلق)، يمثل ممارسة علاجية رائعة لأنها تتطلب منك حقًّا التركيز والانهماك، اللذين يؤديان إلى تهدئتك.
ما أفضل شيء حدث لك منذ أن بدأت هذا المشروع؟
أعتقد أنَّ الحدث الأكثر إثارة هو دعوتي للتَّحدث في معرض إكسبو الدولي 2020 حول كلِّ ما أفعله. لكنَّ النِّعمة الحقيقية هي المجتمع الذي وجدته ينمو بشغف حول تاريخ الطَّعام، الأشخاص الذين قابلتهم عبر منصّات التّواصل الاجتماعي والذين أصبحوا الآن من أقرب أصدقائي. كنت محظوظة حقًا بدعمهم لي. أنا الآن على وشك البدء بمرحلة جديدة من مشروع الرقمنة، حيث أعمل مع تسعة مساعدين من الباحثين، وأعلم أنَّه لم يكن من الممكن القيام بذلك دونهم. كل منهم يعمل في بلد مختلف يبحث عن المواد، ويجري المقابلات، ويجعل هذه المنصة تتحد حتى يتمكن الآخرون من الاستفادة منها.

بإذن من سلمى سيري

بإذن من سلمى سيري

بطرس جرجس شليطا، رئيس الطهاة والمالك المشارك لحلويات بيبلوس في بيروت ومؤلف فن الحلوى والمقبلات. صورة من فن الحلوى والمقبلات، عام 1975. بإذن من سلمى سيري.
ما الذي تتمنين تحقيقه من خلال عملك؟
آمل أن أكون قادرة على تنمية المزيد والمزيد من الفضول حول الصلات اللانهائية التي يربطنا بها الطَّعام، وكيف أنَّه في الآن نفسه يحكي قصصنا الفريدة والمتنوعة.
هل لديك خطط مستقبلية؟ هل هناك معارض قادمة أو أعمال جديدة أو ورش عمل؟
لقد أنهيت للتو سلسلة من ورش العمل في بينالي السعودية في جدة الشهر الماضي، والتي كانت مستوحاة من تاريخ الطَّعام في الحج. أعمل الآن على جمع الوصفات التي عمل عليها المشاركون خلال ورش العمل لإنشاء كتاب طبخ إلكتروني يضم المكونات والأطباق والروحانيات والتجسيدات المرتبطة بالحج، وخلال هذا الوقت سأستمر في مشروع الأرشفة الواسع.




































